“المساءلة غير المكتملة”.. دراسة تقترح إلزام الوزراء بتنفيذ تعهداتهم الشفهية تحت قبة البرلمان
سياسة

“المساءلة غير المكتملة”.. دراسة تقترح إلزام الوزراء بتنفيذ تعهداتهم الشفهية تحت قبة البرلمان

دعت ورقة سياسات صادرة عن المعهد المغربي لتحليل السياسات إلى إدخال إصلاحات على تدبير جلسات الأسئلة الشفهية بمجلس النواب، من خلال تعزيز شفافية البيانات المتعلقة بمشاركة النواب، وإحداث لوحة بيانات دورية لرصد توزيع الأسئلة والتعقيبات بين القطاعات الحكومية، فضلا عن تطوير آلية تتبع التعهدات الحكومية وجعل وضعيتها قابلة للتحيين والتحقق، بما يسمح بتجاوز الاختلالات التي رصدتها الدراسة خلال الولاية التشريعية 2021-2026.

واقترحت الورقة، التي أعدها الباحث ياسر المختوم تحت عنوان “المساءلة غير المكتملة: اختلالات جلسات الأسئلة الشفهية بمجلس النواب”، حزمة من الإجراءات المؤسساتية التي تستهدف تحسين شروط ممارسة الرقابة البرلمانية، دون التركيز على الرفع من العدد الإجمالي للأسئلة أو التدخلات، باعتبار أن التحدي الأساسي يرتبط بمدى قدرة المؤسسة التشريعية على تنظيم المشاركة، وتوفير معطيات قابلة للرصد، واستكمال متابعة الالتزامات التي تعلنها الحكومة خلال جلسات المساءلة.

وتتمحور المقترحات حول ثلاثة تدخلات رئيسية، أولها إتاحة بيانات مفتوحة ومنظمة بشأن مشاركة النواب في الجلسات الأسبوعية، وثانيها تطوير أدوات رصد الأجندة الرقابية وتوزيع الاهتمام بين القطاعات والموضوعات، وثالثها استكمال آلية تتبع التعهدات الحكومية من خلال تحديد وضعية كل التزام ومراحل تنفيذه ومآله، مع مراجعة المادة 301 من النظام الداخلي لمجلس النواب لجعل الإجابة عن مآل التعهدات إلزامية بدل الاكتفاء بصيغة الإمكانية المعمول بها حاليا.

بيانات مفتوحة لتتبع مشاركة النواب في الجلسات

ويتمثل المقترح الأول في تعزيز شفافية البيانات المتعلقة بمشاركة أعضاء مجلس النواب في جلسات الأسئلة الشفهية، من خلال نشر بيانات مفتوحة وقابلة للمعالجة الآلية، تشمل مختلف أشكال التدخلات المسجلة خلال هذه الجلسات، بما فيها الأسئلة الشفهية والتعقيبات ونقط النظام والإحاطات بموضوع طارئ.

وتدعو الورقة إلى تجاوز الاكتفاء بنشر محاضر الجلسات بصورة منفصلة، نحو توفير قاعدة بيانات منظمة تسمح بمعرفة حجم مشاركة كل نائب وطبيعتها، وتتبع تطورها على امتداد الولاية التشريعية، بما يتيح الوصول إلى المعلومات دون الحاجة إلى تجميع المعطيات يدويا من عشرات المحاضر.

ويستند هذا المقترح إلى كون البيانات المنشورة حاليا، رغم إتاحتها للعموم، لا تقدم مؤشرات مجمعة تسمح بتحديد عدد تدخلات كل نائب وتصنيفها بحسب طبيعتها، وهو ما يجعل استخراج هذه المعلومات وتحليلها عملية تتطلب جهدا إضافيا من الباحثين والمهتمين بالشأن البرلماني.

وتقترح الدراسة أن تشمل البيانات المفتوحة مختلف أشكال المشاركة داخل الجلسات، بما يسمح بعدم اختزال النشاط الرقابي في عدد الأسئلة الشفهية فقط، وإدراج التعقيبات ونقط النظام والإحاطات بموضوع طارئ ضمن صورة أكثر شمولية عن كيفية استعمال النواب للأدوات المتاحة لهم.

كما تدعو إلى جعل هذه البيانات قابلة للتتبع عبر الزمن، بما يسمح بمقارنة مستويات المشاركة خلال مختلف مراحل الولاية التشريعية، ورصد تطورها بصورة منتظمة، وتوفير مادة قابلة للاستعمال في الأبحاث والدراسات المتعلقة بالأداء الرقابي للمؤسسة التشريعية.

غير أن الورقة تضع قيدا منهجيا واضحا على كيفية استعمال هذه المعطيات، إذ تشدد على عدم التعامل معها باعتبارها ترتيبا لأداء النواب أو مؤشرا وحيدا للحكم على فعاليتهم، بالنظر إلى تعدد مجالات العمل البرلماني التي تشمل التشريع واللجان الدائمة والأسئلة الكتابية والمهمات الاستطلاعية والدبلوماسية البرلمانية وغيرها.

لوحة بيانات دورية لرصد الأجندة الرقابية

أما المقترح الثاني، فيتعلق بجعل الأجندة الرقابية داخل مجلس النواب أكثر قابلية للرصد والتحليل، من خلال تطوير لوحة بيانات دورية تعرض توزيع الأسئلة والتعقيبات بحسب القطاعات الحكومية والموضوعات، مع إمكانية تتبع تطورها عبر الزمن.

وتستهدف هذه الآلية توفير صورة منظمة عن المجالات التي تستقطب اهتمام النواب خلال جلسات الأسئلة الشفهية، بما يسمح برصد القطاعات الأكثر حضورا والأقل استقطابا للتدخلات، ومعرفة التحولات التي تطرأ على أولويات الرقابة البرلمانية خلال الولاية التشريعية.

وتقترح الورقة أن تشمل لوحة البيانات مؤشرات مرتبطة بتوزيع الأسئلة والتعقيبات بين القطاعات الحكومية، بما يتيح للباحثين والمهتمين بالشأن العام الاطلاع على بنية الأجندة الرقابية، بدل الاقتصار على أرقام إجمالية لا تكشف بالضرورة عن المجالات التي تتركز فيها المساءلة.

وتكمن أهمية هذا المقترح في تمكين المؤسسة التشريعية من توفير معلومات دورية حول اتجاهات الرقابة، ورصد التغيرات التي تعرفها حسب القطاعات والموضوعات، بما يسمح بتحديد المجالات التي تستقطب اهتماما متزايدا أو تلك التي تسجل حضورا محدودا.

كما تتيح هذه المعطيات إمكانية تتبع تطور الاهتمام الرقابي عبر الزمن، ومقارنة توزيع الأسئلة والتعقيبات بين مراحل مختلفة من الولاية التشريعية، بما يساعد على فهم طبيعة الأولويات التي تحكم الممارسة الرقابية داخل المجلس.

وفي هذا الإطار، لا تدعو الورقة إلى فرض توزيع متساو للأسئلة والتعقيبات بين جميع القطاعات الحكومية، ولا تعتبر التفاوت القطاعي اختلالا في حد ذاته، بالنظر إلى اختلاف اختصاصات الوزارات وطبيعة القضايا التي تتولاها ومدى ارتباطها المباشر بانشغالات المواطنين.

وإنما يتمثل الهدف في جعل هذا التوزيع قابلا للرصد، وتوفير معلومات تسمح بفهم أسبابه واتجاهاته، دون افتراض أن جميع القطاعات ينبغي أن تستقطب العدد نفسه من الأسئلة أو أن المساواة الحسابية بينها تمثل معيارا لفعالية الرقابة.

تطوير آلية تتبع التعهدات الحكومية

ويشكل المقترح الثالث أحد أبرز محاور الإصلاح التي تدعو إليها الورقة، ويتعلق بتطوير الآلية القائمة لتتبع التعهدات الحكومية، حتى لا تقتصر وظيفتها على تسجيل الالتزامات التي يعلنها أعضاء الحكومة خلال جلسات الأسئلة الشفهية، وإنما تمتد إلى توفير معلومات دقيقة ومحدثة بشأن مآل كل تعهد ومستوى تنفيذه.

وتقترح الدراسة تحديث وضعية التعهدات بصورة دورية، بما يسمح بتحديد المرحلة التي بلغها كل التزام، وإتاحة معطيات موحدة بشأنه يمكن الرجوع إليها وتتبعها، بدل الاكتفاء بتسجيل التعهد ضمن قاعدة بيانات دون توفير معلومات كافية حول ما تحقق منه.

وفي هذا السياق، تدعو الورقة إلى اعتماد تصنيف واضح لوضعيات التعهدات الحكومية، يميز بين التعهد المنفذ، والمنفذ جزئيا، وقيد التنفيذ، وغير المنفذ، والمتعذر التحقق من مآله.

ومن شأن هذا التصنيف أن يسمح بالتمييز بين مختلف مراحل تنفيذ الالتزامات الحكومية، وألا تختلط الإجابة عن مصير التعهد بمستوى الوفاء به، باعتبار أن تقديم جواب بشأن المآل لا يعني بالضرورة أن التعهد قد نفذ فعليا.

كما تقترح الدراسة تحديد أجل مرجعي للإجابة عن مآل التعهدات، بما يساهم في جعل عملية التتبع أكثر انتظاما، ويوفر إطارا زمنيا يسمح بمعرفة متى ينبغي تقديم المعلومات المتعلقة بكل التزام.

ويأتي هذا المقترح في سياق التأكيد على أن آلية جرد التعهدات الحكومية موجودة بالفعل ضمن النظام الداخلي لمجلس النواب، ولا يتعلق الأمر بإنشاء آلية جديدة من الصفر، وإنما بتطوير الآلية القائمة واستكمال مراحلها بما يضمن الانتقال من تسجيل الالتزام إلى تتبع وضعية تنفيذه.

وتستهدف هذه الخطوة تمكين المؤسسة التشريعية من معرفة ما إذا كانت التعهدات التي تقدمها الحكومة خلال جلسات المساءلة قد تحولت إلى إجراءات فعلية، أو ما تزال قيد التنفيذ، أو لم تنفذ، أو تعذر التحقق من مآلها، بما يعزز إمكانية تقييم نتائج الرقابة البرلمانية.

مراجعة المادة 301 لجعل الإجابة إلزامية

ولا تقف الورقة عند حدود تطوير آليات التتبع التقنية والتنظيمية، بل تقترح أيضا مراجعة المادة 301 من النظام الداخلي لمجلس النواب، باعتبارها أحد المقتضيات المؤطرة للإجابة عن مآل التعهدات الحكومية.

وتنص المادة المذكورة حاليا على أنه “يمكن للحكومة الإجابة عن مآل التعهدات” التي جرى جردها خلال جلسات الأسئلة الشفهية، وهي الصياغة التي تعتبر الدراسة أنها تستدعي المراجعة، من أجل جعل الإجابة عن هذه التعهدات إلزامية بدل الاكتفاء بإتاحة إمكانية القيام بذلك.

وتربط الورقة هذا المقترح بضرورة استكمال دورة المساءلة، إذ إن تسجيل التعهدات وجردها وإحالتها ضمن المساطر المعمول بها لا يكفي وحده لضمان تتبعها، ما لم تتوفر إجابات منتظمة بشأن مآلها.

ومن شأن مراجعة المادة 301، وفق التصور الذي تقدمه الدراسة، أن تعزز الطابع المؤسساتي لعملية التتبع، من خلال الانتقال من صيغة تسمح للحكومة بالإجابة إلى مقتضى يلزمها بتقديم معطيات حول وضعية الالتزامات التي سبق أن أعلنتها خلال جلسات المساءلة.

كما تتكامل هذه المراجعة مع المقترح المتعلق بتحديد أجل مرجعي للإجابة عن مآل التعهدات، بما يتيح الجمع بين إلزامية تقديم المعلومات وانتظام توفيرها، فضلا عن تحديث قاعدة البيانات التي تتضمن وضعية كل التزام.

وتؤكد الورقة، في هذا السياق، ضرورة عدم الخلط بين إلزامية الإجابة عن المآل وإثبات التنفيذ، إذ إن تقديم جواب بشأن التعهد يظل مرحلة أولى، بينما تتطلب معرفة مستوى الوفاء به توفير معلومات تسمح بالتحقق من التنفيذ الكامل أو الجزئي أو استمرار الالتزام قيد التنفيذ.

من تدبير زمن الجلسة إلى إدارة العملية الرقابية

وتجمع هذه المقترحات الثلاثة بين تطوير شفافية المشاركة، وتحسين قابلية رصد الأجندة الرقابية، واستكمال تتبع الالتزامات الحكومية، في إطار تصور يرمي إلى تحسين إدارة جلسات الأسئلة الشفهية ومخرجاتها.

ولا تستهدف الورقة من خلال هذه الإجراءات الرفع من عدد الأسئلة أو التدخلات المسجلة داخل الجلسات، وإنما تعزيز الشروط المؤسساتية التي تجعل النشاط الرقابي أكثر وضوحا وقابلية للتتبع والتقييم.

ويعني ذلك الانتقال من الاكتفاء بتوفير محاضر الجلسات وقواعد بيانات التعهدات إلى تطوير منظومة معلوماتية تسمح بمعرفة من يشارك في الجلسات، وكيف تتوزع التدخلات بين القطاعات، وما الذي آل إليه ما تعلنه الحكومة من التزامات.

كما أن المقترحات لا تجعل من التوزيع المتساوي للتدخلات بين النواب أو القطاعات هدفا في حد ذاته، ولا تعتبر كثرة المشاركة معيارا وحيدا لقياس الأداء البرلماني، وإنما تركز على توفير المعلومات اللازمة لفهم الممارسة الرقابية وتقييمها في إطارها المؤسساتي.

وتخلص الورقة إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في الانتقال من تدبير زمن الجلسة إلى إدارة العملية الرقابية، بما يشمل تنظيم المشاركة، وضبط استعمال الأدوات الإجرائية، ورصد الأجندة القطاعية، وتتبع التعهدات الحكومية والتحقق من مستوى تنفيذها.