كايدي عبد الله
منتدى العمق

الاحتراف في الرياضة المغربية… بين الشعارات وشروط الممارسة

نُكثر في خطابنا الرياضي من استعمال كلمة «الاحتراف». نصف بها بطولةً أو نادياً أو جامعةً رياضية أو أسلوباً في التدبير، حتى غدت أحياناً لقباً نمنحه لأنفسنا قبل أن نتساءل عمّا إذا كانت شروطه متوفرة فعلاً.

الاحتراف أوسع من بدلة أنيقة، أو مكتب مجهّز، أو أجر يتقاضاه مسؤول أو مدرّب. وهو أبعد من مجرد مشاركة في الخارج أو نجاح في تنظيم تظاهرة رياضية.

الاحتراف منظومة عمل تقوم على اختصاصات واضحة، وكفاءات ملائمة، ومسؤوليات محدّدة، وموارد مستقرة، وتخطيط يمتد على عدة سنوات، وعقود تصون الحقوق، وبيانات موثوقة، وتقييم منتظم، والتزام بتقديم الحساب عن النتائج.

قد يعمل متطوّع بصرامة مهنية عالية، بينما يدبّر شخص يتقاضى أجراً بمنطق الارتجال. فالأجر وحده لا يصنع الاحتراف، والتطوّع لا يبرّر غياب التنظيم.

ولندرك حجم العمل المطلوب، لنتأمّل تجربة التعليم.

المقصود من استحضار المدرسة هو فهم كيف تُبنى منظومة قادرة على استقبال الأطفال وتأطيرهم ومواكبة تطوّرهم على مدى سنوات. ولكلٍّ من المدرسة والملعب وظيفته، كما أن ميزانية الوزارة تعكس نطاقاً من المسؤوليات يختلف عن نطاق عمل الجامعة الرياضية.

بحسب الإحصاءات الرسمية لوزارة التربية الوطنية، بلغ عدد تلاميذ التعليم العمومي في الأسلاك الابتدائي والثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي نحو 6 ملايين و771 ألف تلميذ وتلميذة خلال الموسم الدراسي 2024–2025.

ولتمدرس هؤلاء التلاميذ، أحصت الوزارة ما يلي:

  • 233٬421 قسماً.
  • 12٬258 مؤسسة تعليمية.
  • 289٬245 أستاذاً وأستاذة.

وتخصّ هذه الأرقام التعليم المدرسي العمومي وحده، وتستثني التعليم الأولي والتعليم الخاص والتعليم العالي.

وعلى الرغم من اتساع هذه المنظومة، فإنها ما تزال تواجه تحديات تتعلّق بجودة التعلّمات والإنصاف والانقطاع عن الدراسة، وتحتاج إلى إصلاحات وتكوين وتقييم مستمر.

وفي الرياضة، ماذا تقول الأرقام المتاحة؟

لنأخذ مثالاً موثّقاً من رياضة عريقة في البرنامج الأولمبي، مع الأخذ في الاعتبار أن بياناتها تخصّ هذه الرياضة وحدها.

خلال الموسم نفسه، 2024–2025، أعلنت الجامعة الملكية المغربية لألعاب القوى عن 205 أندية وجمعيات منضوية تحت لوائها، و16٬291 رياضياً ورياضية من حاملي الرخص، موزّعين على 15 عصبة جهوية.

لكلٍّ من القسم المدرسي والنادي الرياضي دوره، ولكلٍّ من عدد التلاميذ وعدد حاملي الرخص دلالته. وقد يكون الشخص نفسه تلميذاً وممارساً للرياضة في الوقت ذاته. ومع ذلك، فإن وضع هذه الأرقام جنباً إلى جنب يطرح سؤالاً حول مدى اتساع شبكة استقبال الممارسين وتكوينهم، وحول المسار الذي نريد أن نبني عليه التفوّق الرياضي.

كيف نوسّع قاعدة الممارسة، ونضمن استمراريتها، ثم نواكب المواهب حتى تبلغ أعلى المستويات؟

وتستحقّ الموارد بدورها أن تُدرس بوضوح.

وفق الأرقام المقدّمة في إطار مشروع قانون المالية لسنة 2026، خُصّص نحو 97٫1 مليار درهم لقطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي، ونحو 17٫3 مليار درهم لقطاع التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. وفي العرض الحكومي الخاص بالرياضة، أُعلن عن غلاف مالي للقطاع يبلغ نحو 2٫05 مليار درهم، مع الإشارة إلى تمويل تكميلي من الصندوق الوطني لتنمية الرياضة.

وتتعلّق هذه الأرقام بالاعتمادات المعلنة خلال إعداد الميزانية. أمّا الحصيلة النهائية فتُقاس بالنفقات المنفَّذة فعلياً. وتشمل الموارد الموجّهة للرياضة في المغرب مصادر ومساهمات أخرى إلى جانب ميزانية القطاع، وهو ما يستدعي حصرها قبل إجراء أي مقارنة شاملة.

والغاية من استحضار هذه الأرقام هي فهم شروط بناء المنظومة. فبناء أي منظومة يتطلّب موارد، وتوظيف هذه الموارد يتطلّب مشروعاً وحكامةً وتقييماً.

فهل نطالب القطاع الرياضي بنتائج احترافية من دون أن نوفّر له الوسائل اللازمة لتحقيقها؟ وهل تُستخدم الموارد المتاحة وفق أولويات واضحة يمكن تتبّع تنفيذها ومساءلة المسؤولين عنها؟

ثم نصل إلى الحلقة الحاسمة في هذه المنظومة، وهي المؤطّر الرياضي.

في التعليم، توجد مسارات للتوظيف والتكوين والتأطير والتفتيش، ويظلّ النقاش حول جودتها وفعاليتها مشروعاً.

وفي الرياضة، نحتاج إلى أجوبة دقيقة. كم عدد المدرّبين الذين يزاولون مهامهم فعلياً؟ ما مؤهّلاتهم؟ ومن الجهة التي سلّمتهم شهاداتهم؟ ما مضمون تكوينهم ومدّته؟ هل خضعوا لتقييم عملي؟ هل يستفيدون من التكوين المستمر؟ وهل تتناسب صلاحياتهم مع الفئات التي يؤطّرونها؟

تقتضي الإجابة عن هذه الأسئلة النظر في كل حالة على أساس معطياتها، وتقييم الكفاءة بأدلة تتجاوز مجرّد حيازة شهادة. واعتبار الشهادة التي تمنحها جامعة رياضية دبلوماً للدولة يتطلّب سنداً يثبت هذه الصفة.

وتُقاس قيمة أي مؤهّل بوضوح مرجعيته، وجودة التكوين الذي يستند إليه، ومصداقية تقييمه، ونطاق الكفاءات التي يشهد لحاملها بامتلاكها.

نحتاج إلى مدرّبين يتقنون التدريب، ويفهمون مراحل نموّ الطفل، ويُحسنون التخطيط والوقاية، ويلتزمون بأخلاقيات التأطير وحماية الممارسين. ونحتاج أيضاً إلى ظروف عمل تمكّنهم من تطبيق ما تعلّموه.

وماذا عن التخطيط؟

في قطاع التعليم، يُعلن عن خرائط طريق وبرامج إصلاح تمتد على عدة سنوات، وتظلّ نتائجها خاضعة للنقاش والتقييم.

وفي الرياضة، تكتسب الاستراتيجية قيمتها حين تتاح للجميع معرفة أهدافها ومدّتها وتمويلها، والمسؤولين عن تنفيذها، والمؤشرات التي يُقاس بها التقدّم.

تختلف ممارسات التخطيط من جامعة رياضية إلى أخرى. ومن حقّنا أن نسأل كل مؤسسة رياضية على حدة: أين يمكن الاطّلاع على خطّتكم؟ ما الذي أنجزتموه منها؟ وما الذي غيّرتموه حين لم تتحقّق الأهداف؟

المشاركة الدولية محطة في مسار التطوّر، ويُقاس احتراف المنظومة بمجموع مراحل هذا المسار. وتمثيل المغرب شرف ومسؤولية يستحقّان إعداداً في مستواهما. وينبغي أن يكون للمشاركة هدف رياضي واضح وأثر في مسار الرياضي يستمرّ بعد عودة الوفد والتقاط صورته التذكارية.

نحترم الرياضي الذي يضحّي، والمدرّب الذي يعمل بإمكانات محدودة، والنادي الذي يكافح من أجل الاستمرار. ونحترم المؤسسات التي تبني وتراجع ممارساتها وتُصلحها. ومن صميم هذا الاحترام أن نسمّي أوجه القصور في المنظومة بوضوح، وألّا نحجبها وراء كلمة «الاحتراف».

فلنستوفِ شروط الاحتراف قبل أن نطالب بلقبه.

قاعدة ممارسة تتّسع، وأندية قادرة على الاستمرار، ومؤطّرون مؤهّلون، ومسارات واضحة للمواهب، وتمويل مستقر، وحقوق مضمونة، وبيانات منشورة، وتقييم مستقل، ومسؤولون يُقدّمون الحساب عن أعمالهم.

أن نكون في طور البناء أمر طبيعي. تبدأ المشكلة حين نرفض الاعتراف بما ينقصنا، ثم نُطلق على الارتجال اسم «الاحتراف».

الاحتراف لا يمتّ إلى الارتجال بصلة… ومن يرفع شعاره عليه أن يتحمّل تبعاته ويلتزم بمقتضياته.