محمد شقير
وجهة نظر

الفساد كآلية للحكم في النظام الجزائري

يمكن مقاربة الفساد في الجزائر ليس فقط باعتباره انحرافاً أخلاقياً أو إدارياً، أو مجرد نتيجة لضعف المؤسسات الرقابية، بل باعتباره ظاهرة ذات أبعاد سياسية وبنيوية، قد تؤدي في بعض السياقات إلى وظيفة تتجاوز الإثراء غير المشروع، لتصبح إحدى الآليات التي تساهم في الحفاظ على توازنات السلطة وإعادة إنتاجها. حيث تستدعي هذه المقاربة التمييز بين الفساد باعتباره اختلالاً في تدبير الموارد العمومية، والفساد باعتباره أداة محتملة للضبط السياسي وتوزيع الامتيازات داخل منظومة الحكم. ففي حالة النظام الجزائري، تبرز خصوصية العلاقة بين المؤسسة العسكرية، والسلطة السياسية، والاقتصاد الريعي، وشبكات المصالح المرتبطة بالدولة. من هنا يطرح السؤال حول هل يمثل الفساد في الجزائر خللاً داخل النظام العسكري، أم أنه أصبح أحد الشروط غير الرسمية التي تسمح باستمرار توازناته السياسية والاقتصادية؟

أولاً: الخلفية التاريخية لارتباط السلطة بالفساد في الجزائر

منذ استقلال الجزائر سنة 1962، ارتبط بناء الدولة الوطنية بدور مركزي للمؤسسة العسكرية في تحديد موازين السلطة السياسية، وإن اختلفت أشكال هذا الدور من مرحلة إلى أخرى. وبهذا الصدد يمكن رصد ثلاثة مراحل رئيسية:

  • مرحلة بناء الدولة بعد الاستقلال: حيث تداخلت فيها شرعية الثورة التحريرية مع شرعية المؤسسة العسكرية، مما جعل الجيش أحد الفاعلين الأساسيين في هندسة السلطة.
  • مرحلة اقتصاد الدولة والريع النفطي: حيث أدى التحكم في الموارد النفطية والغازية إلى تعزيز قدرة الدولة على توزيع المنافع الاقتصادية والاجتماعية.
  • مرحلة الانفتاح الاقتصادي والتعددية السياسية: حيث ظهرت خلالها شبكات جديدة من المصالح بين المسؤولين السياسيين والإداريين ورجال الأعمال، مع استمرار الدور السياسي للمؤسسة العسكرية.

وبالتالي، فإن الفساد في الجزائر لا يمكن تفسيره فقط بوجود مسؤولين يستغلون مواقعهم، بل ينبغي أيضاً النظر إليه في إطار تداخل السلطة السياسية مع الموارد الاقتصادية، وضعف استقلالية بعض المؤسسات الرقابية، وصعوبة إخضاع مراكز النفوذ للمساءلة الفعلية.

حكم هواري بومدين (1965–1978) و الفساد بين الدولة الاشتراكية والسلطة العسكرية

عرفت فترة حكم الرئيس هواري بومدين عدة مظاهر فساد، رغم أن نظامه السياسي رفع شعارات الاشتراكية، والعدالة الاجتماعية، ومحاربة الاستغلال، وبناء دولة وطنية قوية ومستقلة. حيث اتخذ الفساد في عهد الرئيس بومدين طابعاً مرتبطاً ببيروقراطية الدولة، واحتكار القرار السياسي والاقتصادي، وضعف الرقابة المستقلة على مراكز السلطة. حيث ارتكز هذا النظام على مجموعة من الخصائص:

  • هيمنة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية.
  • غياب التعددية الحزبية الفعلية.
  • تركيز القرار الاقتصادي في يد الدولة.
  • ضعف استقلالية المؤسسات الرقابية.
  • اعتماد نظام الحزب الواحد، جبهة التحرير الوطني.

وقد ساهمت هذه الخصائص في خلق بيئة مؤسساتية يمكن أن تسمح بظهور الفساد، حتى وإن كانت الخطابات الرسمية تؤكد على النزاهة والتعبئة الوطنية. وفي هذا السياق أشارت دراسة أكاديمية حول البيروقراطية الجزائرية بين 1962 و1978 إلى أن الجهاز الإداري عزز موقعه من خلال نموذج التنمية الذي اعتمد على الصناعة الثقيلة، حيث أصبح التحكم في الإدارة ووسائل الإنتاج مصدراً للنفوذ. وقد تجلت بعض مظاهر هذا الفساد ، في المحاباة في التعيينات، و تفضيل المقربين في الحصول على الامتيازات ، و استغلال النفوذ الإداري ، و تضخم الجهاز البيروقراطي وضعف الرقابة. بالإضافة إلى الثراء غير المشروع لبعض النخب العسكرية والإدارية حيث تذهب دراسة تاريخية منشورة في مجلة Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée إلى أن تداخل البيروقراطية المدنية والعسكرية، مع عائدات الريع النفطي، ساهم في ظهور طبقة من أصحاب المصالح والثروات داخل الدولة. كما تشير هذه الدراسة إلى أن الرئيس بومدين نفسه انتقد بعض المسؤولين الذين جمعوا الثروة من مواقعهم داخل أجهزة الدولة، مما عكس وجود خطاب رسمي ضد الفساد، مقابل استمرار بعض الممارسات التي قد تساهم في إنتاجه. خاصة وأن الرئيس بومدين قد اعتمد على عائدات النفط في تمويل مشاريع صناعية كبرى، خصوصاً في قطاع الصناعة الثقيلة. وهكذا أشارت بعض الدراسات الاقتصادية إلى وجود اختلالات في النموذج التنموي، مثل:

  • ضعف مردودية بعض المؤسسات العمومية.
  • عدم التناسب بين حجم الاستثمارات والنتائج الإنتاجية.
  • الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة.
  • تضخم البيروقراطية الاقتصادية.
  • استنزاف الموارد المالية في مشاريع لم تحقق الأهداف المنتظرة.

وتؤكد دراسة Hartmut Elsenhans حول التنمية الممولة بالريع في الجزائر أن النموذج الاقتصادي الذي اعتمد بين 1967 و1978 واجه اختلالات بنيوية في الإنتاجية وتدبير المؤسسات العمومية. غير أن هذه الاختلالات لا تعني كلها فساداً جنائياً؛ فبعضها يرتبط بسوء التخطيط أو ضعف الكفاءة الاقتصادية. فالرئيس بومدين لم يكن مجرد رئيس يتسامح مع الفساد؛ فقد تبنى خطاباً ثورياً يدين الثراء المرتبط باستغلال الدولة، كما كان يسعى إلى الحفاظ على صورة النظام باعتباره نظاماً وطنياً واجتماعياً.لكن في المقابل، كان يعتمد على تحالفات داخل المؤسسة العسكرية، ومجلس الثورة، وجبهة التحرير الوطني، والبيروقراطية الإدارية. وبالتالي ، فرغم موقعه المركزي، كان مطالباً بالحفاظ على توازنات بين مراكز نفوذ مختلفة، وهو ما حدّ من قدرته على تفكيك جميع شبكات المصالح. والنتيجة أن النظام السياسي الجزائري في عهد هواري بومدين لم يخل من مظاهر الفساد، رغم تبنيه خطاباً اشتراكياً وثورياً مناهضاً للاستغلال. فقد ساهمت مركزية السلطة، واحتكار الدولة للموارد الاقتصادية، وتداخل البيروقراطية المدنية والعسكرية، في ظهور شبكات من المصالح والامتيازات. وبذلك يمكن اعتبار مرحلة بومدين إحدى المراحل التي تبلورت خلالها الشروط البنيوية لارتباط الفساد بالسلطة في الجزائر، قبل أن تتخذ هذه الظاهرة أشكالاً أكثر وضوحاً مع التحولات الاقتصادية والسياسية اللاحقة

ثانيا: ميكانيزمات الفساد في بنية الحكم الجزائري

يمكن تحديد خمس وظائف سياسية محتملة للفساد في بنية الحكم الجزائرية:

  1. توزيع الامتيازات وبناء شبكات الولاء حيث تقوم الدولة الريعية على التحكم في موارد اقتصادية ضخمة، خاصة عائدات المحروقات، وهو ما يمنح مراكز السلطة قدرة على توزيع الصفقات العمومية، والامتيازات الاقتصادية، والمناصب، والتسهيلات الإدارية. وفي هذا السياق، قد تتحول العلاقة بين السلطة ورجال الأعمال وبعض النخب الإدارية إلى علاقة زبونية، تقوم على تبادل المصالح: فالسلطة تمنح الامتيازات الاقتصادية ، و المستفيدون يقدمون الدعم السياسي والاقتصادي، و شبكات المصالح تساهم في استقرار مراكز النفوذ.وقد تناولت دراسة كارنيغي سنة 2018 هذه المسألة باعتبارها أحد عناصر استمرارية النظام الجزائري، حيث يمكن للزبونية والفساد أن يسهما في استيعاب النخب وتفتيت المنافسين السياسيين.
  2. إخضاع النخب الاقتصادية والسياسية حيث لا يقتصر الفساد على تمكين بعض الفاعلين من الثروة، بل قد يؤدي إلى جعلهم أكثر ارتباطاً بمراكز القرار.فحين تتوقف مصالح رجال الأعمال أو المسؤولين على استمرار علاقاتهم بالسلطة، يصبح استقلالهم السياسي أكثر صعوبة.وبذلك يمكن للفساد أن يؤدي وظيفة مزدوجة: تمكين بعض النخب من الاستفادة من موارد الدولة، وجعل هذه النخب عرضة للمساءلة الانتقائية أو فقدان الامتيازات عندما تتغير موازين القوى. وهنا يبرز مفهوم الفساد كآلية للضبط السياسي للنخب، وليس فقط باعتباره وسيلة للإثراء الشخصي.
  3. توظيف مكافحة الفساد في إعادة ترتيب مراكز النفوذ ، حيث تطرح حملة مكافحة الفساد التي أعقبت الحراك الشعبي لسنة 2019 سؤالاً سياسياً مهماً: هل كانت المحاكمات مجرد محاولة لاستعادة المال العام، أم ساهمت أيضاً في إعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام؟ فقد شملت المحاكمات مسؤولين سابقين ورجال أعمال بارزين من حقبة عبد العزيز بوتفليقة، لكن بعض التحليلات السياسية تشير إلى أن مكافحة الفساد قد تتداخل مع الصراعات بين مراكز النفوذ. كما

تشير منظمة Freedom House إلى أن التحقيقات المتعلقة بالفساد في الجزائر قد تستخدم أحياناً لتصفية الحسابات بين فصائل النظام، في ظل ضعف الشفافية واستقلالية القضاء. لكن هذا لا يعني أن جميع المحاكمات كانت سياسية أو أن كل المتهمين أبرياء، وإنما يعني أن مكافحة الفساد يمكن أن تحمل في الوقت نفسه أبعاداً قانونية وسياسية.

  1. إضعاف استقلالية المؤسسات المنتخبة ، ففي الأنظمة التي تتمتع فيها المؤسسة العسكرية بنفوذ سياسي كبير، قد يؤدي ضعف الرقابة البرلمانية والقضائية إلى خلق بيئة تسمح بتداخل المصالح بين مراكز القرار العسكري والمدني. وهكذا أشارت منظمة Freedom House إلى أن المؤسسة العسكرية الجزائرية ظلت تاريخياً الحكم النهائي في النزاعات السياسية الكبرى، وأن المنتخبين يعتمدون على دعمها للاستمرار في السلطة. ويمكن أن يؤدي هذا الوضع إلى محدودية قدرة البرلمان على مراقبة بعض مراكز النفوذ، و ضعف الشفافية في تدبير بعض القطاعات الاستراتيجية .بالاضافة إلى صعوبة إخضاع الفاعلين ذوي النفوذ للمساءلة المتكافئة.
  2. إدامة الاقتصاد الريعي حيث يشكل اقتصاد المحروقات أحد أهم المداخل لفهم العلاقة بين الفساد والحكم في الجزائر. فالدولة التي تعتمد بدرجة كبيرة على الريع النفطي والغازي تستطيع تمويل جزء مهم من نفقاتها دون الاعتماد بصورة مماثلة على الضرائب المفروضة على المواطنين. مما يؤدي إلى إضعاف العلاقة التقليدية بين الجباية والمساءلة السياسية. وقد أشارت

دراسة أكاديمية منشورة سنة 2025 إلى أن الاعتماد على الريع الخارجي يساهم في إضعاف الحوكمة والمساءلة المجتمعية في الجزائر. وبالتالي، فإن الفساد قد يصبح جزءاً من آلية توزيع الريع، بما يساهم في استمرار بعض شبكات المصالح، ويحد من فرص بناء اقتصاد تنافسي مستقل عن الامتيازات السياسية.

ثالثاً: المؤسسة العسكرية كمستفيد مركزي من منظومة الفساد

تعد المؤسسة العسكرية أحد مراكز النفوذ الأساسية في النظام الجزائري، حيث أن الفساد يشكل ظاهرة مرتبطة بتحالفات ومراكز مصالح متعددة تتمثل من خلال ما يلي:

الفاعل موقعه المحتمل في منظومة المصالح
المؤسسة العسكرية التأثير في التوازنات السياسية والاستراتيجية
الرئاسة تدبير السلطة التنفيذية وتوزيع المناصب
الأجهزة الأمنية جمع المعلومات والتأثير في موازين القوى
النخب الإدارية التحكم في الإجراءات والقرارات والصفقات
رجال الأعمال الاستفادة من الامتيازات والعقود الاقتصادية
النخب الحزبية الوساطة السياسية وتوفير الدعم أو الشرعية

وقد وصف الباحث مايكل ويليس في كتابه حول السياسة والمجتمع في الجزائر العلاقة بين الرئاسة والجيش وأجهزة الاستخبارات بأنها شبكة مصالح متشابكة، وليست مجرد هيمنة فرد واحد على الدولة. وبالتالي ، فالجيش لا يمارس الفساد بشكل موحد، بل أن الفساد والزبونية قد يشكلان جزءاً من آليات التوازن داخل ائتلاف الحكم، الذي تحتل المؤسسة العسكرية موقعاً محورياً فيه.

رابعاً: مكافحة الفساد وإعادة إنتاج نظام الحكم الجزائري

واجه النظام الجزائري عدة قضايا فساد ارتبطت ببعض نخب النظام . حيث رغم إعلان السلطة الحرب على الفساد، تظل بعض الشروط البنيوية التي تسمح باستمراره قائمة.فقد تؤدي محاكمة مسؤولين سابقين إلى إظهار قدرة النظام على العقاب، لكنها لا تضمن بالضرورة تفكيك شبكات المصالح أو تعزيز استقلالية المؤسسات.

اغتيال محمد بوضياف وعلاقته بفتح ملفات الفساد في الجزائر

يمثل اغتيال الرئيس الجزائري محمد بوضياف في 29 يونيو 1992 إحدى أكثر الوقائع إثارة للجدل في تاريخ الجزائر المعاصر، خصوصاً عند ربطه بمسألة الفساد داخل منظومة الحكم. فبوضياف، الذي عاد إلى الجزائر في يناير 1992 بعد إقامة طويلة في المغرب، تولى رئاسة المجلس الأعلى للدولة في مرحلة اتسمت بأزمة سياسية وأمنية حادة، عقب إلغاء المسار الانتخابي.وقد قدم نفسه باعتباره رئيساً يسعى إلى إعادة بناء الدولة، ومحاربة الفساد، وإنهاء ما وصفه بمنظومة المصالح التي استنزفت الدولة الجزائرية.ومن هنا يطرح اغتياله سؤالاً سياسياً بالغ الأهمية: هل كان اغتيال بوضياف مجرد عملية نفذها أحد أفراد حمايته الشخصية ، أم أنه ارتبط بصراع داخل السلطة حول إرادة الرئيس في فتح ملفات الفساد ومساءلة مراكز النفوذ؟ إذ تكمن أهمية الرئيس بوضياف في أنه لم يكن مجرد رئيس جاء لتدبير مرحلة انتقالية، بل كان يحمل خطاباً سياسياً يقوم على إعادة تأسيس الدولة ومواجهة الفساد.وقد شرع في حملة لمكافحة الفساد، شملت ملفات تتعلق بمسؤولين وشبكات مصالح اقتصادية. وقد أشار تقرير صادر عن مركز الدراسات العملياتية المشتركة الأمريكية إلى أن الرئيس بوضياف أطلق حملة ضد الفساد، وأن من أبرز الاعتقالات في بدايتها اعتقال الجنرال مصطفى بلوصيف، الذي كان من داخل النخبة الحاكمة السابقة. وهكذا شكلت هذه الخطوة تهديداً لثلاثة مستويات من المصالح:

  • المصالح الاقتصادية المرتبطة بالصفقات العمومية والريع.
  • المصالح السياسية المرتبطة باستمرار النخب في مواقع النفوذ.
  • المصالح المؤسساتية المرتبطة بغياب المساءلة الفعلية لبعض مراكز القرار.

وبالتالي، يمكن افتراض أن بوضياف دخل في صراع محتمل مع أجزاء من المنظومة التي جاءت به إلى السلطة. وفي هذا السياق، نقلت صحيفة Los Angeles Times في يناير 1993 عن لجنة التحقيق أن اغتيال بوضياف بدأ عملية سياسية، وأن هناك قوى يُحتمل أن تكون قد استفادت من موته، من بينها فصائل داخل النظام وشبكات المصالح السياسية والمالية.كما أشار هذا التقرير إلى أن الرئيس بوضياف كان قد بدأ فتح ملفات فساد تتعلق بالصفقات العمومية، والثراء غير المشروع، وتحويل الأموال إلى الخارج.

وفاة قايد صالح ومحاربة الفساد بعد الحراك الشعبي

شكل الحراك الشعبي الجزائري منعطفاً مهماً، إذ لم تقتصر مطالبه على رحيل عبد العزيز بوتفليقة، بل امتدت إلى رفض منظومة الحكم التي ارتبطت في الخطاب الشعبي بمفهوم «العصابة».ويمكن قراءة الحراك باعتباره تحدياً لثلاثة مستويات:

  • المستوى السياسي: من خلال المطالبة بإعادة بناء الشرعية السياسية.
  • المستوى الاقتصادي: من خلال رفض احتكار الثروة والامتيازات.
  • المستوى المؤسساتي: من خلال المطالبة باستقلالية القضاء والرقابة والمحاسبة.

غير أن سقوط الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة ومحاكمة عدد من المسؤولين لم يؤديا تلقائياً إلى انتقال ديمقراطي مكتمل، وهو ما يجعل سؤال استمرار البنية العميقة للسلطة مركزياً في تحليل الجزائر ما بعد الحراك.فقد توفي الفريق أحمد قايد صالح يوم 23 دجنبر 2019 إثر أزمة قلبية، بعد أيام قليلة من تنصيب عبد المجيد تبون رئيساً للجمهورية، وبعد أن أصبح الرجل الأكثر نفوذاً في الجزائر عقب إبعاد عبد العزيز بوتفليقة. وهكذا تكتسب وفاته دلالة سياسية خاصة بالنظر إلى أنه قاد حملة واسعة لمكافحة الفساد، شملت مسؤولين حكوميين سابقين، ورجال أعمال، وشخصيات مرتبطة بمحيط بوتفليقة.لكن هذه الحملة طرحت إشكالية جوهرية: هل كانت تهدف إلى تفكيك منظومة الفساد، أم أنها ساهمت في تفكيك جناح من أجنحة السلطة وإعادة تشكيل توازناتها؟ فبعد اندلاع الحراك الشعبي في 22 فبراير 2019، وجد الجيش نفسه أمام أزمة شرعية سياسية. ففي البداية، كان قايد صالح من مؤيدي العهدة الخامسة لبوتفليقة، لكنه غيّر موقفه تحت ضغط الحراك، وطالب بإبعاد الرئيس في مارس 2019.وبعد استقالة بوتفليقة في 2 أبريل، أصبح قايد صالح الفاعل السياسي المركزي، وأطلق خطاباً قوياً ضد الفساد.وشملت حملة الاعتقالات والملاحقات:

  • أحمد أويحيى وعبد المالك سلال، الوزيرين الأولين السابقين.
  • علي حداد، رجل الأعمال المقرب من بوتفليقة.
  • الإخوة كونينف، المرتبطين بمحيط الرئاسة السابقة.
  • سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس السابق.
  • الجنرالين توفيق وطرطاق، المسؤولين السابقين عن أجهزة الاستخبارات.

وقد أشارت منظمة Freedom House إلى أن حملة مكافحة الفساد بدأت في أبريل 2019، لكنها نبهت إلى أن التحقيقات في الجزائر كثيراً ما تتداخل مع الصراعات بين فصائل النظام.

مكافحة الفساد كوسيلة لتصفية خصوم قايد صالح

تذهب بعض التحليلات إلى أن حملة مكافحة الفساد لم تكن منفصلة عن الصراع على السلطة داخل المؤسسة العسكرية وأجهزة الاستخبارات.فوفق تحليل المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS)) فقد ساهمت الاعتقالات في تحقيق هدفين متداخلين: إبعاد الشخصيات المرتبطة بالرئيس المتنحي بوتفليقة، و تحييد خصوم قايد صالح داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية.كما اعتبرت مؤسسة روزا لوكسمبورغ أن قايد صالح استغل موجة الاعتقالات لتعزيز موقعه وتحييد منافسين على النفوذ السياسي والموارد الاقتصادية داخل النظام. وهذا لا ينفي أن ملفات الفساد كانت حقيقية وأن بعض المتهمين أدينوا قضائياً، ولكنه يطرح مسألة انتقائية مكافحة الفساد، ومدى خضوع جميع مراكز النفوذ للمحاسبة نفسها. وبالتالي ، فقد

شكلت وفاة قايد صالح منعطفاً مهماً في الصراع على السلطة داخل الجزائر. حيث جاء موته في وقت كان فيه قد راكم نفوذاً كبيراً على حساب بعض الأجهزة الأمنية والنخب المرتبطة ببوتفليقة.لكن اللافت أن وفاته لم تؤد إلى انهيار منظومة الحكم أو حدوث انتقال سياسي جذري.بل شهدت المرحلة التالية:

  • تعيين سعيد شنقريحة رئيساً لأركان الجيش.
  • استمرار المؤسسة العسكرية في التأثير في الحياة السياسية.
  • إعادة ترتيب العلاقات بين الجيش وأجهزة الاستخبارات.
  • ظهور مؤشرات على إعادة تأهيل بعض الشخصيات التي كانت قد تراجعت خلال حملة قايد صالح. كالجنرال توفيق وغيره

كما تشير دراسة مؤسسة روزا لوكسمبورغ إلى أن بعض الشخصيات المرتبطة بجناح قايد صالح تعرضت للملاحقة بعد وفاته، في حين ظهرت مؤشرات على استعادة بعض أطراف جناح توفيق نفوذها. وهنا تبرز دلالة سياسية مهمة: إذا كانت حملة مكافحة الفساد قد أدت إلى إقصاء جناح من السلطة، ثم أعادت وفاة قايد صالح فتح المجال أمام إعادة توزيع النفوذ، فإن ذلك قد يعكس أن مكافحة الفساد لم تفكك منظومة الحكم بقدر ما ساهمت في إعادة ترتيب مراكزها.

وبالتالي ، فإن حملة مكافحة الفساد التي قادها أحمد قايد صالح عقب الحراك الشعبي الجزائري لسنة 2019 تكشف عن الطبيعة المزدوجة للفساد في النظام السياسي الجزائري؛ فهو من جهة يمثل اختلالاً في تدبير الموارد العمومية، ومن جهة أخرى يتداخل مع الصراعات بين مراكز النفوذ داخل منظومة الحكم. فقد ساهمت الاعتقالات والمحاكمات في إضعاف جناح بوتفليقة وتحييد عدد من خصوم قايد صالح، دون أن تؤدي بالضرورة إلى تفكيك البنية المؤسساتية التي تسمح بإعادة إنتاج شبكات المصالح. كما أن وفاة قايد صالح، وما أعقبها من إعادة ترتيب للعلاقات داخل المؤسسة العسكرية وأجهزة الاستخبارات، تعزز فرضية أن مكافحة الفساد قد تكون أحياناً آلية لإعادة توزيع السلطة، وليس بالضرورة مدخلاً إلى إصلاح ديمقراطي شامل.ففي النظام الجزائري، قد لا يكون الصراع الحقيقي بين الفساد والنزاهة، وإنما بين شبكات مختلفة من النفوذ تتنافس على التحكم في الريع الاقتصادي والسلطة السياسية، وتستخدم مكافحة الفساد أحياناً لإعادة تشكيل توازناتها.

خامسا ملفات الفساد وإعادة توزيع النفوذ بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية

لم تعد ملفات الفساد في الجزائر مجرد ملفات قضائية مرتبطة بمحاسبة المسؤولين، بل قد تتحول إلى أدوات للتنافس السياسي وإعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل منظومة الحكم.وفي هذا السياق، تبرز العلاقة بين الرئيس عبد المجيد تبون والفريق أول السعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، باعتبارها علاقة تقع ضمن معادلة معقدة تجمع بين:

  • الشرعية الدستورية للرئاسة.
  • النفوذ الاستراتيجي للمؤسسة العسكرية.
  • التحكم في التعيينات ومراكز القرار.
  • تدبير ملفات الفساد المرتبطة بالنخب السياسية والاقتصادية.

فالرئيس عبد المجيد تبون يستمد سلطته من الرئاسة والشرعية الدستورية والانتخابية بينما يستمد سعيد شنقريحة نفوذه من قيادة الأركان والتراتبية العسكرية. وبينما يسعى الرئيس تبون إلى تعزيز مركزية الرئاسة يمثل شنقريحة مركزاً أساسياً في موازين القوة العسكرية. وهكذا تشير تقارير Freedom House إلى أن رئيس أركان الجيش ظل يتمتع بنفوذ معتبر على إدارة تبون، بينما يشير تقرير Congressional Research Service إلى أن تبون تمكن من تعزيز موقعه السياسي، مع استمرار الدور المؤثر للمؤسسة العسكرية. ومن ثم، فإن العلاقة لا ينبغي فهمها باعتبارها صراعاً بين رئيس مدني وجنرال فقط، بل باعتبارها تفاعلاً بين مركزين للسلطة داخل نظام تتداخل فيه المؤسسات الدستورية مع مراكز النفوذ غير الرسمية.

من هنا يمكن تصور ثلاثة استعمالات سياسية لملفات الفساد:

  1. تصفية إرث بوتفليقة فالملاحقات القضائية التي أعقبت الحراك استهدفت شخصيات مرتبطة بالنظام السابق. وقد ساهمت في إضعاف شبكات سياسية واقتصادية كانت تشكل جزءاً من منظومة الحكم.ويرى المجلس الأطلسي أن هذه الملاحقات ساهمت في إقصاء منافسين محتملين، مع إعادة النظام إلى توازن سابق دون تغيير جذري في بنيته.
  2. ضبط النخب العسكرية حيث يمكن أن تتحول ملفات الفساد إلى وسيلة لإخضاع بعض القيادات العسكرية أو إبعادها عندما تتغير موازين النفوذ.وهنا يصبح الاتهام بالفساد أداة محتملة لإعادة ترتيب التراتبية داخل المؤسسة، وليس مجرد مسار قضائي مستقل.
  3. تعزيز مركزية الرئاسة ، حيث قد يستفيد الرئيس تبون من خطاب مكافحة الفساد لتوسيع هامش استقلالية الرئاسة، وإظهارها باعتبارها مركزاً للقرار والمحاسبة.

لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الرئاسة هي التي تتحكم وحدها في جميع الملفات، فالمؤسسات الأمنية والعسكرية لها مصالحها وشبكاتها الخاصة. وهكذا توجد مؤشرات على وجود تنافس بين مراكز النفوذ داخل النظام الجزائري، لكن الأدلة على وجود مواجهة مباشرة ومحددة بين تبون وشنقريحة تظل أقل وضوحاً. حيث من أبرز المؤشرات على ذلك:

  • تعدد مراكز النفوذ الأمني: حيث أشار تقرير Le Monde الصادر في 4 أكتوبر 2025 إلى أن الجزائر شهدت اضطرابات داخلية بين شبكات أمنية مختلفة، مع وجود مجموعات موالية لشنقريحة وأخرى مرتبطة بقيادات استخباراتية سابقة.
  • تغيرات متكررة في قيادة الأجهزة الأمنية: حيث يعكس توالي التعيينات والإقالات استمرار الصراع على التحكم في الأجهزة التي تمتلك معلومات حساسة عن النخب السياسية والعسكرية.
  • ملفات الفساد في المؤسسة العسكرية: حيث تذكر بعض التقارير الصحفية، ومنها تقرير نشرته Sahel Intelligence في 6 نوفمبر 2026، وجود تحقيقات مفترضة بحق ضباط يُشتبه في قربهم من الرئاسة

والأهم أن التنافس لا يعني بالضرورة أن تبون وشنقريحة في حالة صدام مفتوح؛ فقد يكون الأمر أقرب إلى تفاوض مستمر على حدود النفوذ، مع الحفاظ على الحد الأدنى من التوافق الذي يسمح باستمرار النظام. وهكذا تشكل ملفات الفساد إحدى آليات التنافس على النفوذ داخل مربع القرار الجزائري، الذي تتداخل فيه الرئاسة مع المؤسسة العسكرية وأجهزة الاستخبارات وشبكات المصالح الاقتصادية. وفي هذا السياق، لا تقتصر الملاحقات القضائية على استعادة المال العام، بل يمكن أن تؤدي وظيفة سياسية تتمثل في ضبط النخب، وإقصاء بعض مراكز النفوذ، وإعادة توزيع الامتيازات. ويمكن إدراج إثارة ملفات فساد تتعلق بأبناء وأقارب الرئيس عبد المجيد تبون والفريق أول السعيد شنقريحة ضمن التنافس على النفوذ داخل منظومة الحكم الجزائرية، بل إن هذه المسألة تكتسب أهمية خاصة لأنها تنقل الصراع المحتمل من مستوى المؤسسات والقيادات العسكرية إلى مستوى الدائرة العائلية المحيطة بمراكز القرار.ففي الأنظمة التي تتداخل فيها السلطة السياسية والاقتصادية والأمنية، كالنظام الجزائري لا تقتصر المنافسة على المناصب الرسمية، بل يمكن أن تمتد إلى كشف العلاقات المالية والتجارية المحيطة بمراكز القرار. حيث تكتسب ملفات الأبناء والأقارب أهمية لثلاثة أسباب:

  1. إحراج مركز القرار: فالاتهامات المتعلقة بأفراد الأسرة قد تنتقل سياسياً إلى المسؤول نفسه، حتى إن لم تثبت مسؤوليته عنها.
  2. الضغط على شبكات الولاء: فكشف علاقات مالية أو تجارية مفترضة قد يضعف الثقة بين المسؤول وحلفائه.
  3. امتلاك أوراق تفاوض: فالمعلومات المتعلقة بالثروات والعلاقات والصفقات قد تتحول إلى وسيلة ضغط متبادل بين مراكز النفوذ.

وفي هذا السياق ، برزت خلال سنة 2025 اتهامات إعلامية تتعلق بأبناء الرئيس تبون، ويمكن الإشارة إلى مثالين:

قضية العقيد سليم بلعزوق حيث نشرت صحيفة 360 في 18 شتنبر 2025 تقريراً تحدث عن اعتقال العقيد سليم بلعزوق، المسؤول السابق عن الشرطة القضائية في مديرية الأمن الداخلي، بتهم فساد، وربطت التقرير علاقاته المالية والتجارية المفترضة بمحمد تبون، نجل الرئيس. كما تحدث التقرير عن تدخلات مزعومة لإعادته إلى جهاز الاستخبارات بعد تقاعده. كما تداولت وسائل إعلام مغربية وفرنسية في يونيو 2025، تصريحات للصحفي محمد سيفوي بشأن ممتلكات مزعومة لابني الرئيس في فرنسا، في سياق الحديث عن احتمال تجميد أصول شخصيات جزائرية. في المقابل، شهدت سنة 2024 تصاعداً في الاتهامات الموجهة إلى شنقريحة، بما فيها هجمات إعلامية استهدفت أسرته.فقد نشر موقع Mondafrique في 9 أكتوبر 2024 تقريراً تحدث عن تعرض رئيس الأركان لهجمات شخصية طالت أفراد عائلته، في سياق توتر داخل المؤسسة العسكرية واعتقالات طالت ضباطاً.كما تحدث التقرير عن تهديدات موجهة إلى أبنائه من طرف نجل جنرال سابق. كما نشر موقع Le360 يوم 4 نونبر 2026 تقريراً بعنوان: «Tebboune contre Chengriha: la drogue comme arme de chantage». يتناول رواية قدمها اليوتيوبر الجزائري سعيد بنسديرة، تتعلق بملف شبكة تهريب في منطقة بشار وتندوف وأدرار، وبادعاء أن محمد تبون، نجل الرئيس، احتفظ بملف حول هذه الشبكة في سويسرا.وتتعلق الاتهامات بوجود علاقات مزعومة بين شبكات التهريب وبعض العسكريين خلال فترة قيادة شنقريحة للناحية العسكرية الثالثة.والأكثر أهمية أن التقرير يربط هذه الرواية باحتمال استعمال الملف كورقة ضغط في التنافس بين الرئاسة وقيادة الأركان.

وعموما ، فإن الفساد السياسي الجزائري لا يمكن اختزاله في كونه مجرد انحراف عن قواعد النزاهة والشفافية، بل قد يؤدي، في ظل اقتصاد ريعي وهيمنة مراكز نفوذ غير خاضعة بشكل كافٍ للمساءلة، وظيفة سياسية تتعلق بإعادة إنتاج السلطة. فمن خلال توزيع الامتيازات الاقتصادية، وبناء شبكات الولاء، وإخضاع النخب لمراكز القرار، يمكن للفساد أن يتحول إلى إحدى آليات الضبط السياسي والتوازن داخل منظومة الحكم. غير أن هذه الوظيفة لا تعني وجود إرادة موحدة لدى المؤسسة العسكرية لتدبير الفساد، بقدر ما تعكس تداخل المصالح بين مختلف مكونات النخبة الحاكمة، وما يترتب عن ذلك من صعوبة الفصل بين مكافحة الفساد وإعادة ترتيب مراكز النفوذ.