قبل سنوات، كان الشاب المغربي في أوروبا إذا أشكل عليه أمر من أمور دينه سأل أباه أو إمام المسجد، وربما انتظر عطلة الصيف ليسأل فقيها في البلد. اليوم يكتب سؤاله في خانة البحث على تيك توك أو يوتيوب، فتأتيه في ثوان عشرات الأجوبة من أشخاص لا يعرف عنهم شيئا غير عدد متابعيهم. هؤلاء هم شيوخ المنصات، وقد صاروا في حياة كثير من شبابنا أقرب من الإمام ومن الأب.
وليس هذا انطباعا شخصيا فقط. ففي استطلاع أجرته مؤسسة «سافانتا» لصالح منصة «هايفن» البريطانية سنة 2023، قال 71 في المائة من الشباب المسلمين بين 16 و24 سنة إنهم يبحثون عن المعلومة الدينية في وسائل التواصل الاجتماعي أحيانا أو كثيرا، مقابل 46 في المائة يلجؤون إلى إمام أو مرجع ديني. والاستطلاع بريطاني، ولا نملك أرقاما مماثلة عن الشباب المغربي في هولندا أو بلجيكا أو فرنسا، وهذا الغياب نفسه جزء من المشكلة.
أريد في هذا المقال أن أتجاوز سؤال «هل يتعلم شبابنا دينهم من الإنترنت؟»، فجوابه معروف، إلى سؤال أصعب: ما الذي يحدث للتدين نفسه حين تصبح الخوارزمية هي التي تختار ما يصل إلى الشاب من دينه؟
سلطة دينية بلا عنوان
ظلت السلطة الدينية في التجربة المغربية مرتبطة بأشخاص معروفين ومؤسسات لها عنوان. فالعالم درس على شيوخ يعرفهم الناس وأجيز منهم، والمسجد يعرف رواده إمامه، والمجلس العلمي يرجع إليه عند الاختلاف. وكان هذا الارتباط يمنح الكلمة الدينية وزنها، لأن المتلقي يعرف من يتكلم ومن أين جاء كلامه. ما تفعله المنصات أنها تفصل الكلام عن صاحبه. فالمقطع يتداول ويقتطع ويعاد نشره، حتى يصل إلى الشاب وقد فقد اسم قائله وسياقه، ولم يبق منه إلا صوت واثق وعبارة قاطعة.
وقد لاحظ عالم الاجتماع الفرنسي أوليفييه روا في كتابه «الجهل المقدس» أن الدين في زمن العولمة ينفصل عن الثقافة التي احتضنته. وأضيف من جهتي أن الشاب المغربي في أوروبا يعيش هذا الانفصال مضاعفا، فهو بعيد عن البيئة التي تشكل فيها تدين آبائه، ولا يملك في الغالب اللغة التي كتب بها تراثها، ثم تأتي المنصات لتقدم له دينا منزوعا من كل ذلك، سهل الحمل وسريع الاستهلاك. وهذا ما يفسر ميل كثير من المحتوى الرائج إلى الصرامة الشكلية، فالقاعدة المجردة أسهل في الاختصار من الفقه الذي يراعي العرف والحال والمآل، وهو ما بنى عليه المالكية فقههم قرونا.
تدين الحدود
كثيرا ما نتحدث عن المنصات كأنها وسيط محايد ينقل ما يوضع فيه. والواقع أن لها منطقها الخاص، وهو منطق اقتصاد الانتباه، حيث يتقدم ما يشد المشاهد ويدفعه إلى التعليق والمشاركة، ويتراجع ما يطلب منه التأمل والصبر. وقد حللت دراسة نشرتها مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم الأمريكية (PNAS) سنة 2021 نحو ثلاثة ملايين منشور على فيسبوك وتويتر، فوجدت أن الإشارة إلى الفريق المخالف كانت أقوى عامل في رفع احتمال المشاركة، متقدمة على اللغة العاطفية والأخلاقية نفسها. صحيح أن الدراسة اهتمت بالمحتوى السياسي، غير أن من يتابع المحتوى الديني الرائج يلاحظ الآلية ذاتها. فالمقطع الذي يرد على فرقة أو يشنع على داعية أو يحذر من بدعة ينتشر أسرع بكثير من درس هادئ في الصبر أو بر الوالدين.
ووجود دعاة غير مؤهلين ظاهرة قديمة عرفتها كل العصور. الجديد أن البنية نفسها صارت تكافئ نوعا معينا من التدين يمكن أن نسميه تدين الحدود، أي التدين الذي يعرف نفسه أولا بما يفصله عن غيره، من «هم» ومن المبتدعة ومن المخالفين، ويجيب بحلال أو حرام، على حساب تدين التزكية والأخلاق الذي قام عليه التدين المغربي قرونا. والداعية المعتدل الذي يريد أن ينافس شيوخ المنصات على انتباه الشباب يجد نفسه أمام اختيار صعب: إما أن يتكيف مع منطق المنصة فيختصر ويحتد ويستفز، وإما أن يبقى وفيا لمنهجه فيبقى صوته خافتا.
ومن هنا نفهم لماذا يجد بعض الشباب أنفسهم بعيدين عن الاختيارات التي نشأ عليها آباؤهم في العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف السني. فهم في الغالب لم يدرسوها ثم عدلوا عنها عن علم وترجيح، وإنما لم يلتقوا بها أصلا في الفضاء الذي يتعلمون فيه، لأنها اختيارات تقوم على التدرج والسياق ومراعاة الخلاف، وهي صفات لا تكافئها الخوارزمية. والإنصاف يقتضي القول إن في الفضاء الرقمي علماء ودعاة مؤهلين يقدمون محتوى رصينا، لكن الشاب لا يملك دائما ما يميز به هؤلاء من غيرهم.
فراغ صنعناه بأيدينا
من السهل أن نحمل الشباب أو المنصات المسؤولية كاملة، لكن الأصدق أن نعترف بأن الشاشة ملأت فراغا تركناه نحن. فجيل يفكر بالهولندية أو الفرنسية ما يزال يسمع في كثير من المساجد خطبا لا يفهم أغلبها، ويعيش أسئلة في الهوية والانتماء لم يعشها آباؤه بالحدة نفسها، ولا يجد لها جوابا في دروس صممت لجمهور آخر. وحين يكون السؤال محرجا، يخشى أن يفهم في البيت أو المسجد تمردا، فيلجأ إلى شاشة لا تعرف اسمه ولا تحكم عليه. وقد تناولت واقع المساجد وتكوين الأئمة في مقالات سابقة منشورة على الانترنت، ويكفي هنا أن أقول إن المؤسسة الدينية في المهجر ما تزال تجيب عن الأسئلة التي تطرح داخل جدرانها، في حين أن أسئلة الشباب الحقيقية تطرح في مكان آخر.
المؤسسة المغربية والفضاء الرقمي
لم تغب المؤسسات الدينية المغربية عن هذا الفضاء تماما. فقد أطلقت الرابطة المحمدية للعلماء مواقع ومنصات لتفكيك خطاب التطرف على الإنترنت، وهي مبادرة لها قيمتها. غير أن هذه الجهود انطلقت في الغالب من سؤال أمني مشروع، هو كيف نحمي الشباب من التطرف. ولا أعزو ذلك إلى تقصير من المؤسسة، فمهامها رسمت على هذا النحو، والسؤال الأمني كان ملحا في سياقه. لكن النتيجة أن أغلب الشباب، وهم لا يقتربون من التطرف أصلا، لا يجدون في هذا الحضور جوابا عن أسئلتهم اليومية عن الصلاة في مكان العمل والعلاقة بزملائهم ووالديهم ومعنى الإيمان حين يداهمهم الشك. وحين يعامل تدين الشباب أساسا بوصفه ملفا أمنيا، يشعر الشاب بأنه موضوع للحماية أكثر منه شريكا في الحوار، وهو شعور يعرفه جيدا من الخطاب الأوروبي عنه. وفي تقديري أن هذا الحضور الرقمي جاء متأخرا، وأن توجيهه ما يزال أضيق من حاجة الشباب.
وهنا مفارقة تستحق التأمل. فالمغرب يقدم نموذجه في التدين، القائم على الوسطية والثوابت، بوصفه نموذجا تستفيد منه بلدان أخرى، لكن هذا النموذج لا يصل إلى أبنائه في أوروبا بلغاتهم ولا في الصيغة التي يستهلكون بها المحتوى. فالقنوات موجودة، لكنها تخاطب جمهورا يتقن العربية ويملك وقتا لدرس طويل، وليس هذا هو الشاب الذي يقضي ساعاته على تيك توك في أمستردام أو بروكسل.
ما الذي يمكن فعله؟
لا أرى فائدة كبيرة في الدعوة إلى مقاطعة المنصات أو التحذير منها، فالشباب سيبقون فيها على كل حال. الأجدى أن نكون حاضرين فيها بمحتوى يستحق الانتباه، يقدمه علماء ومتخصصون يتقنون لغات الشباب ويعرفون سياقهم الأوروبي، ويقدمون الثوابت المغربية فقها حيا لا قائمة جاهزة. وهذا يحتاج إلى استثمار حقيقي في التكوين والإنتاج، وإلى قبول بأن الوصول إلى الشباب يمر أحيانا عبر لغة المنصة وإيقاعها، ما دام المضمون محافظا على رصانته.
غير أن الحضور الرقمي وحده لا يكفي، لأن صوتا جيدا إضافيا لن يحسم المنافسة مع آلاف الأصوات الأخرى. ما يحتاجه الشاب أكثر هو أن يتعلم كيف يميز: من هو العالم، وما معنى أن يكون للكلام سند، ولماذا يختلف الفقهاء، ومتى يكون الرأي معتبرا ومتى يكون مجرد صوت مرتفع. فالشاب الذي يملك هذه الأدوات يستطيع أن يتعامل مع كثرة الأصوات دون أن يضيع بينها. وهذه تربية تشارك فيها المساجد والجمعيات والأسر، أما الآباء، وكثير منهم لا يملكون اللغة ولا التكوين للإجابة عن أسئلة أبنائهم، فيكفيهم أن يبقوا باب السؤال في البيت مفتوحا. ومن عجز منهم عن الجواب فليعرف إلى من يوجه ابنه، فذلك أنفع من الاكتفاء بالأوامر والنواهي.
خاتمة
روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن محمد بن سيرين قوله: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم». قيلت هذه الكلمة في زمن كان السؤال فيه عن الراوي ممكنا، لأن الراوي كان معروفا باسمه وبلده وشيوخه. أما اليوم فالشاب يأخذ دينه أحيانا من مقطع لا يعرف صاحبه، ولا يستطيع أن يسأل عنه حتى لو أراد. وشبابنا في أوروبا يبحثون عن المعنى بجدية تفاجئ أحيانا جيل الآباء، وهم يبحثون حيث يجدون من يخاطبهم. فإن لم نكن نحن من يخاطبهم، فلا نلومهم على من وجدوا.