الكاتب مصطفى منيغ
منتدى العمق

بروكسيل ذاك الزمن الجميل /9

أوصلتُها لغاية باب منزلها فطلبَت مني البقاء معها حتى نذهبَ سوياً الى العمل غدا صباحاً ، قبَّلتُها بين عينيها وأتممتُ اتجاهي (مع نفس التاكسي) صوبَ مقرِّ الصديقة اللُّغز التي مِن ورائها ما ليس الخوض في سرِّه حتى اللحظة مُباحاً ، في الداخل اجتاحني شعور كأنني في معتقل لا أتَوقَّعُ منه سراحاً ، رغم ما يحتويه من أثاث يفوق الوصف يبدو لطبعي ما كان مريحا ، كأني في فضاء بأجنحة من ورق سابِحاً ، أنتظرُ توقيت سقوطٍ لتتخِمَنِي الصدمة جِراحاً ، أو فوق خشبة ليست مَسْرَحاً ، مغطاة بقش تترقَّب رياحاً ، لتتطايَر تاركة ما تحتها جَناحاً ، يُغْرِي بالبقاء بين غُرَفِه ولو تائهاً مُتَفَسِّحاً ، ضمن الرَّخيص إدراكه والغالي ما كان لأي كان مُسْتَبَاحاً ، ما لم يستحقه نِضالاً وكفاحاً ، عِلماُ أن المجان مَن خلفه مصلحة لا يُرَمِّمُها بَعْدَ استكشاف نواياها المبيَّتة إصلاحاً ، أما التعوُّد عليه فمن شيمة استسلام ما استوجَبَ بعده فَلاَحاً ، بل إتباع أوامر عن أخطاءٍ إن ارتُكِبَت تُستَعْمَلُ سِلاحاً ، لمحاربةِ مَن ضَعُفَ أمام أُنْثَى لها معه كل ليلة فَرَحاً ، لِوِصَالٍ مظهره عسل وجوهره عصير بصل مسكوبٌ على عينيه يمسحهما من التمعُّن مَسْحاً ، لا يرى بهما بعد العملية إلا وجهها مهما كان من تحت البَشْرَةِ قبيحاً ، يقفزُ بتقبيل جوانبه سعيداً وقد بَدَّلَ لغته نبحاً . عجيب أمر هذه الدنيا مَن أرادت له شراً وفَّرَت له ما قد يراه مستحيلاً، إن لم يدرك نفسه رافَقَ الشيطان ومَكَثَ في غَيٍّ لا يقدر عن مغادرته إلا رحيلاً ومِن قفاه مَذْبُوحاً .

بروكسيل سنة 1961

… من الأمانة أن أنتظرَ عودتها ، تغيبُ أياماً في باريس كما أخبرتني ، وهي حرة في ذلك أن تكون هناك أو في آخر المعمور ، صراحة لا حقَّ لي عليها ، مجرَّد إنسان خَصَّتْهُ بثقتها ، فتركتْه بمرتبة السيِّد لبيتها هذا الفخم ، وأنا لا أعرف حتى اسمها ، شيء وقع خارج المعقول جعلني شاعرا بحَرَجٍ مُقلق للغاية ، ما كان لامرأة في عز شبابها مالِكَة هذا البيت وما يزخر به من تُحف ولوحات تشكيلية لرساَّمين كبار، وما بداخل خزائن خشبية تملأ بعض جوانب غرف لا عِلمَ لي بها ، ولا أريد أن أشغِل بالي بمحتوياتها ، إن كانت ثيابا أو مقتنيات ثمينة أو سِلَعاً ممنوعٌ تداولها ، كان بإمكاني الرفض لمثل الضيافة المُبالغ فيها ، لكن ما العمل وأنا في تلك الوضعية ، بلا مال ولا مأوى ولا ألبسة تقي جسدي من برد بروكسيل في هذا الفصل القاسي على الفقراء في تلك الأثناء مثلي ، ألم يكن هذا نتيجة الاندفاع المفرط وصولاً لمكان لا أملكُ فيه حتى صديقاً يساعدني على تحمُّل قسطاً من فاقتي الزائدة عن حدها ، أحيانا والغضب يعمي البصيرة يتم التفكير في الابتعاد عن نقطة الانطلاق ، وبعد الوقوف فوق نقطة الهدف المقصود ، يُترَكُ الأمر للأقدار لتفعل ما تريد بذاك الغاضب .

… المرأة تصرَّفت معي بذاك الأسلوب الراقي المتحضِّر ، لم يُلزمها أحد أو يوجِّهها لتضعَ بين يدي مِفتاحَ بيتها ، بل وتُحيطني باهتمامٍ بالغ لم أعهده مِن قبل ولو من أقرب الأصدقاء المصنَّفين لدَيَّ بالأوفياء ومنهم حتى الأثرياء ، طبعاً لم يكن الفاعل مجرَّد شفقة عليَّ ، ففي نظراتها لشخصي فهمتُ ما لا يُفسَّر بأي كلمات ، بل بشيء نُحِسُّ به ونلتحِمُ بأقصَى غاياته في ثواني رغم قلة توقيتها تكون كافية لحصول تقارُب متجدِّد قابل للتطوُّر مضموناً نهايته بداية عفوية يشعُّها في قلبَيّ ذكر وأنثَى ذاك المُوَقَّر المُبَجَّل بإحدى درجات الجَلال المُعَرَّف بالحب .

… ما استغربتُ تمسُّكها بي ، ولا عارضتُ طريقة لُطفِها معي ، ولا ابتسامتها الدالة على الارتياح ليس فقط لمصاحبتي ، بل تكريس الآتي من علاقة وطيدة ، تؤسِّسُ لها أرضيَة النجاح ، وكل هذا لم يصدر منها دون سند تَحَكُّمٍ ، في عدم تفويت المناسبة حتى لا تَتَبَخَّر الأمنية ، وينأَى الرَّجاء في الحصول عما يُجَسِّد المُصَوَّر في الذهن ، المُراقَب اللقاء به من سابق توقيت ، ظلَّ مكنوناً يتقاذفه الانتظار الطويل أو القريب المُخَفَّفِ المختصر ، ولكل وسيلة في الهيمنة على اللحظة ومَن كان من خلالها أمل العيش معه ماثِل أمامها واقعاً وليس خيالاً . أقولُ هذا وشيء مما ذكرت أحاط أحاسيسي ونبهني أنَّ الأمرَ سينقلب حَدَثاً سعيداً رأس خَيْطِهِ ، ذاك اللقاء العجيب المُبرْمَج عبر التَّقدير المُقَدَّر موضوعه الأساس ، تعانُق روحين بعد رحلة بحث أحداها عن الأخرى كل السنين المارة من عُمر صاحبيها .(يتبع)