صدر عن مطبعة دار الأمان بالرباط كتاب “دراسات في الفقه والتصوف بالأندلس والمغرب” (ابن العربي نموذجا)، للدكتورة فاطمة طحطح أستاذة التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط وجامعة غرناطة باسبانيا.
الكتاب ثري بالمعطيات والإضاءات ليس في المجال الديني فقط، بل في مجالات اجتماعية وتاريخية وثقافية وجغرافية، وهو كتاب جدير بإعادة قراءته والبحث فيه وفق مناهج حديثة تكشف عن معطيات جديدة يمكن استثمارها في حقول معرفية عدة.
ينقسم الكتاب إلى قسمين، يتفرع عن القسم الأول فصلان، يتناول الفصل الأول محور “الفقه والتصوف بالأندلس” خلال عهد المرابطين، ويتناول الفصل الثاني “حملة ابن العربي على التصوف الغزالي وكتابه “العواصم من القواصم”، أما القسم الثاني فيعالج “الزهاد والمتصوفة بالريف من خلال كتاب “المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف”” لعبد الحق البادسي.
ويعد القسم الأول من الكتاب عبارة عن دراسة قدمتها الدكتوره فاطمة طحطح في المؤتمر الدولي بمدينة مورسية بإسبانيا سنة 2003 بمناسبة ذكرى محي الدين بن عربي الصوفي الشهير، وكان موضوع المؤتمر حول “التصوف والتشريع الإسلامي”، أما عنوان البحث الذي تقدمت به فكان عن “الفقه والتصوف بالأندلس من خلال كتاب العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي”.
أما القسم الثاني من الكتاب فهو عبارة عن دراسة بعنوان “صلحاء الريف من خلال كتاب المقصد الشريف” لعبد الحق البادسي، قدمتها المؤلفة في ندوة بالحسيمة سنة 2013 بمناسبة تكريمها.
تطلب إنجاز هاتين الدراستين ثلاثة وثلاثون مرجعا نوعيا، وهو ما يمنح هذا الكتاب قيمة علمية أكاديمية، وهي (دراسات في الفقه والتصوف بالأندلس ابن العربي والبادسي نموذجا)، حيث ركزت الدراسة الأولى على موقف أبي بكر بن العربي من التصوف الغزالي والفلسفي عموما من خلال كتابه “العواصم من القواصم” وقد اعتمدته المؤلفة كنموذج لما يمثله من قوة في الجدال ومن نقد عنيف للفكر الصوفي عرض فيه لأهم القضايا الخلافية بين الفكر الفقهي المالكي والفكر الصوفي الباطني والفلسفي، حيث كان لفقهاء المالكية في عهد المرابطين هيبة عند الناس، يقفون عند مشورتهم في عاديات أمورهم وحازبات مشاكلهم.
أما الدراسة الثانية وإن كانت تبتعد عن زمن الدراسة الأولى بقرن من الزمان، أي في عصر الموحدين، فهي تقترب من نفس السياق، حيث خاض عبد الحق البادسي في بحر مجموعة من القضايا التي كانت محل خلاف كبير بين الفقهاء والمتصوفة خاصة المتصوفة الذين يتبنون المعرفة الباطنية كالكشف والإشراق والذين يتزعمهم الإمام أبو حامد الغزالي في المشرق آنذاك.
استنتجت المؤلفة في خلاصة كتابها أن التأمل في سيرة الصلحاء كان مبنيا على الاعتدال والبساطة في العبادة، والجهاد الروحي، ما جعله أقرب للزهد منه إلى التصوف بمعناه الفلسفي، كما استنتجت كيف تمثل التصوف عند البادسي من خلال تراجمه، إنه كما تقول الدكتورة فاطمة طحطح صورة للعبادة المقرونة بالاجتهاد والعمل وهو ما عرفته بلاد المغرب.
وفي هذا الإطار شاطرت المؤلفة الرأي مع محقق كتاب البادسي الأستاذ سعيد أعراب الذي أوضح بأن مفهوم التصوف عند البادسي في عصر الموحدين هو تصوف نقي تقي لا أثر فيه للشطحات ووحدة الوجود.
إن كتاب “دراسات في الفقه والتصوف بالأندلس والمغرب” (ابن العربي والبادسي نموذجا) تأليف عجيب حسن في بابه صغير الحجم كبير القدر، مثلما قال ابن الأحمر إسماعيل ابن الأحمر عن كتاب عبد الحق البادسي “المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بعلماء الريف”، يمكن إسقاط ذلك على كتاب الدكتوره فاطمة طحطح “دراسات في الفقه والتصوف بالأندلس والمغرب” (ابن العربي والبادسي نموذجا)، الذي لا ينتهي من قراءته القارئ عندما ينتهي من قراءته لأنه يفتح نوافذ واسعة على العصرين المرابطي والموحدي، حيث تبوأ في العصر الأول الفقهاء مكانة عالية، حتى أن دولة المرابطين كانت تسمى دولة الفقهاء، وهي المكانة التي تزعزعت في العصر الموحدي.
*لطيفة الهيتمي