مجتمع

خالف الأعراف فأنشأ مقهى ثقافيا بحي شعبي بالصويرة.. بوكبير يكشف الأسباب

بعيدا عن ما يؤذي أذنك بضجيج التلفاز، أو ما يزكم أنفك بروائح السجائر المقيتة عندما يروقك الانتشاء بكأس قهوة ساخنة، ليكن قصدك “المقشدة”، فضاء أقرب إلى العقل والروح أكثر من أي شيء. في هذا المكان يمكن أن تجاور المعرفة والفن والنقاش الواعي.

اختار الحسين بوكبير أن يسافر بمرتفقي مقهاه الأدبي المتواجد في حي شعبي بجانب المحطة الطرقية، بمدينة الصويرة، إلى عالم الورق والحروف وروائح القهوة الممزوجة بالموسيقى والمسرح، حيث تغوص بين كتب الديانات والتدين، التقاليد والثقافة، العلوم الإنسانية والسياسة، والتاريخ والاقتصاد.

مقشدة الكتب

كانت تسمى سابقا بـ “المقشدة”، قبل أن تأخذ  اسم المقهى الثقافي، راودت فكرتها الحسين بعد تخرجه من جامعة الرباط، حيث حصل على الإجازة في الفلسفة وعلم الاجتماع، وبعد صعوبة حصوله على العمل بعد التخرج، قدم له أخوه يد المساعدة حتى بدأ مشروعه الذي زينه بما تبقى من كتب أيام الجامعة.

يقول رب “مقشدة الكتب” في لقائه بجريدة العمق، “راودتني فكرة إنشاء مقهى وجعله فضاء عاما يمكن لنا أن نتقاسم فيه ما يفيد هذا البلد ويفيدنا كبشر، فوضعت فيه كتبي التي تبقت لي من المرحلة الجامعية، وتبرع بعدها مجموعة من الأصدقاء بعدد من الكتب ومازال إلى اليوم تقتحم أبواب المقى بشكل مستمر”.

ذهول وصدمة

يصيبك الذهول أول ما تضع قدميك وسط المقهى، لأن ارتباط اذهاننا عند سماع مقهى أدبي؛ يحيل على فضاء فاخر ونخبوي، كراسي بألوان وأشكال مختلفة، ورفوف من الكتب المرتبة كأن الأيادي لم تلمسها قط. لكن هنا العكس تماما، المشروبات بثمن زهيد، والكراسي عادية، والكتب متناثرة هنا على الطاولة، وهناك على الرفوف وفي كل الزوايا، تسجن نظرك حتى لا يسرقك شيئ آخر غير الكلمات والحروف.

بساطة المكان جعلت جميع الفئات لا تترد في زيارته. يجلس فيه شباب الحي، ويستفيد منه تلاميذ المدارس في دروس الدعم والتقوية واكتساب اللغات والتواصل بشكل مجاني. كما يقضي فيه الأساتذة والموظفين والعمال أوقاتهم في لعب الشطرنج أو الورق، وآخرين في قراءة الكتب.

وللنخبة المثقفة نصيب من بركات “المقشدة”، يقول الحسين أن أساتذة جامعيين بحمولات فكرية مختلفة زاروا فضاءه، وأبدوا تفاجؤهم واستغرابهم في تواجد مقهى ثقافي وسط حي شعبي مليئ بالكتب وتقام فيه أنشطة فكرية وفنية.

الغريب هو وهي

يدافع الحسين بوكبير عن فكرة مفادها؛ الأصل في المقاهي هو خلق فضاء للثقافة والنقاش وتبادل الآراء لخلق مجتمع المشترك، وأن الغريب هي أشكال المقاهي المتواجدة اليوم، وسبب لجوء الناس لها، فمثل هذه التجارب كانت  في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كبغداد وبيروت والقاهرة وفي تونس وغيرها من الدول، لكنا كانت نخبوية، عكس هذا الفضاء الذي يتميز ببساطته.

وليس الغريب أيضا عن الحسين؛ تواجد مقهى أدبي وسط حيه الشعبي، “بل الغريب أن تجد أحياء سكنية لا تتوفر على مرافق عمومية، وأماكن للألعاب وفضاءات خضراء، لأن هذا  وفق تعبيره “لا يمكن إلا أن يؤدي إلى إنتاج بشر غير مستقر ذهنيا وعاطفيا وحتى مورفولوجيا”.

الاستقالة من المجتمع

لنشر ثقافة المقاهي الأدبية، وجعلها فضاءات للنقاش العام، يرى بوكبير أن الدور يقع على عاتق أبناء المغاربة الذي درسوا في الجامعات والمعاهد، فالجامعة المغربية حسب المتحدث؛ “تنتج الآلاف من حاملي الشواهد العليا، لكنها طاقات تهدر بسبب ضعف التنشئة”، موضحا أننا “لسنا في حاجة إلى طبيب يقوم بعمليات جراحية فالمستشفى، بل في حاجة إلى طبيب يشارك في نقاش الشأن العام”.

يتابع الحسين حديثه بتأسف وخجل “إن سبب هذه المقاطعة السلبية نابعة من ثقافتنا الشعبية القائلة “الوجه المشترك لا يغسل”، والوجه المشترك هنا هو الفضاء العام، لذلك نلاحظ ما تعرفه فضاءاتنا العامة؛ من أوساخ وتشويه وتدمير وعنف لفظي ورمزي”.

لا إنسان بدون قضية

يؤمن الحسين  بأنه “لا معنى لحياة الإنسان بدون تبني قضية معينة”، ويضيف “أن هذا الذي نعيشه وضعنا ولا يجب الخجل منه، بل علينا الجلوس للنقاش الجماعي في القرى والمداشر والأحياء، من أجل إيجاد حلول مستدامة ومعقلنة، وهذه مسؤوليتنا، لأننا ملزمون على التكوين من أجل المطالبة بحقوقنا”.

ويصف عدنان بنصالح، أحد مرتادي المقهى،بوكبير بأنه إنسان “بسيط، ودود، وقارئ”، ويتابع القول “للعمق”؛ “إني أزور المقهى باستمرار، ودوما ما أجده يقرأ، ويعود للقراءة كلما أنهى إعداد شاي أو حضر كوب قهوة لزبنائه”.