كفى من تخصيب خطاب غير ذي خصوبة!!!
لا تتاح الموهبة في مضمار في عالم السياسة لكل الناس و لوحملوا إسما قريبا مما يدخل في إسم ” العائلة ” كما تعارفت عليه قواعد اللغة الفرنسية. الموهبة عمل على فرضها على المسرح يوسف وهبي و مواهب أخرى من طينة زكي طليمات و نجيب الريحاني . أحب المغاربة المسرح و لم يتوقع أهل الخشبة من ممثلين و مخرجين و زجالين و مبدعي الديكور أن يصل الحال بممثلين آخرين إلى أعلى مسارح تقدم كوميديا رديئة إسمها صنعته ممارسة سياسية قبيحة. كانت السياسة بعيدة عن الإسهال و قريبة من التأني و قلة الظهور و كثير من عدم الاستسلام لشيطان التساهل مع الكلام المرتجل.
البعض من الرجال “الزرق ” في مجال السياسة يخلطون بين نوع من الخطاب يحبون وصفه بالتلقاءي و كثيرا من الاستهتار الممزوج بالتعالي على شعب و على نخبه التي تم الزج بها خارج ممارسة الشأن العام. و ساهمت صحافة تعكس الرداءة في النفخ في شخوص لا تهمهم قيم و لا مبادىء و لا محاسبة و لا التزام و لا تأنيب ضمير. و حتى لا يقال عني أن أسبح في عالم بعيد عن الواقع، أريد أن أوضح أن هذا الإعلام يجد متعة في مزج هزالته مع هزالة خطاب يصدر عن زعماء عصر الردة.
صحيح أن الإنتماء إلى قيم ماض قريب جعل من جزء كبير من جيلنا المعطوب حجب عنا أن فيروس التمثيل خارج المسرح امتد إلى جسد اليسار و إلى الصحافة التي كانت “حرة ” و مستعدة للمواجهة مع السلطة. كثيرة هي مكونات هذه الصحافة التي أصبحت سجينة عطف المعلنين و شركات و مؤسسات مالية. و في خضم هذه التحولات والنكسات ظهرت أشكال لبست ثوب النجومية و مسخت الصحافة في علاقتها بالسياسة.
كم كنا ننظر إلى مصطفى العلوي كصحافي السلطة و لكن ما وصلنا اليه اليوم يدفعنا إلى الإعتذار لهذا الصحافي الذي أتقن تسيير البرامج الحوارية في زمن البصري و كانت حواراته السياسية تجمع النخب و يجمع على مضمونها الألاف من المشاهدين. اليوم يخاطب الصحافي الوزير و رءيس الحزب كصديق و بكثير من الاستهتار. و كل هذا زاده حزنا الخروج الإعلامي لزعيم الأصالة والمعاصرة وإدارة المشهد ” المسرحي ” من طرف الرمضاني صاحب مشروع محاولة ” تدمير لغة الخشب “. و يمضي اللقاء الصحافي مع الزعيم بسهولة تتخللها ضحكات و تمرير التناقضات كأنها قدر لا راد لقضاءه. قل ما تريد و تراجع و تنكر و قل العكس و اقلب جميع الموازين ولا تهتم بمن يحاولون انتقاد الخطاب و السلوك و التراجع و الإفتخار بسحب مشاريع قوانين من أجل محاربة الاغتناء غير المشروع. المهم أن ينتهي البرنامج في جو من الهزل مهما كانت أهمية القضايا المطروحة. و كأن الحرب قد وضعت أوزارها و تم الرضى على ما نحن عليه.
شاء القدر و حتى التكوين الأكاديمي أن أقرأ أسرار الخطاب السياسي و شاءت الصدف أن اسير برامج سياسة على إذاعة خاصة و احترمت كثيرا ضعفي عن طريق الإعداد الجيد للبرامج و إحترام من استضفتهم من وزراء و زعماء و فاعلين حقوقيين و لم اخاطبهم أبدأ كاصدقاء أو معارف. كنت استفزهم بكثير من الإحترام للمستمعين و لم أنادي احدا باسمه الشخصي ولا تعاملت معه خارج النص. و رغم هذا أحسست أن أهل السياسة يحتاجون منا إلى الكثير من الإحراج الجدي و الإحترام. ممارسة السياسة و التعليق عليها تحتاج إلى عمل يتجاوز التمثيل الذي يخفي كثيرا من المصالح. أتمنى من الشباب الذين اختاروا مهنة المصاعب أن لا يغرقون في مستنقع المياه الراكضة. من السهل جدا أن تنجح كصحافي يتقمص أدوار الاستفزاز الفكاهي و تسعى إلى امتاع المستمعين المشاهدين بقفشات، و لكنك ستعيش أبد الدهر في كواليس لن تجعل منك صحافي ذو رأسمال إسمه المصداقية. و لكل هذا لن يصنع الصحافي رجل دولة و لن يجد من اقتحم جهرا تدبير الشأن العام مقعدا بين من لهم شأن في مجال التمثيل السياسي. و هؤلاء أعداء لمستقبل الوطن لأنهم يعيشون على كلام متراكم و مال وفير و كثير من الإرتياح مهما هاجت أمواج بحر العيش الكريم.