“عقليات متخلفة” وضعف الإرادة السياسية.. باحثون ينبشون في أسباب تعثر ورش الأمازيغية
مجتمع

“عقليات متخلفة” وضعف الإرادة السياسية.. باحثون ينبشون في أسباب تعثر ورش الأمازيغية

دعا باحثون أكاديميون إلى الانتقال من الاعتراف القانوني باللغة الأمازيغية إلى تفعيل فعلي لرسمية هذه اللغة داخل مؤسسات الدولة والسياسات العمومية، مع تجاوز المقاربات الظرفية والإحسانية في التعامل مع الثقافة والفن الأمازيغيين، واعتماد رؤية مؤسساتية تضمن الإنصاف الثقافي والمجالي.

وجاءت هذه الدعوات خلال ندوة وطنية حول “الأمازيغية والسياسات والمؤسسات”، نظمتها الجامعة الصيفية بأكادير، أمس السبت 7 نونبر 2026، وخصصت لمناقشة واقع الأمازيغية وآفاق النهوض بها، واستشراف الأوراش الكبرى المرتبطة بإدماجها في قطاعات الدولة، خاصة التعليم والإعلام والثقافة.

وفي هذا السياق، قال الكاتب والناشط الحقوقي، أحمد عصيد إن ما تحقق في ورشي التعليم والإعلام لا يتجاوز، إلى حدود الآن، 14 في المائة، رغم مرور 22 سنة على الاعتراف السياسي بالأمازيغية و15 سنة على ترسيمها دستوريا، معتبرا أن هذه الحصيلة تكشف استمرار تعثر إدماجها داخل دواليب الدولة.

وعزا عصيد هذا التعثر إلى استمرار عقليات وصفها بالمتخلفة، فضلا عن ضعف الإرادة الحكومية، داعيا إلى توفير إرادة سياسية قوية لتسريع تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وربط النهوض بها بالمسار التنموي الوطني، بدل حصر التعامل معها في بعدها الثقافي واللغوي.

وبخصوص التمويل، أشار المتحدث إلى أن الحكومة الحالية خصصت ملياري درهم لدعم الأمازيغية في إطار التمييز الإيجابي، مقابل مليار درهم خصصته الحكومة السابقة، غير أن المبلغ الأخير لم تتم الاستفادة منه بالشكل المطلوب، بسبب غياب الوضوح في تحديد الأولويات. وشدد في هذا الإطار على ضرورة بناء شراكة بين الحكومة والمجتمع المدني، ووضع أولويات واضحة لصرف الميزانية، بما يضمن توجيه الدعم إلى الفاعلين والمنتجين الحقيقيين للثقافة الأمازيغية.

كما انتقد عصيد طريقة تنزيل الأمازيغية في الإدارات العمومية، خصوصا ما يتعلق بأعوان الاستقبال المكلفين بالتواصل بهذه اللغة مع المرتفقين، معتبرا أن إسناد هذه المهمة إلى شركات المناولة الخاصة أفرز اختلالات، من بينها غياب الاستقرار المهني والهشاشة، فضلا عن ممارسات وصفها بالعنصرية والاحتقار داخل بعض الإدارات، رغم الدور الذي يضطلع به هؤلاء الأعوان في تقريب الإدارة من المواطنين الناطقين بالأمازيغية ومساعدتهم على فهم المساطر الإدارية.

من جانبه، دعا الفنان والباحث في الثقافة واللغة الأمازيغية عمر أيت سعيد إلى تجاوز المقاربة الإحسانية في التعامل مع الفنان والإبداع الأمازيغي، والانتقال إلى مأسسة العمل الثقافي والفني، من خلال سياسات عمومية تضمن الإنصاف وتضع الثقافة الأمازيغية في صلب المشروع الثقافي الوطني.

وانتقد أيت سعيد التعامل مع الأغنية الأمازيغية باعتبارها خارج مكونات الأغنية المغربية، مقترحا اعتماد توصيف “الأغنية المغربية الناطقة بالأمازيغية”، بما يكرس مكانتها ضمن المشهد الموسيقي الوطني، ويضع حدا للتعامل معها باعتبارها مجالا منفصلا عن باقي التعبيرات الفنية المغربية.

وفي السياق ذاته، دعا إلى إحداث إذاعات جهوية بمختلف جهات المملكة، بما فيها جهة درعة تافيلالت، لتوثيق التراث الموسيقي المحلي ونشره، مؤكدا أهمية تسجيل التراث الموسيقي الأمازيغي الشفهي، ليس فقط بهدف حفظه، وإنما أيضا لنقله ديداكتيكيا إلى المؤسسات التربوية.

كما شدد على ضرورة إدماج الموسيقى والآلات الأمازيغية، من قبيل الرباب واللوتار، في المعاهد الموسيقية بالمغرب، إلى جانب تعزيز التأطير المهني والرقمي للفنانين والمجموعات الموسيقية الأمازيغية، بما يساعد على تطوير إنتاجهم وتحسين حضورهم داخل المشهد الفني.

وتطرق أيت سعيد إلى تأثير الذكاء الاصطناعي على الأغنية الأمازيغية، معتبرا أنه يطرح فرصا وتحديات في الآن نفسه، وهو ما يستدعي تطوير أدوات وتقنيات تراعي خصوصيات اللغة والنطق والألحان والإيقاعات الأمازيغية، وتتفادى إنتاج محتويات لا تحترم خصوصية هذا التراث.

وتتقاطع مداخلتا عصيد وأيت سعيد في الدعوة إلى تجاوز مرحلة الاعتراف القانوني بالأمازيغية نحو تفعيلها داخل المؤسسات والسياسات العمومية، مع إرساء آليات مؤسساتية لدعم الثقافة والفن الأمازيغيين، وضمان استفادة الفاعلين والمنتجين من الإمكانات المخصصة لهذا الورش، بما يحقق الإنصاف الثقافي والمجالي.