أثار باحثون وأساتذة جامعيون مجموعة من الإشكالات المرتبطة بمشروع قانون المالية لسنة 2027، خصوصا ما يتعلق بالعدالة الضريبية ونجاعة الاستثمار العمومي والتفاوتات المجالية، محذرين من أن رفع الاعتمادات المالية وتوسيع الاستثمارات لا يضمنان بالضرورة تحقيق التنمية وتحسين الأوضاع الاجتماعية، ما لم يقترنا بآليات فعالة لتقييم النتائج وقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للسياسات العمومية.
جاء ذلك خلال ندوة علمية احتضنها مركز دراسات الدكتوراه بكلية الاقتصاد والتدبير بفاس، يوم الأربعاء 4 نونبر 2026، تحت عنوان “البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية 2027: أي توازن بين النجاعة الاقتصادية والاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية؟”، بمشاركة باحثين وأكاديميين ومهتمين بالسياسات المالية والاقتصادية.
ونُظمت الندوة بمبادرة من شعبة الاقتصاد وتدبير المنظمات وشعبة التدبير، ومختبرات ERMOT وLIREFIMO وLIRDEFE، بشراكة مع منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية، بهدف مناقشة التوجهات المالية للحكومة ومدى قدرتها على التوفيق بين متطلبات النمو الاقتصادي والانضباط الميزانياتي والإنصاف الاجتماعي والمجالي.
وفي مداخلة تناولت السياسة الضريبية من زاوية الاقتصاد السياسي، توقف الأستاذ محمد النميلي عند ما وصفه بمفارقات مشروع قانون المالية، مشيرا إلى أن التخفيضات المرتقبة في الضريبة على الدخل تحظى باهتمام إعلامي واسع، باعتبارها إجراءات داعمة للقدرة الشرائية، في مقابل اهتمام أقل بزيادات بعض الضرائب غير المباشرة التي قد تنعكس على أسعار الاستهلاك.
وسجل النميلي أن المشروع يتوقع ارتفاع مداخيل الضريبة على الدخل بنحو 11 في المائة، رغم إجراءات التخفيض، إلى جانب زيادة حصيلة الضريبة على القيمة المضافة الداخلية بنسبة 18.26 في المائة.
وأوضح أن ارتفاع المداخيل الضريبية لا يعني بالضرورة زيادة العبء الجبائي على كل ملزم، مشددا على أهمية التمييز بين الأثر المالي الإجمالي للإجراءات الضريبية وتوزيع أعبائها الفعلية بين فئات المجتمع.
كما أثار مسألة رفع الضريبة على شركات استيراد وتوزيع المحروقات من 35 إلى 40 في المائة، متسائلا عما إذا كانت الشركات والمساهمون سيتحملون هذه الزيادة، أم أن جزءا من تكلفتها سينتقل إلى المستهلكين عبر الأسعار.
واعتبر المتدخل أن العدالة الضريبية لا ينبغي قياسها بحجم التخفيضات المعلنة فقط، وإنما بمدى إنصاف توزيع العبء الجبائي، داعيا إلى تعزيز شفافية القرارات الضريبية وتقييم آثارها الاقتصادية والاجتماعية.
من جانبه، اعتبر الأستاذ عبد الرزاق الهيري أن التحدي الأساسي الذي يواجه البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يرتبط بحجم الاعتمادات المخصصة لمختلف القطاعات، بقدر ما يتعلق بمدى قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة لفائدة المواطنين.
وأوضح أن رفع الاستثمار العمومي إلى 400 مليار درهم يطرح تحدي تحويل هذه الموارد إلى رافعة حقيقية للاستثمار الخاص وإحداث فرص شغل قارة ومنتجة، عوض الاكتفاء بتنفيذ المشاريع دون قياس أثرها التنموي.
وشدد الهيري على ضرورة ضمان استدامة المالية العمومية عبر التحكم في العجز والمديونية، وتحسين مردودية الإنفاق العام، دون المساس بالاستثمارات الاجتماعية، خاصة في قطاعات التعليم والصحة والقدرة الشرائية.
ودعا إلى ربط الميزانيات بمؤشرات الأداء، وإخضاع المشاريع لتقييم منتظم، مع تعزيز الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي الاتجاه نفسه، اعتبر الدكتور أنور الأشقم أن النجاعة المالية لا تقتصر على قدرة الدولة على إنفاق الموارد وتحقيق المؤشرات المبرمجة، وإنما تشمل بالأساس مدى صواب الاختيارات التي توجه هذا الإنفاق.
وحذر من إمكانية نجاح بعض البرامج الحكومية في تحقيق أهدافها التقنية والميزانياتية دون معالجة الاختلالات البنيوية للمجتمع، داعيا إلى الانتقال من قياس الأداء الميزانياتي إلى تقييم الأثر المجتمعي للسياسات العمومية.
وفي مداخلة حول التوازنات المالية والعدالة الاجتماعية، دعا الأستاذ أمين السعيد إلى مراجعة طريقة توزيع الاستثمارات العمومية، من خلال إعطاء الأولوية للجهات والأقاليم والعمالات الأكثر هشاشة، وفق مؤشرات موضوعية تراعي التفاوتات الاجتماعية والمجالية.
واعتبر أن تحقيق الإنصاف المجالي يستوجب تجاوز التوزيع التقليدي للاستثمارات، ومراجعة الإطار القانوني للاستثمار بما يعزز فعالية المنح الموجهة إلى المناطق المهمشة.
كما اقترح مراجعة القانون التنظيمي للجهات، لمعالجة التفاوتات التنموية داخل الجهة الواحدة، وضمان حد أدنى من التنمية لكل عمالة وإقليم، مع تعزيز التنسيق بين صناديق التضامن والتأهيل الاجتماعي والتنمية القروية.
ونبه السعيد إلى أن الاستثمار في البنيات التحتية يظل محدود الأثر إذا لم يواكبه توفير الموارد البشرية والكفاءات الضرورية لتشغيلها، داعيا إلى مراجعة أنظمة الأجور والتعويضات، وإقرار تحفيزات خاصة لفائدة الأطر العاملة بالمناطق النائية والجبلية والمهمشة، خصوصا في قطاعات الصحة والتعليم والهندسة.
وفي ما يتعلق بالبرنامج الحكومي، دعا المتدخل إلى إرساء عرف سياسي وأخلاقي يضمن الوفاء بالالتزامات الانتخابية، مع مراجعة القانون التنظيمي لقانون المالية بما يسمح بمراعاة الوضعية الخاصة للحكومات الجديدة خلال السنة الأولى من ولايتها.
وفي قراءة نقدية للمقتضيات الجمركية لمشروع قانون المالية، تناول الأستاذان محمد رضى الرويجل وعبد المجيد الوعثماني عددا من التدابير المرتبطة برسوم استيراد اللحوم الحمراء والأعلاف الحيوانية وأعلاف الأحياء المائية وبعض الأجهزة الطبية.
كما استعرضا التعديلات المرتبطة بالضرائب الداخلية على الاستهلاك، خصوصا تلك المتعلقة بالتبغ والسجائر الإلكترونية والمشروبات الكحولية والغازية، وما تطرحه من رهانات صحية ومالية.
وسجل المتدخلان أن عددا من الإجراءات التي اعتُمدت في البداية باعتبارها تدابير استعجالية تحولت إلى ترتيبات دائمة دون إرساء آليات واضحة لتقييم نتائجها أو مراجعتها.
وحذرا من التداعيات المحتملة لبعض التدابير الجمركية على الإنتاج الوطني والأسعار، ومن مخاطر تنامي الغش والتهريب، فضلا عن تراجع وضوح التعريفة الجمركية.
كما أثارا غياب إجراءات مباشرة لخفض أسعار المحروقات، داعيين إلى إخضاع التدابير المقترحة للتتبع والتقييم، بما يضمن تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المعلنة.
وشهدت الندوة، التي أدار جلستها العلمية الأستاذ فؤاد بلحاج، مدير مختبر LIRDEFE، نقاشا مفتوحا بين الباحثين والأساتذة والطلبة، تمحور حول مدى واقعية الفرضيات التي بُني عليها مشروع قانون المالية، ومدى انسجام مقتضياته مع الالتزامات الواردة في البرنامج الحكومي.
وأثار المشاركون تساؤلات بشأن جدوى رفع الاستثمار العمومي من 380 إلى 400 مليار درهم في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، ومدى فعالية آليات التمويل المبتكر المعتمدة بالمغرب.
كما ناقشوا إشكالية الانتقال من صندوق أو برنامج عمومي إلى آخر دون تقييم شامل لحصيلة البرامج السابقة، أو قياس النتائج المحققة مقارنة بالاعتمادات المالية التي استهلكتها.
وفي الكلمات الافتتاحية، أكد عميد كلية الاقتصاد والتدبير بالنيابة، المصطفى مرابطي، أهمية تنظيم مثل هذه اللقاءات لمواكبة النقاش العمومي بشأن السياسات الاقتصادية والمالية.
من جانبه، أوضح عثمان المودن، رئيس منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية، أن المنتدى دأب على تنظيم ندوات لمناقشة البرامج الحكومية ومشاريع قوانين المالية، في إطار رسالته الرامية إلى تعميم المعرفة المالية منذ تأسيسه سنة 2014.
وكشف أن اللقاء يشكل محطة تمهيدية للنسخة الثانية عشرة من القافلة التواصلية لقانون المالية، التي يعتزم المنتدى تنظيمها عقب التصويت على المشروع.
دورها، أكدت سميرة توات، مديرة مختبر ERMOT، أهمية انفتاح المؤسسة الجامعية على النقاشات المرتبطة بالسياسات العمومية، وتعزيز الشراكة مع منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية، بما يتيح للأساتذة والطلبة المساهمة في تحليل الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة.