وجهة نظر

جائحة كورونا تعري العولمة المتوحشة

ليس من باب اللغو القول إن جائحة كورونا عرت العولمة. بل، فضحت نوايا صناعها في أمريكا وباقي دول الغرب.

والعولمة، كما ذكرنا بذلك الدكتور عبد الهادي بوطالب في بداية الألفية الثالثة، هي حجر الأساس في صرح النظام العالمي الجديد الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش إثر نهاية حرب ” عاصفة الصحراء ” التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية ومن ورائها 34 جيشا من دول الحلف الذي تجمع للانقضاض على العراق تأديبا له على غزو الكويت، تلك الحرب التي اعتبرها الرئيس الأمريكي حربه والانتصار فيها انتصاره الشخصي. ومن هذا المنطلق نظرت الولايات المتحدة الأمريكية بمفردها لخلق نظام عالمي جديد جريا على سنة التقليد الذي دأب فيه الغرب على وضع نظام عالمي جديد كلما انتهت حرب عالمية بانتصاره.

وبالأمس القريب، استبشر المستضعفون في الأرض خيرا في بلدان افريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية أيضا، بعد سقوط جدار برلين في 1989 لأنهم تلقوا وعودا عبر خطب كبار السياسيين في الدول المتقدمة وعبر وسائل الإعلام التي كانت تحظى بالمصداقية من لدن متتبعيها في العالم الثالث، (تلقوا) وعودا بتحقيق العدالة الاجتماعية العالمية، وبناء التعاون الاقتصادي بين دول الشمال والجنوب، من خلال تطبيقات العولمة على المستويات الاقتصادية والتجارية والمالية.

وازداد التفاؤل، حينما علموا أن الإنسان بفضل العولمة سيتمكن من التنقل بحرية عبر العالم. وأن الدول العظمى ستدافع عن حقوق الإنسان والحريات العامة ومنها حرية الصحافة، في دول الجنوب. ولتصبح هذه الوعود حقيقة تراها العين المجردة، فلا بد من القضاء على أعداء الديمقراطية وبصفة خاصة في الوطن العربي، الأنظمة الاستبدادية.

فلا الديمقراطية حلت محل الاستبداد في العراق، ولا هذا البلد حافظ على تعايش مكوناته البشرية. وواقع الشعبين السوري والفلسطيني، مؤلم جدا.

وما نراه في الشرق الأوسط منذ إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش في قمة مجلس الأمن سنة 1992 عن بداية النظام العالمي الجديد بعد الانتصار على العراق، هو في الحقيقة إعلان عن تاريخ بداية بناء شرق أوسط جديد يجعل من المصالح التجارية والاقتصادية، المحدد الوحيد للعلاقات بين دوله، فلا الدين ولا التاريخ ولا العادات ولا التقاليد يجب أن تجمع بينها. وذلك في إطار ما يسمى بتطبيق ” اتفاقات ابراهام” التي تم التخطيط لها من لدن مؤسسيها ما يناهز 50 سنة قبل الآن. وقد شرح كيفيات تطبيق هذا المخطط مؤخرا بعض الاقتصاديين الدوليين في إحدى القنوات الفرنسية المتميزة.

وما نراه اليوم كذلك، ونلاحظه بكل تجرد هو: بداية، نهاية افريقيا خاصة، حيث موت البشر بالآلاف ليس عبر القوارب، ولكن من خلال جائحة كورنا. والأمر فضيع في دول أمريكا اللاتينية، خاصة في البرازيل.

لقد فضحت كورونا السلوكات الخفية لصناع العولمة، ومنها ” الأنانية ” حيث تعاقدوا مع شركات الأدوية العملاقة على اقتناء أكبر الكميات من المصلات (les vaccins)، في حين لم تتوصل الدول الافريقية إلا بالقليل القليل من هذه المصلات للحد من فتك كورونا بالإنسان الإفريقي. ويبقى المغرب استثناء نظرا لفطنة سياسييه لما سيجري، ومن تم كان السبق للتعاقد مع مجموعة من الشركات العملاقة التي تنتجها.

مجملا، عرت جائحة كورونا عن حقائق العولمة المتوحشة وصناعها. وما هي إلا صورة مصغرة للرأسمالية المتوحشة التي تسود العالم منذ منتصف القرن الثامن عشر.
فهل من قدر افريقيا وباقي دول الجنوب أن تبقى متخلفة؟

إن الدافع إلى طرح هذا السؤال هو أن الواقع الحالي في دول الجنوب عامة، الناجم عن جائحة كورونا وتبعاتها التي لن تنتهي في القريب المنظور اقتصاديا واجتماعيا، مؤلم جدا. ولن ينكر إلا ناكر أن دوله وشعوبها ستؤدي فاتورة باهضة من جراء المديونية، وسنسمع مرة أخرى في المستقبل عن، جدولة المديونية وإعادة جدولتها، وعن اشتراط مجموعة من الشروط التي ترهق مالية الدول المستدانة ويؤدي تبعاتها الشعوب اجتماعيا، إن هي تريد الاستفادة من اقتراضات إضافية من المنظمات المالية الدولية.

إنه مسلسل تاريخي لا تنتهي حلقاته، تمت صناعته وإخراجه وتحديد الأدوار فيه، من لدن مخرجين كبار خبروا السياسة الدولية والاقتصاد وعلم النفس السياسي. وإذا كنا نقول في المغرب ” البكاء من وراء الميت غير خسارة “، فالسؤال الجوهري الذي يفرض طرحه اليوم في كل بلد من دول الجنوب هو: ما العمل الآن؟

تؤكد كل الوقائع التاريخية القديم منها والحديث، أنه لا حل من دون تطوير وتمتين العلاقات الاقتصادية والتجارية والثقافية بين دول الجنوب، مستحضرين ما دافع عنه بقوة عالم المستقبليات الدكتور المهدي المنجرة رحمه الله وهو: التعاون ” جنوب – جنوب “. ولن يتحقق هذا التعاون إلا من خلال وعي سياسي في كل دول الجنوب بأنه لا استمرارية ولا ضمانة لأي نظام سياسي مع استفحال ظواهر الجوع والعطش والبطالة. ولا مستقبل في غياب الاستثمار في الإنسان.

وقد اتضح للعالم أن المغرب يتوفر على طاقات بشرية محترمة جدا، فقد ابتدعت اختراعات بسيطة لمواجهة كورونا. وقد برز علماء مغاربة في العالم ومنهم من ترأس لجنة العلماء المكلفة بالبحث عن الحلول العلمية والمفصلات (vaccins) للحد من فتك كورونا للبشرية في العالم.

ونعتقد أننا لا نجانب الصواب بالقول إن جائحة كورونا، بقدر ما فتكت بالبشر والاقتصاد والمال، بقدر ما شكلت فرصة لإعادة التفكير في دور الدولة الاجتماعية. وبالقدر نفسه، أبدت لدوي القرار السياسي – أو هكذا ينبغي أن يكون – أن الاستثمار الحقيقي يجب أن يتم على مستويين: التعليم والصحة.

ولنا أن نعلم أن المستضعفين في كل دول الجنوب ونحن منها، في حاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى حماية الدولة لهم، من ” التجار ” في قطاعي الصحة والتعليم. وكذلك حمايته من تعرضه للتهميش بل للإهانة في بعض المستشفيات العمومية. وذلك من خلال الإسراع بسن قوانين عادلة، وتأمين تطبيقها بوساطة المراقبة المستمرة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ومن المطلوب توفير تعليم عمومي جيد، فالمدرسة العمومية هي التي أنتجت بالأمس القريب، ومازالت تنتج، العديد من المفكرين والطاقات البشرية المبدعة. والدولة في حاجة اليوم إلى الإنصات لهؤلاء مهما كانت تخصصاتهم.

خاتمة القول، إذا كانت جائحة كورونا قد عرت العولمة المتوحشة، وفضحت إيديولوجية صناعها، فإنها بالقدر ذاته تعيد للأذهان العاقلة أن مفاتيح التقدم هي:

التعليم النافع للفرد ومجتمعه. ولن يتأتى ذلك إلا إذا تم بناؤه بأيدي أبنائه الوطنيين، نساء ورجالا، في كل دولة من دول الجنوب.

وصحة الموطن والمواطنة.

والدولة الحامية لحقوق الإنسان والحريات العامة وعلى رأسها حرية الإعلام والصحافة.

ودينامية القطاعين العام والخاص.

ودولة الحق والكرامة.

فهل تستفيد دول الجنوب من دروس كورونا؟

وهل فطن صناع العولمة إلى أن العالم ليس سلعة كما قال الفقيه الدولي، الدكتور عبد الهادي بوطالب رحمه الله؟

المستقبل هو الوحيد الكفيل بالإجابة على هذين السؤالين.

* أحمد بلمختار منيرة/ إعلامي وباحث