تفتح التطورات الأخيرة التي عرفتها قضية الصحراء المغربية عقب عدم تمديد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لولاية بعثة المينورسو خلال اجتماعه المنعقد في 30 أكتوبر 2026، وما تلاه من صدور بلاغ للديوان الملكي في التاريخ نفسه، ثم انعقاد جلسة العمل التي ترأسها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده بتاريخ 4 نونبر 2026 المجال أمام قراءة تتجاوز حدود التفاعل مع المستجدات الأممية والدبلوماسية الآنية نحو السعي إلى محاولة استشراف طبيعة التحولات التي تفرضها هذه المرحلة على مستوى تدبير القضية الوطنية وأبعادها المؤسساتية والسياسية والاستراتيجية.
إن هذا التطور المفصلي في تدبير قضيتنا الوطنية لا يمكن استيعاب دلالاته بمعزل عن المرجعية الملكية التي حددت ملامح المرحلة الجديدة، ولا سيما الخطاب الملكي السامي بتاريخ 31 أكتوبر 2025، والذي شكل محطة مفصلية في مسار القضية الوطنية من خلال الإعلان عن الانتقال إلى مرحلة جديدة في ترسيخ مغربية الصحراء، والطي النهائي للنزاع المفتعل في إطار حل توافقي قائم على مبادرة الحكم الذاتي، حيث أكد جلالته: ” (…) شعبي العزيز، بعد خمسين سنة من التضحيات، ها نحن نبدأ، بعون الله وتوفيقه، فتحا جديدا، في مسار ترسيخ مغربية الصحراء، والطي النهائي لهذا النزاع المفتعل، في إطار حل توافقي، على أساس مبادرة الحكم الذاتي…”، وحري بالذكر أن هذا الخطاب وضع أسس تدبير قضية وحدتنا الترابية التي امتدت إلى تجديد أدوات الفعل الدبلوماسي والسياسي، عبر الحرص على تحيين مبادرة الحكم الذاتي التي شاركت فيها مختلف القوى الحية ببلادنا، مع مواصلة مسار التنمية و الدينامية الدولية بالأقاليم الجنوبية و احترام الشرعية الدولية.
ومن هذ المنطلق، يكتسب بلاغا الديوان الملكي الصادران في أكتوبر ونونبر 2026 أهمية خاصة لها دلالتها الرمزية والدبلوماسية والسياسية، فإذا كان البلاغ الأول (بلاغ 30 أكتوبر 2026) قد أعلن هن التحول الذي ترتب عن عدم تمديد ولاية المينورسو ووضعه في سياق الانتقال إلى محددات جديدة في التعاطي مع القضية الوطنية، فإن البلاغ الثاني حول جلسة العمل المخصصة لمتابعة مرحلة ما بعد انتهاء مهام بعثة الأمم المتحدة (بلاغ 4 نونبر 2026) نقل هذا التوجه إلى مستوى التدبير العملي من خلال تحديد الأولويات وتوضيح المسؤوليات وإقرار ترتيبات مؤسساتية لمواكبة مرحلة ما بعد انتهاء مهام البعثة الأممية.
وتأسيسا على ما سبق فإن جوهر هذه القراءة يسعى إلى تبين طبيعة الانتقال من مرحلة ارتبطت بإطار أممي اتسم بالجمود وبعرقلة أطراف خارجية استمر خمسة وثلاثين سنة، إلى مرحلة جديدة تقضي من جهة تعزيز الجاهزية المؤسساتية الوطنية وتطوير آليات تدبير القضية مع المحافظة على التوازن بين مقتضيات السيادة الوطنية واحترام الالتزامات الدولية، وهو انتقال لا تنفصل أبعاده المؤسساتية عن ضرورة تحصين الإجماع الوطني حول الثوابت الجامعة للأمة المغربية باعتباره رصيدا تاريخيا ودستوريا واستراتيجيا ورافعة أساسية لمواكبة التحولات المقبلة.
وهكذا سيتم تفكيك هذه الورقة من خلال المحاور الآتي ذكرها/.
المحور الأول: إعادة تنظيم المسؤوليات المؤسساتية في سياق مرحلة ما بعد المينورسو
شكل بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر 2026 محطة مفصلية لها دلالاتها وأبعادها السياسية والمؤسساتية وذلك بالنظر إلى ما تضمنه من إعلان عن طي صفحة امتدت خمسة وثلاثين عاما حيث جاء فيه: “(…)وهكذا، فإن عدم تمديد مهمة “المينورسو” يعني بوضوح أن تواجد هذه البعثة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، لاسيما من خلال طواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي في الأيام المقبلة. إنها صفحة دامت 35 سنة، تم طيها من الآن فصاعدا. فهذه البعثة، الموروثة عن سياق عفا عليه الزمن، شكلت لفترة طويلة أداة لتدويل النزاع الإقليمي المتعلق بالاسترجاع المشروع للمملكة المغربية لأقاليمها الصحراوية(…)”.
وبالتالي فإن أهمية تحول مسار تدبير قضيتنا الوطنية تتجلى عند استحضار المسار الذي رسمه الخطاب الملكي السامي بتاريخ 31 أكتوبر 2025، والذي أعلن بوضوح دخول المغرب الحديث مرحلة حاسمة في ترسيخ مغربية الصحراء ، المغرب الموحد من طنجة إلى لكويرة، وهو ما تجسد من خلال خطاب جلالة الملك حينما أكد : ” (…) إننا نعيش مرحلة فاصلة، ومنعطفا حاسما، في تاريخ المغرب الحديث. فهناك ما قبل 31 أكتوبر 2025، وهناك ما بعده. لقد حان وقت المغرب الموحد، من طنجة إلى لكويرة، الذي لن يتطاول أحد على حقوقه، وعلى حدوده التاريخية (…)”.
وهكذا فإن عدم تمديد ولاية بعثة المينورسو يعتبر جزء من مسار هذا التدبير، وحيث إن البعثة المذكورة أساسا تنتفي شروط وجودها لاعتبارات سياسة ولأجندات إقليمية ظلت تعادي وحدة المغرب، وحيث إن المغرب يمارس سيادته على صحراءه منذ استرجاعها، فإن حضور هذه الأخيرة ظل جسدا من دون روح وبالتالي فإن إنهاء وجودها فوق التراب المغربي يعد أمرا طبيعيا وظهرت معالمه بعد المقاربة الجديدة التي اعتمدتها الولايات المتحدة الأمريكية إزاء الأمم المتحدة أو بعثاتها من حيث التمويل وسبل الإشغال، وبما أن الولايات المتحدة أقرت رسميا عبر مرسوم رئاسي للرئيس ترامب بتاريخ 10 دجنبر 2020 سيادة الممكلة المغربية على صحرائها، فإن استمرار بعثة من هذا القبيل على جزء من التراب الوطني لا يستقيم من الناحية السياسية ولا ينسجم عقلانيا مع الموقف الأمريكي الداعم لسيادة المملكة المغربية على كامل ترابها.
وقد جاء بلاغ الديوان الملكي بتاريخ 4 نونبر 2026 ليمنح هذا التوجه بعدا تنفيذيا واضحا من خلال تأكيد جلالة الملك على ضرورة التفعيل الحازم واليقظ للأولويات الوطنية، كل في مجال اختصاصه، حيث جاء فيه: (…) في هذا الإطار، أعطى جلالة الملك، نصره الله، تعليماته السامية بالتفعيل الحازم واليقظ لهذه الأولويات، كلٌّ في مجال اختصاصه، بما يعزِّز الإجماع الوطني، ويكفل مواصلة المشروع التنموي للأقاليم الجنوبية والمشاريع المهيكلة له(…)”،ويظهر من خلال هذه الصياغة أنها تحمل دلالة مؤسساتية تؤسس لمنطق توزيع المسؤوليات وفق الاختصاصات، مع ضمان التنسيق والتكامل بين مختلف المتدخلين بما يشمل القطاعات الحكومية والأمنية والعسكرية في إطار رؤية موحدة لتدبير المرحلة.
وفي هذا السياق، تكتسي التعليمات الملكية المتعلقة بإسناد مهام التنسيق ومواكبة عملية تصفية وانسحاب البعثة إلى مكتب التنسيق مع المينورسو التابع لوزارة الداخلية أهمية خاصة، لكونها تعكس الانتقال في إطار مسؤولية مؤسساتية وطنية محددة، الشيء الذي يضمن سلاسة الإجراءات المرتبطة بإنهاء وجود البعثة والمساهمة في تيسير مختلف الترتيبات الإدارية واللوجيستيكية بما يحول دون حدوث أي ارتباك في تدبير هذه المرحلة، وفي هذا الصدد جاء في البلاغ المذكور بتاريخ 4 نونبر 2026 ما يلي: ” (…) وتجسيدا لحرص المملكة المغربية على مواكبة مرحلة ما بعد انتهاء مهام البعثة الأممية، بروح من المسؤولية والتعاون مع منظمة الأمم المتحدة، أعطى جلالة الملك، نصره الله وأيده، تعليماته السامية من أجل أن يتولَّى “مكتب التنسيق مع المينورسو”، التابع لوزارة الداخلية، مهام التَّنسيق ومواكبة عملية تصفية وانسحاب البعثة المذكورة، بما يسْهم في تيسير مختلف الإجراءات المرتبطة بهذه العملية، وضمان سيرها في ظروف سَلِسَة ومنظمة(…)”.
وبالتالي فإن قراءة هذا المستجد كما ورد في الفقرة أعلاه تتطلب من جهة التمييز بين مهمة “التنسيق” و عملية “مواكبة التصفية و الانسحاب”، ومن جهة أخرى بين الوظائف التي كانت البعثة الأممية تضطلع بها في إطار ولايتها السابقة، لأن إسناد مهمة التنسيق لـ “مكتب التنسيق مع المينورسو” لا يعني نقل الصلاحيات الأممية للمكتب، وإنما يتعلق الأمر بتحديد الجهة الوطنية المكلفة بمواكبة الإجراءات التي ترتبط بعملية الانسحاب في ظروف آمنة وسلسة وفي إطار الحرص على سلامة الأراضي والتراب الوطني ووحدته، وأمن المواطنات و المواطنين بالصحراء المغربية.
وبناء على ما سبق، يمكن القول إن الرهان المؤسساتي في هده المرحلة المفصلية من مسار قضية وحدتنا الترابية تتجاوز البعد التقني والإداري لعملية الانسحاب التدريجي للبعثة ومغادرة المواقع والحرص على تأمينها و دفع كل خطر يهدد حوزة التراب الوطني، إلى أبعاد أخرى تتصل بقدرة المؤسسات الوطنية على استبطان متطلبات المرحلة الجديدة التي أشار لها جلالة الملك في الخطاب الملكي بتاريخ 31 أكتوبر 2025 مع الحرص على تقوية التنسيق بين مختلف المتدخلين بما يمكن من ضمان استمرارية تدبير المرحلة و صون المصالح العليا، وهي أبعاد تكتسب أهميتها من كونها تندرج ضمن التحول الواسع الذي انتقلنا فيه من تتبث المبادرة الدبلوماسية إلى تعزيز شروط تنزيل الاختيارات الوطنية و مواكبتها/.
المحور الثاني: الثوابت الوطنية الجامعة والإجماع الوطني باعتبارهما ركيزتين لتدبير المرحلة
إذا كانت التحولات المؤسساتية أحد الأبعاد العملية التي تسم المرحلة الجديدة لتدبير قضيتنا الوطنية، فإن عمق هذه التحولات يتطلب تعزيز الإجماع الوطني حول الثوابت الجامعة للأمة المغربية، وفي مقدمتها الوحدة الترابية والسيادة الوطنية والارتباط التاريخي المتين بين الشعب وأهداب العرش العلوي المجيد، كما أنها تشكل الإطار الدستوري والسياسي الذي تتمحور داخله اختيارات الدولة ومواقف مؤسساتها وتعبئة مختلف مكونات المجتمع.
ويجد هذا التوجه يجد أساسه في الخطاب الملكي السامي بتاريخ 31 أكتوبر 2025 الذي استحضر التحول التاريخي في مسار القضية الوطنية وربط المرحلة الجديدة بمشروع المغرب الموحد، من طنجة إلى الكويرة، حيث أكد جلالته: “(…) وإنه من دواعي الاعتزاز، أن يتزامن هذا التحول التاريخي، مع تخليد الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، والذكرى السبعين لاستقلال المغرب. وبهذه المناسبة، يسعدني أن أتقاسم معك اليوم، مشاعر الارتياح، لمضمون القرار الأخير لمجلس الأمن. إننا نعيش مرحلة فاصلة، ومنعطفا حاسما، في تاريخ المغرب الحديث. فهناك ما قبل 31 أكتوبر 2025، وهناك ما بعده(…)”.
وفي السياق ذاته، نوه جلالة الملك بتضحيات المغاربة ولاسيما سكان الأقاليم الجنوبية في الدفاع عن المقدسات الوطنية والوحدة الترابية وتمسكهم بمقدسات الأمة وبالوحدة الوطنية والترابية للبلاد، حيث جاء في نفس الخطاب تأكيد جلالته: “(…) ولا يسعنا هنا، إلا أن نعبر عن اعتزازنا وتقديرنا، لكل رعايانا الأوفياء، لاسيما سكان أقاليمنا الجنوبية، الذين أكدوا على الدوام، تشبثهم بمقدسات الأمة، وبالوحدة الوطنية والترابية للبلاد (…)”. ويظهر أن ما استحضره جلالته يحمل دلالة محورية بشأن أهمية التعبئة الوطنية حول ثوابتها الجامعة للأمة المغربية العريقة، وإلى أهمية تظافر جهود مختلف المؤسسات والقوى الوطنية في مواصلة مسار ترسيخ مغربية الصحراء.
وفي ضوء هذه المرجعية التأسيسية في الخطاب الملكي السامي بتاريخ 31 أكتوبر 2026 بعد قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، جاء بلاغ الديوان الملكي بتاريخ 30 أكتوبر 2026 ليؤكد ارتباط التطورات الأممية بالمصالح العليا للمملكة وصيانة وحدتها الترابية وسيادتها الوطنية مؤكدا أن هذا التطور يتزامن مع تخليد عيد الوحدة الذي يجسد قطيعة في التعاطي مع الملف و انتقالا من منطق التدبير إلى مقاربة قائمة على تحول المحددات، حيث جاء فيه: “(…) “لم يقم مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، خلال اجتماعه المنعقد اليوم 30 أكتوبر 2026، بتمديد مهمة بعثة المينورسو، وهو ما يشكل تطورا هاما، وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة. ويتزامن هذا التطور البارز مع تخليد “عيد الوحدة”، الذي أقره صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لتجسيد القطيعة في التعاطي مع هذا الملف، والانتقال من مجرد منطق التدبير إلى مقاربة مبنية على التحول العميق للمحددات(…)”.
وداخل نفس النسق، أكد البلاغ الصادر بتاريخ 4 نونبر 2026 على ضرورة تعزيز الإجماع الوطني الذي يكفل مواصلة المشروع التنموي للأقاليم الجنوبية باعتباره أحد المداخل الأساسية للتفعيل الحازم للأولويات المحددة، ومما جاء فيه: “(…) وفي هذا الإطار، أعطى جلالة الملك، نصره الله، تعليماته السامية بالتفعيل الحازم واليقظ لهذه الأولويات، كلٌّ في مجال اختصاصه، بما يعزِّز الإجماع الوطني، ويكفل مواصلة المشروع التنموي للأقاليم الجنوبية والمشاريع المهيكلة له (…).” ومنه يمكن التوصل على أن الإجماع الوطني يمثل شرطا أساسيا لضمان التماسك والاستمرارية في إطار القطيعة مع المرحلة السابقة، خاصة في مرحلة تتطلب استحضار مختلف الأبعاد السياسية والقانونية والدبلوماسية والأمنية للقضية الوطنية.
ولذلك يمكن القول إلى أن الرصيد التاريخي والمؤسساتي الوطني الذي تراكم عبر سنوات منذ عهد باني الأمة محمد الخامس ووارث سره الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه مبدع المسيرة الخضراء، يتطلب مزيدا من التعبئة الوطنية على أساس تكامل الأدوار بين المؤسسة الملكية والمؤسسات الدستورية والأحزاب السياسية والبرلمان والهيئات المنتخبة والمجتمع المدني والنخب الأكاديمية والإعلامية(…)، ولعل ذلك ما عبر عنه جلالته في الخطاب الملكي السامي لــ 31 أكتوبر 2026 حيث أكد جلالته: “(…) كما نشيد بالجهود الدؤوبة، التي تبذلها الدبلوماسية الرسمية والحزبية والبرلمانية، ومختلف المؤسسات الوطنية، من أجل الطي النهائي لملف وحدتنا الترابية (…)”، ولهذا فإن مواكبة التحولات التي تعرفها قضيتنا الوطنية تتطلب إلى جانب اليقظة الدبلوماسية والحضور المؤسساتي تطوير النقاش العمومي وتعزيز الوعي بأبعاد المرحلة الجديدة ومشاركة الكفاءات الوطنية في بلورة التصورات والمقترحات الكفيلة بمواكبة متطلباتها.
دون أن ننسى في هذا الجانب، دور النخب السياسية والفكرية والأكاديمية في الانتقال من متابعة التطورات إلى المساهمة في تفسيرها واستشراف آثارها من خلال إنتاج المعرفة القانونية والسياسية والاستراتيجية وتطوير النقاش بشأن سبل تنزيل الاختيارات الوطنية، لأننا نعتقد أن الإجماع الوطني القوي لا يستمد متانته وصلابته من وحدة المواقف وحدها، بل أيضا من جودة النقاش العمومي وعمق المشاركة وقدرة المؤسسات والمجتمع على تحويل المبادئ والأسس المشتركة إلى ممارسات ومبادرات مسؤولة.
وفي صلب هذا التصور، تحتل مبادرة الحكم الذاتي مكانة جوهرية باعتبارها الأساس الذي اختاره المغرب للتوصل إلى حل سياسي نهائي للنزاع بل ولطيه وإنهاءه في إطار سيادته الوطنية ووحدته الترابية، وهو ما جسده الخطاب الملكي السامي بتاريخ 31 أكتوبر 2025 حيث أكد جلالته: “(…) وفي سياق هذا القرار الأممي، سيقوم المغرب بتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي، وسيقدمها للأمم المتحدة، لتشكل الأساس الوحيد للتفاوض، باعتبارها الحل الواقعي والقابل للتطبيق(…)”، ويظهر من خلال ذلك التوجه نحو تحيين هذه المبادرة وتفصيلها وتقديمها للأمم المتحدة لتشكل الأساس الوحيد للتفاوض، بما يستدعي مواصلة تطوير أبعادها المؤسساتية والقانونية والتنظيمية وتعزيز قدرتها على استيعاب متطلبات الحكامة الترابية والمشاركة في تدبير الشؤون المحلية والتنمية.
وبالتالي فإن هذا التوجه لا ينفصل عن البعد التوافقي الذي شدد عليه الخطاب الملكي السامي بتاريخ 31 أكتوبر 2025 حيث أكد جلالته: “(…) ورغم التطورات الإيجابية، التي تعرفها قضية وحدتنا الترابية، يبقى المغرب حريصا على إيجاد حل لا غالب فيه ولا مغلوب، يحفظ ماء وجه جميع الأطراف. فالمغرب لا يعتبر هذه التحولات انتصارا، ولا يستغلها لتأجيج الصراع والخلافات (…)”، وهكذا فإن العقيدة الدبلوماسية للمغرب تنطلق من مسلمة تفيد بأنه لا يسعى إلى تأجيج الصراع أو فرض منطق الغالب والمغلوب بل يتطلع إلى حل يحفظ كرامة جميع الأطراف ويفتح آفاقا جديدة للمصالحة وجمع الشمل، الشيء الذي يعكس أن قوة الموقف الوطني تتكامل مع الانفتاح على الحل السياسي السلمي ومع إرادة بناء مستقبل إقليمي قائم على الثقة والتعاون وحسن الجوار/.
المحور الثالث: استمرارية الالتزامات الدولية وتعزيز الحكامة الترابية والتنمية بالأقاليم الجنوبية
إن الانتقال إلى مرحلة ما بعد المينورسو يطرح جملة من الأسئلة المرتبطة بطبيعة العلاقة بين المسؤولية الوطنية والالتزامات الدولية، ولاسيما ما يتعلق يتعلق بالحفاظ على الاستقرار واحترام وقف إطلاق النار وضمان استمرارية التعاون مع منظمة الأمم المتحدة في إطار من المسؤولية وصيانة السيادة الوطنية والحفاظ على وحدة التراب الوطني وحوزته.
وفي هذا الصدد، يكتسب الموقف الوارد في بلاغ الديوان الملكي دلالة خاصة حيث ورد في بلاغه بتاريخ 30 أكتوبر 2026 تشبث المملكة بوقف إطلاق النار، مع احترام سلامة أراضيها ووحدتها وأمنها الوطني وطمأنينة مواطنيها، ومما ورد فيه: “(…) وفي الوقت الذي يعرب فيه المغرب عن ارتياحه لهذا التطور، يظل متمسكا بقوة بوقف إطلاق النار، مع الاحترام التام لسلامة ووحدة أراضيه، وأمنه الوطني، وطمأنينة مواطنيه(…)”، وفي ذات السياق بين البلاغ الصادر بتاريخ 4 نونبر 2026 أن التزام المغرب بوقف إطلاق النار التزام إرادي ثابت لن يتغير بانتهاء ولاية البعثة الأممية، حيث ورد فيه: “(…) ووفقا للموقف الرسمي الذي سَبَق التَّعبير عنه؛ مع التذكير بالتزام المملكة التَّام بوقف إطلاق النار، وهو التزام إرادي لن يتغير بانتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة، التي عجزت، في مناسبات عديدة، عن مراقبة مدى احترامه وعن ترتيب الآثار على خرقه(…)”، وبتحليل الدلالة اللغوية و الخطابية لهذه الصياغة يبدو أنها تحمل دلالة سياسية واضحة قوامها أن احترام هذا الالتزام يستند إلى اختيار وطني مسؤول بقيادة جلالة الملك بصفته رئيس الدولة والقائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، وبأنه التزام لا يرتبط حصرا باستمرار الآلية الأممية المذكورة والتي كانت تضطلع بمهمة مواكبته.
وبالتالي فإن هذا الموقف يعكس حرص المملكة المغربية على الفصل بين نهاية الإطار المؤسساتي للبعثة وبين استمرار التزاماتها المرتبطة بالحفاظ على السلام والاستقرار، كما يؤكد أن التحول في تدبير القضية الوطنية لا يعني التخلي عن التعاون الدولي بل يقتضي إعادة تنظيم هذا التعاون في ضوء المستجدات وبما ينسجم مع احترام السيادة الوطنية والمصالح العليا للمملكة.
وفي هذا الإطار، شدد جلالة الملك على احترام المغرب لالتزاماته الدولية ووفائه لعقيدته الدبلوماسية القائمة على الحفاظ على السلام والمساهمة فيه والسعي إلى تحقيقه بمختلف السبل، مع صون سيادة المملكة، وهو توجه ملكي ووطني يجد امتداده في الرؤية التي عبر عنها خطاب 31 أكتوبر 2025، حين أكد جلالته: ” شعبي العزيز؛ بعد خمسين سنة من التضحيات، ها نحن نبدأ، بعون الله وتوفيقه، فتحا جديدا، في مسار ترسيخ مغربية الصحراء، والطي النهائي لهذا النزاع المفتعل، في إطار حل توافقي، على أساس مبادرة الحكم الذاتي(…)”. وهكذا، فإن المرحلة المقبلة ستذهب تبعا لعقيدة المملكة في اتجاه المحافظة على قنوات التعاون والتواصل مع الأمم المتحدة وتدبير مختلف الترتيبات المرتبطة بانتهاء مهام البعثة بروح من المسؤولية والوضوح، بما يضمن احترام الالتزامات الدولية ويحول دون الخلط بين متطلبات السيادة الوطنية على كامل التراب الوطني ومقتضيات التعاون الدولي والأممي.
ومن جهة أخرى، يشكل استمرار المشروع التنموي للأقاليم الجنوبية أحد المرتكزات الجوهرية للرؤية الملكية في تدبير المرحلة الجديدة، فقد أكد خطاب 31 أكتوبر 2025 أن ما تعرفه هذه الأقاليم من تنمية شاملة وأمن واستقرار هو ثمرة تضحيات جميع المغاربة، حيث أكد جلالته: ” (…) ونغتنم ذكرى المسيرة الخضراء الخالدة، لنستحضر بكل إجلال وتقدير، التضحيات الجسيمة، التي قدمتها القوات المسلحة الملكية، والقوات الأمنية، بكل مكوناتها، وعائلاتهم بمختلف مناطق البلاد، طيلة خمسين سنة الماضية، في سبيل الدفاع عن وحدة الوطن، والحفاظ على أمنه واستقراره (…)” .
وفي ضوء هذا التوجه، أعاد البلاغ الصادر بتاريخ 4 نونبر 2026 التأكيد على ضرورة مواصلة المشروع التنموي للأقاليم الجنوبية والمشاريع المهيكلة المرتبطة به، حيث ورد فيه: ” (…) وفي هذا الإطار، أعطى جلالة الملك، نصره الله، تعليماته السامية بالتفعيل الحازم واليقظ لهذه الأولويات، كلٌّ في مجال اختصاصه، بما يعزِّز الإجماع الوطني، ويكفل مواصلة المشروع التنموي للأقاليم الجنوبية والمشاريع المهيكلة له(…)”. و يتبين من خلال ذلك أن هذا التوجه يعكس استمرارية الاختيار الاستراتيجي الذي يجعل من التنمية ركيزة أساسية لترسيخ الوحدة الترابية، مع مواصلة الاندماج الاقتصادي والاجتماعي للأقاليم الجنوبية وتطوير بنياتها التحتية وتوسيع فرص الاستثمار والتشغيل وتحسين جودة الخدمات العمومية.
وليس ثمة شك، أن توجيه الدينامية التنموية نحو تعزيز الوظيفة الاستراتيجية للأقاليم الجنوبية، باعتبارها مجالا للتكامل الاقتصادي والتبادل التجاري والانفتاح على العمق الإفريقي، ولا سيما في اتجاه منطقة الساحل والصحراء، وهو ما سيمكن من مواءمة “براديغم التنمية المندمجة” مع التصور الملكي الذي لا يفصل بين ترسيخ الوحدة الترابية وبين بناء فضاء إقليمي وأطلسي للتنمية والاستقرار والتعاون.
وبذلك، فإن استمرارية المشروع التنموي وتعزيز الحكامة الترابية يمثلان امتدادا عمليا للمرجعية الملكية التي تربط بين التحول الدبلوماسي والاندماج الاقتصادي والتنمية الشاملة، كما يؤكدان أن نجاح المرحلة الجديدة يقتضي الجمع بين صيانة السيادة الوطنية واحترام الالتزامات الدولية وتطوير شروط التنمية والاستقرار بالأقاليم الجنوبية/.
على سبيل الختم؛
يمكن القول إن القراءة المتقاطعة لخطاب جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده بتاريخ 31 أكتوبر 2025 وبلاغي الديوان الملكي الصادرين في 30 أكتوبر و4 نونبر 2026، تبيين وجود امتداد استراتيجي واضح بين المرجعية الملكية التي أعلنت الانتقال إلى مرحلة جديدة في مسار قضية الصحراء المغربية وبين الترتيبات السياسية والمؤسساتية التي فرضتها التطورات الأممية الأخيرة.
فإذا كان خطاب 31 أكتوبر 2025 قد وضع الأسس الكبرى لهذا التحول من خلال تثبيت مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا وحيدا للتفاوض والدعوة إلى تحيينها وتفصيلها ومواصلة الدينامية الدبلوماسية وتعزيز التنمية بالأقاليم الجنوبية، وترسيخ خيار الحل السياسي التوافقي.
فإن بلاغ 30 أكتوبر 2026 قد جسد التحول الذي ترتب عن عدم تمديد ولاية المينورسو وما يحمله من دلالات بشأن الانتقال إلى محددات جديدة في تدبير القضية الوطنية. بنما ذهب البلاغ الصادر بتاريخ 4 نونبر 2026 إلى نقل هذا التوجه إلى مستوى التدبير المؤسساتي والعملي من خلال تحديد الأولويات الوطنية، وإسناد مهمة التنسيق ومواكبة عملية تصفية وانسحاب البعثة إلى مكتب التنسيق مع المينورسو، مع التأكيد على الالتزام الطوعي والارادي بوقف إطلاق النار والتذكير بالعقيدة الدبلوماسية للمملكة القائمة على الحفاظ على السلام والمساهمة فيه و السعي بكل السبل إلى تحقيقه، مع اعتبار الحكم الذاتي الحل السياسي الوحيد الذي يوفر مقومات الطي النهائي لهذا النزاع الإقليمي المفتعل/.