منتدى العمق

الأزمة وما بعدها

هناك نوعان من الأزمات؛ أزمات تقع في ظل نظام دولي قائم ولا ترتقي إلى مستوى قلب للموازين، حتى ولو كانت عظيمة، مثل المجاعات في إفريقيا، أو انتهاك حقوق الأقليات في العالم…

مثل هذه الأزمات، يتحكم فيها، وهي وقود لاستمرار النظام العالمي القائم، حيث تعمد فيه المجموعات الكبرى إلى خلق جو من الحاجة والتهديد عند المجتمعات الأقل قوة، ثم تقترح لها الحلول التي تتناسب مع مطامعها.

وهناك نوع ثان من الأزمات، تخرج فيها الأمور عن السيطرة، تكون مفاجأة، تتعرض فيها الكيانات للتهديد، وتنتشر حالة من الشك وعدم الثقة بين التحالفات القوية، لتنكفئ المجتمعات على نفسها وتخدم قوميتها ووجودها فقط.

إننا اليوم بصدد الأزمة من النوع الثاني، أزمة وباء كورونا، حيث أصبح الكل يتحدث عن نفسه ويبحث سبل الخروج من الأزمة بشكل أسرع من الآخرين، متغاضين عن أن الكارثة عالمية. ولن يخرج منها أحد إلا بخروج الجميع، إذ نرى اليوم الاقتصاد العالمي وقد تلقى ضربة سريعة لم يشهدها من قبل حسب تصريح هنري كيسنجر في مقال له على جريدة وول ستريت، وبالتالي فإن التعافي الذي تسعى إليه الدول يجب أن ينطلق من رؤية جماعية خصوصا وأن آخر أزمة اقتصادية مر منها العالم لا زالت آثارها قائمة، ولم يتم التعافي منها كليا.

وفي نظرة داخلية لا بد منها إلى شأننا، بصفتنا مجتمعا عربيا تربطه قواسم مشتركة قوية بغض النظر عن الفرقة السياسية الحالية، فإن الخليج العربي بما يملكه من إمكانيات مالية ضخمة، قادر على اغتنام الفرصة وإطلاق رؤية اقتصادية جديدة يشارك فيها العالم العربي والإسلامي، هذا في حال رجوعنا خطوة للوراء ووضعنا ملفات التفرقة جانبا، وتحاورنا حول هدف مشترك، أن نكون عنصرا فاعلا في النظام العالمي الجديد الذي يدق الأبواب. فاعلا يطلق دورة حضارية جديدة، مستمدة شرعيتها من السماء (القرآن). وذلك لا يتعارض مطلقا مع مبدأ عمارة الأرض وحكمها بالوسائل السياسية والاقتصادية الحديثة التي ترتكز على التوازن والاعتدال اللذان تحدث عنهما ابن خلدون في مقدمته، واعتبرهما شرطان للنجاح ( لمزيد من التوضيح حول الاقتصاد عند ابن خلدون، يمكن الاطلاع على أوراق عمل مؤتمر ابن خلدون الدولي الخامس بإسطنبول في ماي 2017).

إن الوضع الدولي على المحك، والليبرالية الأنانية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية في اختبار صعب جدا، خصوصا وأن خطابات قادتها تشير إلى إمكانية التضحية بالمواطنين مقابل تجنب الإغلاق الاقتصادي الذي ولا شك سيطيح بها من تصدر المشهد المالي الدولي، وما يثيره ذلك من قلاقل سياسية على مكانتها وأمنها.

العالم الآن يمر من مرحلة إدارة الأزمة، والمؤشرات تدل على غلبة النزعة الفردية والوطنية في مواجهتها، ومن المحتمل أن المنظمات والهيئات الدولية الحكومية وغير الحكومية لن يتجاوز دورها التأكيد على العمل الجماعي، باستثناء أدوار تقوم بها قوى ستفرض نفسها في مرحلة ما بعد الأزمة، مثل الصين، تركيا…

ويبقى السؤال مطروحا، أي نظام جديد سيفرض نفسه بعد الأزمة؟ وما موقعنا نحن المجتمع العربي منه؟ الجواب موجود الآن في ظل الأزمة، لكن من يجيب هو التحدي الحقيقي.