تعدُّ المجموعة القصصية “سجناء بلا تهم” العمل الخامس للمبدعة المغربية رشيدة القدميري في صنف القصة القصيرة. وجدير بالذكر أن المجموعة صَدرت عن “القرويين للنشر والتوزيع” الكائنة بالمغرب/فاس.
تتضمّن المجموعة اثنتَا عشرةَ قصة قصيرة تناقشُ مختلف المواضيع الاجتماعية منها والنفسية، لكنها تشترك وتتقاطع في كونها اتّخذت من وباء “كورونا” التيمة الرئيسية لها، إذا لا يخلو نصٌّ من نصوص المجموعة من الحديث عن “كورونا” وما خلفته من آثار في نفوس الشخصيات!
ولعلّ القارئ لهذه المجموعة القصصية، يلاحظ الحضور القويّ لجدلية الأمل واليأس، بحيث نجدُ الشخصيات في صراعٍ محتدمٍ بين رغبتها في التشبّت بالأمل وبين يأسها، وبالتالي رضوخها أمام الوباء اللعين. وهذا ما يدل عليه قول الساردة في أول قصةٍ لها ضمن المجموعة والمعنونة ب “نعم للحياة”
“في هذه اللحظات العصيبة ليس على المصاب كيفما كان سنه ومنصبه، ومستواه الفكري، سوى اختيار أحد طريقين لا ثالت لهما: الاستسلام للوباء والانهيار، أو المقاومة ومواجهة الفيروس بكل إصرار.” ص14
والقصة عموما معبقة بالأمل، كيف لا؟ وعنوان القصة “نعم للحياة” وقد جسّد هذا الأمل شخصية الطفل أكرم، بحيث واجهَ إصابته بفيروس كورونا بتشبّته ورغبته في الحياة، فلم تفارق محياه الابتسامةُ قط طيلة فترة مرضه. تقول الساردة: “اختار أكرم بعقله الصغير، وجسمه النحيل “الحياة”، صعد السيارة دون أدنى مساعدة من مرافقه، وهو يقول بكل ما أوتي من براءة الطفولة التي تسكن روحه الملائكية: “نعم للحياة.” ص15
أمّا القصة الثانية الموسومة ب “جحود” فتناولت من خلالها الساردة قضية الأبناء الذين لا يصلون الرحم مع آبائهم، متحجّجين بظروفٍ واهيةٍ وتجد أغلبهم يكتفي بالسؤال عنهم عبر الهاتف، هذا إن هم فعلوا! وهذا ما حدث مع بطلة القصة السيدة رحمة، ذات السبعين سنة، فبعد أن تخرّج ابنها واشتغل، وتزوّج ، اشترى لها شقةً صغيرةً، ووفّر لها ممرضة خاصة تأتي لزيارتها كلّ شهرٍ لمراقبة ضغط الدّم ومستوى السّكر في جسمها، كما أحضر لها من البادية خادمة تقوم بأعمال البيت، وتسهر على راحتها، وتساعدها على تناول الدواء في وقتهِ، فلم يعُد يزور أمّه إلا في الأعياد، ويكتفي بالاطمئنان عليها عبر الهاتف، ظانّاً أنه قد قام بالواجب، لكن هيهات هيهات! وهذا الجحود من قِبل الابن، كان أشدَّ وطأً على السيدة رحمة من الفيروس اللعين نفسه! تقول الساردة على لسان السيدة رحمة: “أيها الفيروس اللئيم، لا تختبر أصالة حزني، فهو راسخ في روحي منذ زمن بعيد، وعيناي غيومه الماطرة دمعا. أنا مستعدة لمغادرة هذا العالم البئيس الذي أصبح فيه وجودي كعدمه…” ص20
وفي قصة “لعنة الخوف” وهي القصة الثالثة ضمن المجموعة، تتحدّث الساردة عن الخوف المستمر من الإصابة بالفيروس اللعين الذي تملّك البشرية جمعاء، كما هو الشأن بالنسبة لبطل القصة، بحيث نجد الخوف يراوده عند خروجه من البيت وعند دخوله، ويتّخذ كل الاحتياطات الاحترازية، تقول الساردة: “تغلق زوجته وراءه الباب، ليجد نفسه مباشرة في شارع شبه فارغ إلا من بعض المارة، يلمح جاره عائدا إلى بيته، يقف مبتسما في وجهه، بعيدا عنه مسافة مترين، يلقي عليه التحية، وهو يحافظ دائما على مسافة السلامة والأمان، تجنبا من التقاط عدوى فيروس اسمه كوفيد19.”
والقصة عموما يغلب عليها طابع السخرية، ولعل ما يدل على هذا هو قول الساردة: “زوجته تراقبه من شرفة الطابق العلوي للمنزل، وقبل أن يفكر في رفع يده للقيام بأية حركة، قد تكون عواقبها وخيمة عليه وعلى أسرته، تلوح له بإشارة مفادها: “لا تلمس وجهك!” ص21 وقول الساردة كذلك على لسان البطل: “اللعنة عليكِ يا خديجة، لمَ تصرين على خروجي من البيت في ظروف كالتي نعيشها؟…” ص21
وأما قصة “تذكرة إلى الجحيم” فتحكي لنا الساردة عن شخصية فاطمة، شابة في عمر الزهور وصلت لإسبانيا عن طريق الهجرة السّرية، فعملت في كلّ شيء ، فقبلت على نفسها وكرامتها أشياء لا تطاق من أجل المال، الذي كانت ترسل حصة الأسد منه لأمّها الأرملة الفقيرة، التي تركتها وحيدة في قرية نائية!.. بعد معاناة وكفاح طويلين، تمكّنت فاطمة من تسوية وضعية إقامتها بالطرق القانونية، فقرّرت زيارة بلدتها ووالدتها التي اشتاقت لتقبيل رأسها، وضمّها إليها بقوة، لكن الوباء اللّعين كان صدا منيعا أمام مبتغاها! صحيح أنها تمكّنت من زيارة بلدتها ووالدتها، لكنها لم تتمكّن من معانقتها والنوم في حضنها، بل وحتى الاقتراب منها، مخافة أن تكون حاملة للفيروس، فتنقل لوالدتها العدوى!
فقصة “تذكرة إلى الجحيم” مخالفة تماما لقصة “جحود”، فإذا كانت قصة “جحود” قد تطرّقت لموضوع “عقوق الوالدين”، فإن قصة “تذكرة إلى الجحيم” تناولت موضوع”البر بالوالدين”، وكأن الساردة تريد أن تقول كما يوجد أبناء يعقّون آباءَهم، هناك آخرون يبرّون ويحسنون إليهم!
وفي قصة “النقطة التي أفاضت الكأس” تحكي لنا الساردة عن قصةِ حبٍّ كاذبةٍ راحت ضحيتها البطلة ليلى، ذلك أنها زوجها عادل قبل الخطوبة كان يُظهر لها الحبَّ والاحترام وأنه الزوج الذي تتمناه أي فتاة، لكنه بعد الزواج سقط عنه القناع، وتبيّن وجههُ الحقيقي، إذ صار يعنّفها جسديا ومعنويا ونكّد عليها حياتها وهي التي كانت تظن أنّها ستعيش معه في سعادةٍ وأمان! وقد زاد تعنيفهُ لها بعد حملها! تقول الساردة: “بعد حفل الزفاف استقرت ليلى في شقة زوجها بعيدا عن والديها وإخواتها، لكنها كانت على يقين تام بأنها ستكون بأمان مع الرجل الذي اختارته شريكا لحياتها.”ص33.. فجأة وعلى حين غرّة انتشر الفيروس اللعين، وتلقّت خبرا حكومي يقضي بالعمل عن بعد بالنسبة لموظفي شركة زوجها، وأما عن المصلحة التي تعملُ بها هي، ستتوقّفُ نهائيا خلال فترة الحجر الصحي المنزلي الوقائي الذي أقرَّتهُ السلطات.. فلما نفذ صبرها، حملت ابنها وبعض ملابسها وذهبت إلى بيت والدها في عزّ “كورونا”، فاستقبلها الأب مستغربا مستفسرا عن سبب تركها لمنزلها في هذه الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد، فكان جوابها كالتالي: “قد يكون الهلاك بالفيروس أرحم يا أبي من الموت على يد زوجي…”ص38 فالفيروس الذي يعدُّ نقمة ما بعدها نقمة، قد صار عند ليلى نعمة مكّنتها من الخلاص من زوجها!
فإذا كان الوباء نعمة عند ليلى، بحيث كان النقطة التي أفاضت الكأس، فإنه كان مصدرا للإلهام والإبداع بالنسبة لمنال، الفنانة التشكيلية كما في قصة “ربيع مؤجل” ، فمنال اتّخذت من الفن وسيلة للتصدي للوباء اللعين وممارسة حياتها عن طريق لواحاتها الفنية التي تعيد لها الأمل وتخلصها من الوجع! تقول منال في حوارٍ لها مع شاب وسيم، عاشق للفن، اِلتقت به في معرض تشكيلي لها: “يا سيدي في زمن كذب المرايا، وانتشار البلاء، لا نملك سوى الخيال نحتمي به بعد الدعاء، ندون به همس الفراغ، لنتجاوز سياج الفراغ، وسجن الجدران.” ص42 فمنال بهذا تذكّرنا بأرسطو الذي يعتبر الفن بمثابة تطهير للذات، وهو ما يسمى عنده بالكطرسيس.
وأما قصة “امتحان” فتناولت الساردة مسألة “التعليم عن بعد” وكيف أنه لم يستطع تعويض التعليم الحضوري، خاصة عند التلاميذ الذين ينتمون لأسر فقيرة، فالبكاد تستطع عائلاتهم توفير بعض الأساسيات، فكيف لهم بتوفير حاسوبٍ وشبكةِ الأنترنيت، هذا الأخيران اللّذانِ يعدّانِ من مستلزمات التعليم عن بعد، وبدونهما لا تعليم عن بعد!
وفي قصة “جسد بلا روح”(القصة التاسعة ضمن المجموعة) هناك تشابهٌ بينها وبين قصة “جحود” من حيث تناولهما لنفس التيمة ألا وهي تيمة “عقوق الوالدين”، فبعد زواج مصطفى لم يرزق أبدا بأطفال يزينون حياته لأنه يعاني من “العقم”.. حاول مصطفى حلَّ مشكلته لكن كل محاولاته باءت بالفشل.. وبعد انتظار طويل دام عشر سنوات، قرّر مصطفى تبنّي أحد الرضّع المتخلى عنهم، بُغيةَ التكفّل به، فتقدّم بطلب لإدارة مستشفى المدينة، وبعد شهرين كان له ما طلب… فقد حرص مصطفى على تربية ابنه بالتبني أحسن تربية وقدّم له كلّ ما يحتاجهُ من حنان ومتطلبات الحياة والدراسة، حتى أنه كان يحرم نفسه من شراء قميص، أو حذاء جديد ويصرف كل ما يجنيه من عمله على توفير الراحة النفسية والجسدية لابنه الوحيد.. ولمَّا كبر ابن مصطفى وتخرج مهندسا، وتزوّج، واستقرَّ في منزله الخاص.. وبعد مرور الأيام أصبح الأب(مصطفى) يشكّلُ عبئا كبيرا على الابن خاصة وأنه صار طاعنا في السن وبالتالي معاناته من الأمراض المزمنة، لذلك قرَّر إدخالهُ إلى دار لرعاية المسنين بعد أن قام ببيع منزله الذي كان يأويه!
فالقصة إذن صوّرت لنا ظاهرة عقوق الواليدين في أسوء صورة!
وأما القصة الحادية عشر والمعنونة ب “ربّ ضارة نافعة” فاعتمدت الكاتبة الحوار بشكل كبير، وهو حوارٌ جرى بين الأم وابنتها، ولعل ما يستشف من هذا الحوار، هو الجانب الإيجابي للجائحة والمتمثّل في معرفتنا بقيمة الحياة ما قبل كورونا، والتي كنّا مستائين ومتذمرين منها على الدوام! فها نحن الآن مشتاقون للحياة القديمة ونتمنى لو تعود، لكن هيهات هيهات! تقول الساردة على لسان الأم: “أُنظر يا بني، الإنسان بكل قوته وجبروته، لا يملك إلا أن يردد سرا وجهرا: “ليتنا فقط بقينا كما كنا، وكفى…”ص74 أضف إلى ذلك أن الطبيعة ارتاحت من التلوث الذي يعدُّ الإنسان السبب الرئيسي فيه، بشكل أو بآخر! وهو ما يدل عليه قول الساردة على لسان الأم: “ألا ترى معي يا بني، أن هذا الكائن المجهري جاء ليذكرنا بجشعنا، وقلة خجلنا وتمادينا في إيذاء الأرض التي تأوينا؟ وكأنه يقول لنا: “كفاكم تدميرا للغابات، كفاكم قطعا للأشجار، وتخريبا للمساحات الخضراء، كفاكم تلويثا للهواء بالغازات السامة، كفاكم رميا للنفايات في الأنهار، كفاكم استهتارا، كفاكم دمارا لهذا الكوكب الذي يأويكم…”ص74.
وفي قصة “عودة من الموت”، وهي القصة الثانية عشر والأخيرة ضمن المجموعة فتدور أحداثها حول البطل سمير، عاملٌ بشركة النسيج، أصيب بالفيروس اللعين، ونقل العدوى لزوجته وأولاده؛ الشيء الذي جعله يلوم نفسه ويجلد ذاته باستمرار! تقول الساردة في هذا الصدد: “…، لكن سمير وقف صامتا والدمع يكاد ينفلت من عينيه، يراهن على قوة صبره، يحاول التغلب على شعوره بالحزن الممزوج بالذنب العميق على نقله العدوى لأسرته الصغيرة…”ص81
خلاصه القول إن المجموعه القصصيه سجناء بلا تهم قد تناولت مختلف القضايا الاجتماعية والنفسية والتي تدور أحداثها خلال فترة الحجر الصحي، وذلك في قالبٍ قصصيّ أدبيّ مشوقٍ وبلغة شاعريةٍ نوّعت فيها الساردةُ بين المجاز والاستعارة والتشبيه، وهذا ما أضاف جمالية على المجموعة وجعلها تتميّزُ وتنفردُ! ولا غرابة في ذلك، لأن المبدعة هي شاعرة في الأصل وقد صدر لها مجموعة الدواوين. وفيما يلي بعض الأمثلة للصور الشعرية الموظفة من قبل الساردة:
– أسرِّج أشواقي(ص11)، تتهاطل شلالات قلقه(ص22)، تتسابق الكلمات(ص26)، اخضرت واحات قلب فاطمة(ص27)، حاملة حرائقها في صدرها(ص36)،كنبض يعبر المساء إلى ضفة الحلم(ص45)، تعطّلت لغة إبراهيم(ص65)،إلخ…
كما وظّفت الساردةُ ضميرَ المتكلمِ تارةً وضمير الغائب تارةً أخرى، ولعل هذا التنويع في الضمائر يُعزى -حسب اعتقادي- لكون الساردة أرادت أن تعبّر عن معاناتها النفسية خلال فترة الحجر الصحي، ومعاناة غيرها من الناس!
وجدير بالذكر أننا اقتصرنا في هذه الدراسة المتواضعة على معظم القصص المتضمنة في المجموعة، وإلا فجميع القصص جديرة بالدراسة والتحليل.