منير لكماني
منتدى العمق

إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب: رهانات العدالة المجالية والحق في العلاج

تمنح التغطية الصحية المواطن حماية مالية، لكنها لا تختصر وحدها الطريق إلى الطبيب، ولا تضمن توافر الدواء عند الوصول. وبين الاعتراف بالحق والقدرة على ممارسته تتحدد قيمة إصلاح الصحة في المغرب. فالمريض يقيس التحول بما يتغير في رحلته: موعد يستطيع بلوغه، وفحص يجري في وقته، وعلاج يستمر دون أن تستنزف تكاليف التنقل دخل أسرته. هنا يصبح مكان الإقامة امتحانا لعدالة السياسة الصحية.

يحاول مشروع المجموعات الصحية الترابية الإجابة عن هذا الامتحان بإعادة تنظيم الخدمات على مستوى الجهات. وقد أحدثها القانون رقم 08.22 مؤسسات عمومية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي. ويمنح هذا البناء فرصة لتنسيق المؤسسات وتوجيه الموارد وربط الرعاية الأولية بالمستشفيات. غير أن المؤسسة تكتسب قيمتها الاجتماعية بمقدار ما تتيحه من علاج، وما تزيله من عوائق تعترض الحصول عليه.

وتبدو حجة التدبير الجهوي وجيهة: معرفة الحاجات المحلية تساعد على اتخاذ قرارات أسرع وأدق. لكن نقل القرار يحتاج إلى صلاحيات وموارد تسانده. فإذا ظل المسؤول مطالبا بالنتائج دون قدرة على معالجة الخصاص، تقلص الاستقلال إلى ترتيب قانوني، وأعيد إنتاج الفوارق التي جاء الإصلاح لتصحيحها.

وتقدم تجربة طنجة وتطوان والحسيمة مؤشرات تستحق المتابعة. فبحسب بلاغ لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، صادر في 8 يونيو 2026، ارتفعت الاستشارات الطبية بنسبة 10,94% والعمليات الجراحية المبرمجة بنحو 35%. ووصف الوزير آنذاك أمين التهراوي المؤشرات بأنها أولية. وهي معطيات مشجعة عن النشاط، يستدعي تقييم دلالتها معرفة من استفاد، وأين، ومدى تغير الانتظار وجودة التكفل بالمريض.

فزيادة الاستشارات قد تتزامن مع استمرار صعوبة الوصول لدى سكان القرى، وقد يخفي المتوسط الجهوي جماعات بعيدة خارج دائرة التحسن. لذلك، يحتاج الحكم على التجربة إلى تقييم مستقل يميز بين الفئات والأقاليم، ويفصل أثر التنظيم عن أثر زيادة الموارد أو تغير الطلب. والسؤال الذي يمنح الأرقام معناها هو مقدار ما تقلص من حرمان، خصوصا لدى من كانت فرصهم أضعف.

وتفرض هذه الزاوية مراجعة منطق التمويل. فالإنصاف يقتضي توزيع الموارد بحسب الحاجة وصعوبة تلبيتها؛ وقد تحتاج منطقة جبلية متفرقة السكان إلى إنفاق أكبر للفرد لتأمين النقل والإسعاف واستقرار المهنيين. وتحتاج الدولة إلى آلية تضامن تعوض تفاوت الإمكانات بين الجهات. بذلك تحافظ الجهوية على قرب القرار، بينما تضمن المسؤولية الوطنية ألا تصبح جودة العلاج رهينة قدرة كل منطقة على تعبئة المال.

ويبلغ التمويل غايته عبر مهنيين تسمح ظروف عملهم بالاستمرار. فتوزيع الأطباء والممرضين يتطلب حوافز للسكن والتكوين والتطور المهني، مع التجهيز والأمان وتنظيم العمل. وترتبط فاعلية هذه السياسة بتقوية المراكز القريبة وتنظيم الإحالة والمتابعة. وتظل خدمات الوحدات المتنقلة والاستشارة عن بعد مرتبطة بشبكة تستقبل الحالات وتؤمن استمرار علاجها.

ومن داخل هذه الشبكة يمكن حماية الفئات التي تتراكم أمامها العوائق: الحوامل والمسنون والأشخاص ذوو الإعاقة والمصابون بأمراض مزمنة. فالخدمة المتاحة تحتاج أيضا إلى مواعيد مفهومة، وتواصل ملائم، واحترام للكرامة والخصوصية. ويشمل العبء المالي كلفة الطريق والإقامة وفقدان أيام العمل؛ لذلك فإن قياس الحماية الصحية ينبغي أن يلتقط ما تتحمله الأسرة فعليا حتى تصل إلى العلاج وتواصل الاستفادة منه.

ويحتاج هذا القياس إلى معلومات مترابطة وآمنة، تنشر نتائجها بصورة تتيح المحاسبة وتحمي المعطيات الشخصية. وتكتمل الرقمنة بإشراك المرضى والمهنيين في تحديد الأولويات، وتوفير شكايات تعالج بآجال معلنة.

وأمام وزير الصحة والحماية الاجتماعية، يونس بجيجو، أولوية تستحق أن تتصدر هذا الورش: تحويل الإنصاف إلى التزامات معلنة تحدد لكل جهة حاجاتها وآجال الاستجابة لها ومسؤوليات القائمين عليها. ويقتضي ذلك تمويلا يصحح الخصاص، وحوافز تستبقي الكفاءات بالمناطق المحرومة، وعقود تدبير تقيس التقدم في المواعيد والإحالات واستمرارية العلاج، بمؤشرات تراعي تفاوت أوضاع الانطلاق. وتكتسب هذه الالتزامات صدقيتها بنشر النتائج، وضمان تقييم مستقل، ومعالجة الشكايات داخل آجال محددة، حتى يعرف المواطن ما تحقق ومن يتحمل مسؤولية التأخر.

تلك هي المسافة التي يتعين على الإصلاح اختصارها: المسافة بين حق تعترف به الدولة وخدمة يجدها المواطن قريبة وآمنة وميسورة. وعندما يستطيع المريض متابعة علاجه دون خوف من الطريق أو الكلفة، تصبح إعادة تنظيم المؤسسات تغييرا محسوسا في حياته. فمكان الإقامة ينبغي أن يساعد على تحديد حاجاته، وأن يتوقف عن تقرير فرصه في الشفاء.