هشام عوكل
منتدى العمق

جنازة الدولة الفلسطينية وانتخابات أمريكية إسرائيلية

واشنطن. أمريكا أولاً على الورق

دخل ترامب البيت الأبيض حاملاً شعار «أمريكا أولاً». لكن الناخب الأمريكي اكتشف أن كلمة «أولاً» لا تعني بالضرورة أنه في مقدمة المستفيدين. فقد تقدمت الحروب الخارجية على أزماته الداخلية. وتحولت وعود الازدهار إلى خطابات عن الانتصارات العسكرية. بينما بقيت الأسعار أكثر قدرة على الصمود من وعود البيت الأبيض.

لم تكن مأساة غزة وحدها سبباً في تراجع الجمهوريين. ولا يمكن تحميل الحرب مع إيران وحدها مسؤولية النتائج الانتخابية. لكن كلفة إدارة العلاقة الأمريكية مع إسرائيل. خصوصاً في سياق الحرب مع إيران. أصبحت موضع مساءلة لدى شريحة من الناخبين الأمريكيين المنشغلين بالغلاء والأزمات الداخلية.

فالمواطن الذي انتظر انخفاض تكاليف المعيشة وجد نفسه أمام إدارة تشرح له أهمية الحروب البعيدة. وكأن المطلوب منه تمويل الصواريخ من جيبه. ثم شكر واشنطن على منحه شرف المشاركة في إطلاقها.

وبدأ الحديث عن محاسبة المسؤولين ومراجعة القرارات. ففي البيت الأبيض يسهل تغيير الوزراء والمستشارين. أما تغيير السياسة التي صنعت الأزمة فيبدو مهمة أكثر تعقيداً. وربما كان الحل الأسهل إقالة مؤشر الأسعار إذا رفض الانخفاض.

غزة. سلام مع خدمة جنائزية

في غزة تحولت صناعة السلام إلى نشاط دبلوماسي مزدهر. مجالس ولجان ومؤتمرات وخرائط أمنية. وكلما أُعلنت مبادرة جديدة ازداد عدد المسؤولين الذين يشرحون للفلسطيني لماذا لم يبدأ الإعمار بعد.

دخلت حماس صفقة الأسرى وهي تراهن على وقف الحرب والحفاظ على حضورها السياسي. وبقيت طرفاً في المعادلة. لكن ذلك لم يضمن حماية المدنيين أو إعادة الحياة إلى القطاع.

عاد المحتجزون الإسرائيليون إلى منازلهم. وبقي الفلسطيني في خيمته تحت المطر والبرد. احتفظت حماس بموقعها السياسي. أما النازح فاحتفظ بحقه في انتظار نشرة الطقس.

ثم جاء مجلس السلام بوعود المليارات. ومليار دولار للعضوية الدائمة. وكأن السلام أصبح نادياً دولياً للأثرياء. بينما الشعب الذي أُنشئ المجلس لمناقشة مستقبله لا يملك ثمن نافذة تحمي أطفاله من الرياح.

وربما يعلن المجلس قريباً أول إنجاز عمراني في غزة. مقبرة نموذجية بمواصفات دولية. مزودة بقاعة للمؤتمرات وشاشة تعرض صور المدن التي كان يفترض إعادة بنائها.

الديمقراطيون. معارضة بلا صك براءة

خسر الديمقراطيون البيت الأبيض عام 2024 وسط غضب من سياسة بايدن تجاه غزة. ثم استفادوا في انتخابات نوفمبر 2026 من الاستياء تجاه الحرب مع إيران والضغوط الاقتصادية.

لكن النجاح الانتخابي لا يعني تحولاً جذرياً في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل. فالتحالف الاستراتيجي أعمق من التنافس الحزبي. والاختلافات داخل الحزبين لم تتحول إلى سياسة تفرض إنهاء الاحتلال.

وفي واشنطن يتغير لون الأغلبية وتتبدل العبارات الدبلوماسية. أما الفلسطيني فيحصل على النسخة الجديدة من البيان القديم. قلق عميق. ودعوة لضبط النفس. ثم موعد آخر لمناقشة القلق نفسه.

هرمز. حين تعاقب الأسواق الجنرالات

أظهرت الحرب مع إيران أن التفوق العسكري لا يضمن الاستقرار الاقتصادي. فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز يهدد الطاقة والتجارة. وارتفاع الأسعار يضغط على الأسر الأمريكية. والخليج يواجه مخاطر تصعيد لم يختره.

أما أوروبا فتعيش بين الحرب الروسية الأوكرانية وأعباء الدفاع والقلق على إمدادات الطاقة.

أراد ترامب إعادة ترتيب الشرق الأوسط بالقوة. فاكتشف أن الصواريخ تستطيع تغيير مسار السفن. لكنها لا تستطيع إقناع الأسواق بخفض الأسعار.

إسرائيل. تغيير الوزراء لا الخرائط

لم تمنح الانتخابات الإسرائيلية نتنياهو أغلبية حاسمة. ولم تفتح لآيزنكوت طريقاً مضموناً إلى الحكم.

وقد تخرج حكومة جديدة من مساومات الأحزاب. لكن تشكيل ائتلاف لا يعني بالضرورة تغيير سياسة الاستيطان أو إنهاء الاحتلال.

فالسياسيون الإسرائيليون يتفاوضون على توزيع الوزارات. بينما الفلسطيني ينتظر مفاوضات تتناول شيئاً أكثر تواضعاً. حقه في البقاء على أرضه.

فلسطين. وطن ينتظر اتفاق الفصائل

سلطة فلسطينية تعاني أزمة شرعية وفاعلية. وحماس تحاول الحفاظ على حضورها. وانقسام يضعف الموقف الوطني في مواجهة إسرائيل.

تتنازع القوى الفلسطينية على التمثيل. بينما تتراجع المساحة المتاحة للدولة الفلسطينية.

والأشد مرارة أن الجميع يطالب العالم بالاعتراف بالحقوق الوطنية. لكنه يعجز عن الاتفاق على مشروع موحد لحمايتها.

يبدو أن الفلسطيني مطالب بانتظار مصالحة داخلية قبل أن يطالب العالم بإنهاء الاحتلال. وربما يحتاج الأمر إلى مجلس سلام آخر. لكن هذه المرة لإعادة إعمار العلاقات بين الفصائل.

الدولة الفلسطينية. شهادة وفاة مؤجلة

قد تواجه واشنطن صراعاً سياسياً حتى انتخابات 2028. وقد تتغير الحكومة الإسرائيلية. وقد تنتهي ولاية ترامب في يناير 2029.

لكن الاستيطان لا ينتظر نتائج الانتخابات. والوقائع على الأرض تتغير أسرع من قدرة المؤتمرات على إصدار توصياتها.

قد تتغير أسماء الرؤساء. وقد تتبدل التحالفات. لكن إرادة الشعوب لا تُباع في المزادات السياسية. ولا تُلغى الحقوق بمجرد توقيع صفقة.

فهل يتحول مجلس السلام إلى المؤسسة الدولية الوحيدة التي تنجح في تنظيم جنازة الدولة الفلسطينية قبل ولادتها. ثم يضع أعضاؤه أكاليل الزهور على قبرها. ويصدرون بياناً تاريخياً يهنئون فيه العالم بنجاح عملية الدفن. بينما يبقى الفلسطيني واقفاً بين الركام ليسألهم عن موعد السلام الذي دفع ثمنه من حياته وأرضه؟