يقال إن القناعات عموما نسبية قد لا تستقر على حال، تتطور أو تفتر أو تتبخر.. وبمجال السياسة الذي يعرفونه بـ”فن الممكن” فالقناعات أو المرجعيات تتعارض في كثير من الأحيان مع إكراهات الواقع السياسي وتموجاته.
وبالنسبة للتيارات السياسية ذات المرجعية الإسلامية فالأمر أصعب مقارنة مع الإيديولوجيات الأخرى، خصوصا عند الاضطلاع بتسيير شأن البلاد.. هو إذن عمل صعب ومحفوف بالمخاطر.. وأخطاؤه باهضة الثمن، من حيث تناقضها وتعارضها مع المنهج الذي خطه هذا التيار السياسي في أدبياته ومنطلقاته المنبنية على المرجعية الإسلامية، ناهيك عن عدم قبول هذا التيار داخليا وخارجيا – باستثناء دول قليلة – واتهامه تارة بالإرهاب وتارة بالحزب الديني، مع تسليط الآلة الإعلامية المغرضة من أجل تشويهه وشيطنته.
لقد أبانت الممارسة السياسية للإسلاميين – على مستوى العمل الحكومي -أنها تفتقر إلى رؤية واضحة وقراءة جيدة للواقع الاجتماعي، وإلى حس التعامل مع المستجدات المحرقة، مما ينتج عنه ارتباك في القرارات تحت ضغط المرجعية، فيصبح هذا التيار بين مطرقة ثقل العوارض السياسية وسندان عدم التعارض مع المرجعية، بمعنى أن له خيارين لا ثالث لهما ، فإما أن يستميت في التأقلم مع زوابع السياسة ورياحها القوية واضعا نصب أعينه جدلية درء المفاسد وجلب المصالح، أو يحتكم للمرجعية في أضيق دوائرها وبرؤية مستقبلية ضبابية فيذهب إلى حال سبيله ..وينأى عن السياسة أو يهوي في سحيق المعارضة الأبدية…..
تأسيسا على ما سبق فإن تسيير الشأن الحكومي من قبل الإسلاميين، وبفعل رزوحهم تحت نير صعقات سياسية قوية تفت في صميم قناعاتهم وتزج بهم في غياهب حيرة وتأمل عميق ولما لا في تيه منهجي .لذلك فقد أضحت الحاجة ماسة الآن إلى التفكير في بلورة تصورات ورؤى جديدة، وإلى دق أبواب المراجعات البنيوية للقناعات والمنطلقات في اتجاه تقدمي بالطبع وأكثر انفتاحا وفاعلية تروم بالضبط اعتماد وعاء فكري قيمي ينبني على تكريس القيم الديمقراطية وخدمة الوطن والعمل الدؤوب وزرع القيم النبيلة داخل المجتمع للخروج من شرنقة الإحراج المرجعي، وذلك ليسا تنازلا ولكن ترجيحا وتمحيصا بغية تحقيق استقرار منهجي وتوازن فكري يضع القاطرة على سكة التنمية ونهضة البلاد. ولا مندوحة في القول بأن الارتكاز على إيديولوجية القيم هي من صميم المرجعية الإسلامية ، وتصب في بناء مجتمع حامل لبذرة النهضة والتنمية.
ولا ضير في القول إن المرجعية الاسلامية يجب ان تنعكس في سلوكياتنا ومعاملاتنا ومنارة في قلوبنا وتؤطر حركاتنا وسكناتنا ، ويمكن على ضوء ذلك ان يتأسس العمل السياسي لحزب من أبناء التيار الإسلامي على قيم إنسانية حضارية تكون مشتلا لنهضة حقيقية دون التنازع مع الشركاء الآخرين ..ودون إحراج النظام مع القوى الدولية التي تتوجس من كل ما هو إسلامي ..
إن الحركة الإسلامية الوسطية “الأم” لم تعط حقها كاملا في خدمة المجتمعات الإسلامية ونهضتها ، وتعرضت لكثير من الظلم الخارجي والداخلي والمضايقات..وكان منتوجها التربوي كاسحا، غير أن هذه السمة أصبحت الآن نقطة ضعف بعدما خيم ما يمكن تسميته ب ” الكساد التربوي” أي أن الحركة الإسلامية استنفذت مرحلتها بمنهجها الحالي في بناء الإنسان ولم تعد قادرة على التأطير ا، ولم يعد صوتها مؤثرا لأسباب ذاتية وموضوعية . وقد باتت الحاجة ملحة إلى البحث عن استراتيجية جديدة لبلورة خطاب واقعي يجعل من الإنسان محور التغيير والنهضة على اعتبار أن أزمة النهضة العربية هي أزمة إنسان .
* محمد معناوي / كاتب من المغرب