انعقد يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026 اجتماع لمجلس الأمن، وذلك قبل 24 ساعة من انتهاء مهمة بعثة المينورسو. وجاء هذا الاجتماع موازيا مع احتفال المغاربة، ملكا وشعبا، بالذكرى الأولى لعيد الوحدة.
هذا العيد الذي أتى في سياق إعلان صاحب الجلالة الملك محمد السادس يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا جديدا تحت اسم “عيد الوحدة”، بموجب بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم 4 نونبر 2025 (1). وقد جاء هذا القرار عقب الخطاب الملكي التاريخي ليوم 31 أكتوبر 2025 (2)، مباشرة بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي للقرار رقم 2797 بشأن الصحراء المغربية.
وعلى ضوء القرار الأممي 2797 الصادر بتاريخ 31 أكتوبر 2025، الذي يعتبر لحظة تاريخية حاسمة في تاريخ المغرب، والذي أعاد بناء الذاكرة الجمعية للمغاربة حول تحقيق مكتسبات الوحدة الترابية للصحراء المغربية، نجد أنه انتصار للدبلوماسية الملكية للملك محمد السادس نصره الله، التي استطاعت إبهار العالم بواسطة استراتيجية دبلوماسية امتدت لعقود، والآن نجني ثمارها.
كل هذا شكل منعطفا تاريخيا في دخول المغرب إلى عالم الدول الصاعدة. ولعل مقاربات مقترح الحكم الذاتي الذي طرحته الدبلوماسية الملكية سنة 2007 لخير دليل على ذلك.
من جهة أخرى، أعاد هذا القرار الاعتبار للمحطات التاريخية الكبرى التي عرفتها هذه القضية، ولعل أبرزها ذكرى المسيرة الخضراء التي شكلت فكرة وإبداعا في التلاحم بين العرش والشعب، ورمزا للروح الوطنية وقيم المواطنة الفاعلة التي ميزت التاريخ السياسي للمغرب. كل هذا استحضر ذكريات هذه الذكرى وسردياتها ومهندسها الملك الحسن الثاني طيب الله مثواه.
وستحاول هذه المقالة تقديم قراءة في حق الفيتو الذي استعملته روسيا ضد المشروع الأممي الذي أكد مقاربة الحكم الذاتي كحل نهائي للنزاع، وذلك من خلال ثلاثة محاور.
المحور الأول: تشكيلة مجلس الأمن
يتشكل مجلس الأمن الدولي من 15 دولة (3):
1. الأعضاء الدائمون (5 دول لها حق الفيتو)
- الولايات المتحدة الأمريكية
- روسيا
- الصين
- فرنسا
- المملكة المتحدة – بريطانيا
هؤلاء لا يمكن إسقاط عضويتهم، وأي قرار يلزم 9 أصوات منها موافقة الدول الخمس، ويكفي فيتو واحد لإسقاطه، كما فعلت روسيا يوم 30 أكتوبر 2026.
2. الأعضاء غير الدائمون (10 دول لولاية سنتين)
التشكيلة الحالية في نونبر 2026، وهي التي صوتت على ملف الصحراء:
البحرين، كولومبيا، جمهورية الكونغو الديمقراطية، لاتفيا (وهي التي تتولى رئاسة المجلس هذا الشهر – نونبر 2026)، ليبيريا، الدنمارك، اليونان، باكستان، بنما، الصومال.
هذه التشكيلة دخلت في فاتح يناير 2026، وحلت محل: الجزائر وغينيا وكوريا الجنوبية وسيراليون وسلوفينيا.
والتركيبة الجديدة تضم دولا تعترف بمغربية الصحراء ولها قنصليات في العيون والداخلة (البحرين، ليبيريا، الصومال…)، وهو ما فسر تصويت 11 دولة لصالح المشروع الأمريكي قبل أن تسقطه روسيا بالفيتو. وهذا ما سنناقشه في المحور الثاني.
المحور الثاني: المشروع الأمريكي وحق النقض الذي تقدمت به روسيا
بناء على النص الكامل الذي تم تسريبه من مجلس الأمن (4)، يمكن إجمال فحوى المشروع الأمريكي حول الصحراء الذي أسقطه الفيتو الروسي يوم 30 أكتوبر 2026 في النقط التالية:
أولا: الهدف السياسي هو تغيير المرجعية
مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحين هو الأساس الوحيد للمفاوضات، والحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية هو الحل الأكثر قابلية للتطبيق.
يعني لم يعد الحكم الذاتي مجرد مبادرة محترمة، بل أصبح المرجعية الوحيدة الملزمة للتفاوض.
*ثانيا: الهدف المؤسساتي هو نهاية المينورسو كما نعرفها وذلك عبر
1. تغيير الاسم: ابتداء من 1 نونبر 2026 تتغير من MINURSO إلى MINUSO – حذف حرف R يساوي حذف الاستفتاء.
2. تمديد مشروط: تمديد الولاية إلى 31 أكتوبر 2027 فقط، مع طلب من الأمين العام تقديم تقرير مفصل بحلول 30 يناير 2027 عن: تقليص عدد الأفراد النظاميين (155 عسكري حاليا)، إغلاق أو دمج بعض المواقع الميدانية، إعادة هيكلة الموارد البشرية، تكلفة البعثة 62 مليون دولار سنويا (5).
3. تحويل البعثة من بعثة عسكرية لمراقبة وقف إطلاق النار وتنظيم استفتاء، إلى بعثة سياسية لمواكبة الحكم الذاتي.
ثالثا: بنود إنسانية وقانونية جديدة
- دعوة مفوضية اللاجئين UNHCR لإجراء إحصاء للاجئين في مخيمات تندوف.
- الدعوة لعقد 3 اجتماعات وزارية مباشرة في واشنطن ومدريد بمشاركة المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو بوساطة أمريكية وأممية.
والسؤال الذي يطرح انطلاقا مما سبق لماذا يعتبر هذا المشروع تاريخيا؟
لأنه أول مرة تكتب الولايات المتحدة الأمريكية نصا يقول: الاستفتاء انتهى كفكرة، والسيادة المغربية هي الإطار، والحكم الذاتي ليس مقترحا بل هو الحل.
وهذا ما جعل 11 دولة تصوت معه، وامتنعت 3 دول (الصين وباكستان والصومال)، وعارضته روسيا وحدها بالفيتو.
المشروع سقط قانونيا، لكنه بقي كوثيقة سياسية مرجعية، خصوصا أن تقرير الأمين العام S/2026/781 الصادر في 1 أكتوبر 2026 (6) يسجل بالفعل تأييد السويد وسويسرا للحكم الذاتي وتعليق مالي وهندوراس وبوليفيا اعترافها بالجمهورية الوهمية.
المحور الثالث: البلاغ الملكي والذكاء الدبلوماسي للمغرب
كما أبدع جلالة المغفور له الحسن الثاني المسيرة الخضراء كذكاء شعبي حرر الأرض دون رصاصة واحدة، يواصل جلالة الملك محمد السادس نصره الله اليوم نفس العبقرية بذكاء دبلوماسي، حول به عدم تمديد ولاية المينورسو بعد خمس وثلاثين سنة، إلى خطوة نحو الطي النهائي لهذا الملف داخل الأمم المتحدة.
خلاصات
الخلاصة الأولى: الأحداث الأخيرة لقضية وحدتنا الترابية حولت الفشل إلى نصر. إذا كان مجلس الأمن قد فشل في التصويت بسبب الفيتو الروسي، فإن المغرب حوله إلى أداة لإنهاء البعثة التي كان يريد إنهاءها أصلا.
الخلاصة الثانية: بعد 35 سنة، كانت الأمم المتحدة تدير النزاع: كل سنة تمديد وتقرير، والمغرب سحب الشرعية من أي نقاش مستقبلي في نيويورك، مع الالتزام بوقف إطلاق النار ومواصلة البناء التنموي في أقاليمه الجنوبية.
المراجع والهوامش
(1) انظر بلاغ الديوان الملكي، الرباط، 4 نونبر 2025، بخصوص إحداث عيد الوحدة جريدة هيسبريس الالكترونية بتاريخ4نونبر 2025.
(2)انظر نص الخطاب الملكي السامي، 31 أكتوبر 2025، بمناسبة صدور القرار 2797.جريدة هيسبريس الالكترونية
(3) انظر ميثاق الأمم المتحدة، الفصل الخامس، المواد 23-27.
(4)انظر مشروع القرار الأمريكي، مداولات مجلس الأمن، جلسة 30 أكتوبر 2026.
(5)انظر وثائق اللجنة الخامسة للجمعية العامة، ميزانية المينورسو 2025-2026.
(6)انظر تقرير الأمين العام S/2026/781، 1 أكتوبر 2026.
(7) انظر بلاغ الديوان الملكي، الرباط، 30 أكتوبر 2026، وجلسة العمل الملكية 4 نونبر 2026.وكالة المغرب العربي للانباء
7-انظر بنهيمة، محمد. (2020). الحكم الذاتي كحل سياسي للنزاعات الإقليمية. مجلة العلوم السياسية والقانون، جامعة محمد الخامس
8-انظر العروي، عبد الله. (2012). المغرب والاستعمار. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.