أخبار الساعة

الاتِّكالِية لدى الأبناء.. كيف تتكون؟ وكيف تعالج؟

أرجع (دليل MSD ) أسباب اضطراب الشخصية الاتكالية إلى مزيج من ثلاثة عوامل يحتمل أن ينجم عنها، وهي السمات الوراثية في العائلات، والتجاربُ السيئة في مرحلة الطفولة، والقلق.

وجانب كبير من التجارب السيئة في الطفولة ذات العلاقة بالاتكالية يقع في فخها الآباء والمربون من خلال أسلوب تربوي خاطئ لا يدركون نتائجه إلا بعد حصولها.

ولا ينتبه الآباء والمربون، وهم يحاولون كسب عاطفة الطفل وطاعته، إلى أن قيامهم بخدمة الطفل في شؤون يستطيع تأمينها والقيام بها بنفسه، وتعويده قيامهم بمهام مكانه، يعد فخا تربويا خاطئا تكون نتيجته تعويد الطفل على الاتكال على غيره، وعدم قدرته مواجهة المواقف وحده، وتشكيل شخصية اتكالية قد تعاني في الحياة.

وبعد فوات الأوان تبدأ الشخصية الاتكالية بالظهور بقوة لدى الطفل، وقد توظَّف هذه الصفة سلبا في كل المسارات الحياتية، فتنعكس سلبا على مستقبل الطفل وعلاقاته الاجتماعية، سواء داخل الأسرة أو خارجها.

فما هو اضطراب الشخصية الاتكالية؟ وكيف تساهم التربية الخاطئة في تشكيل الاتكالية في الطفل؟ وكيف يمكن استدراك الأمر؟

ما هو اضطراب الشَخصِيَّةٌ الاتِّكالِيَّة؟

يعرف (دليل MSD ) الشخصية بأنها طريقة الشخص الفريدة في التفكير، والفهم، والتفاعل مع الآخرين، وبناء العلاقات معهم.

وحسب نفس المصدر، لا يمكن اعتبار اضطراب الشخصية مجرَّد نمط غير اعتيادي من الشخصية. فهو يرتبط بسمات محددة تُسبب مشاكل كبيرة في الحياة أو تمنع الشخص من بناء علاقات طبيعية مع الآخرين.

وبالنسبة لاضطراب الشَخصِيَّةٌ الاتِّكالِيَّة dependent personality يقول (دليل MSD ) ، إنه نمط من شعور الشخص بالاعتماد الشديد على أشخاص آخرين للعناية به.

وحسب نفس المصدر،غالبًا ما يتصف المصابون باضطراب الشخصية الاتكالية بالسمات التالية:

  • الخوف من عدم قدرتهم على الاعتناء بأنفسهم والخوف من أن يتعرضوا للهَجر
  • إظهار الخضوع والحاجة حتى يرغب الآخرون في تقديم الرعاية لهم
  • الافتقار إلى الثقة والحاجة إلى الكثير من الطمأنة
  • طلب المشورة من الآخرين، حتى في اتخاذ القرارات البسيطة
  • إفساح المجال للآخرين لاتخاذ القرارات المتعلقة بهم، مثل سؤال أزواجهم عما يجب ارتداؤه، وما هي الوظيفة الأفضل للاختيار، والأصدقاء الذين ينبغي مصاحبتهم.
  • إفساح المجال للآخرين لاستغلالهم، مثل الموافقة على القيام بمهام غير مريحة بالنسبة لهم.
  • تحمُّل الاعتداء الجسدي، أو العاطفي، أو الجنسي خوفًا من فقدان الدعم من المُعتدي
  • صعوبة إبداء الاختلاف مع الآخرين حتى عندما يكون الرأي سديدًا.
  • صعوبة بدء مشاريع شخصية أو العمل بشكل مستقل، ولكن عند الاطمئنان إلى وجود شخص ما يقدم الدعم، فغالبًا ما يؤدون وظائفهم بشكلٍ جيد.

وحسب نفس المصدر، يلتمس معظم الناس المساعدة أو المشورة من الآخرين من حين لآخر، ويحاولون أن يكونوا محبوبين ومُتقَبلين. ولكن، يمكن لهذا السُّلُوك أن يصبح اضطرابًا إذا سمح الشخصُ للآخرين بالتحكم بحياته أو حتى إساءة معاملته، أو إذا عجز عن القيام بواجبه في مكان العمل.

وقد يعاني هؤلاء أيضًا من الاكتئاب، أو القلق، أو الإدمان على الكحول، أو اضطراب آخر في الشخصية.

التربية على الاتكالية بتلبية جميع احتياجات الأبناء

وحول تربية الأبناء واتكاليتهم على الآباء تقول استشارية العلاقات الزوجية والتربوية مها بنورة، حسب الجزيرة نت، “أصبحت تربية الأبناء تختلف من جيل الآباء لجيل الأبناء، ومن هنا نرى بعض الآباء والأمهات، يحرصون على تلبية كل احتياجات الأبناء الضرورية وغير الضرورية، بشكل مفرط، واعتبار ذلك دليل حب وحنان من قبلهم”.

وأشارت بنورة إلى أن الاتكالية تأتي عندما يغيب دور الأب والأم في التربية، وكذلك عندما يعتمد الطفل على وجود المساعدة داخل المنزل.

وتوضح بأن ظروف العمل التي أجبرت نسبة كبيرة من الأمهات والآباء على ترك منازلهم لساعات طويلة لتلبية الاحتياجات الأساسية بالعيش؛ كان لها الأثر أيضا بتغيير طبيعة العلاقة بين الأبناء والوالدين، مما يجعل الأهل يعوضون عدم وجودهم بالبيت مع أبنائهم وقضاء أوقات ماتعة ومفيدة معهم لتعويض الأبناء الحنان بالأشياء المادية، وقد تكون على شكل هدايا أو نقود، إذ أصبحت نظرة الأبناء لوالديهم أن وظيفتهم هي الحصول على نقود، ليستطيعوا العيش بطريقة معينة تناسب المعايير الاجتماعية والبيئة المحيطة بهم.

سلبيات اتكالية الأبناء

وتذكر الاستشارية مها بنورة أن من إحدى سلبيات اتكالية الأبناء، عدم وجود تواصل اجتماعي بين أفراد الأسرة، حيث تم ملاحظة عدم معرفة الوالدين لتفاصيل تخص أبناءهم على الصعيد الأكاديمي وعلاقاتهم الاجتماعية. مما كان له الأثر السلبي على التحصيل الأكاديمي للأبناء، ومشاكل سلوكية ونفسية يعانون منها بسبب تعلقهم بالأجهزة الذكية، وتعاملهم مع أشخاص لا يعرفونهم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.

وأضافت أننا نلاحظ في السنوات الأخيرة الكثير من الآباء والأمهات يشعرون بالصدمة من سلوكيات أبنائهم، وعند توجههم للجهات المختصة لمساعدتهم، وأول جملة تقال “لم نعد نعرف أبناءنا.. نحن لم نقم بتربيتهم هكذا.. ولا يوجد لدينا في تاريخ العائلة أبناء يتصرفون هكذا”.

وتبين “هذا ما يحصل عند ترك الأبناء من دون رقابة الأهل داخل المنزل ومتابعتهم بالمدرسة منذ الصغر، فالطفل يخزن كل التجارب التي يمر بها من خلال وجوده بالبيت والمدرسة. لكن الأهل غير مدركين خطورة ترك الأبناء، وعدم مشاركتهم تفاصيل حياتهم، وبناء لغة حوار بينهم وبين أبنائهم”.

لا تنتظر أن يكون ابنك مثلك

وتشير الاستشارية مها إلى أن هذا السلوك يتم اكتسابه منذ الصغر، ويتطور مع مرور الوقت ويصبح عادة، بمعنى أن الطفل معتاد أن يقول لأهله كل التفاصيل التي تحدث معه ويشاركها وهو سعيد وواثق بأن والديه ينصتون له ويتقبلون ما يقوله، ويلبون احتياجاته ومتطلباته دائما.

وتقول “لم تعد تربية جيل أبنائنا بهذا الزمان سهلة، وخصوصا مع انفتاح أبنائنا على العالم الخارجي من دون قيود، لذلك لا تنتظر أن يكون ابنك مثلك، العالم والزمان الذي عشنا به يختلف كل الاختلاف عن عالمهم، لذلك كل ما تستطيع فعله هو أن تتواصل مع أبنائك، ويتم ذلك في أوقات خاصة للأبناء لقضاء وقت ماتع معهم وتعزيز علاقاتك بهم”.

وتكمل بالقول إن الثقة بالنفس والحب والحنان أمور لا تتعارض مع أن يكون أبناؤك معتمدين على أنفسهم، فالطفل بطبيعته يرغب بالاعتماد على نفسه منذ الصغر، وممكن ملاحظة هذا السلوك عندما يبدأ باكتشاف العالم الذي يعيش فيه، ويبدأ بتجربة الوقوف والمشي بمفرده، وتذوق الأكل من خلال تقليد الأهل، لذلك يجب دعم هذا التطور ومراعاته بطريقة صحيحة، فحب الأبناء يستدعي منا قول كلمة “لا” حتى يتعلم السلوك الصحيح.

تطوير مهارات التواصل

وتنصح الاستشارية جميع الأهل بأن يطوروا مهارات التواصل لدى الأبناء، وأن يعرضوهم لخبرات حياتية تساعدهم على الاعتماد على أنفسهم، فمثلا يمكن إعطاء الابن مهمة ينجزها من خلال بيئة عمل، وتقاضي أجر معين، حتى يبدأ بتكوين فكرة عن حقيقة الحياة التي يعيشها ومتطلباتها.

وهذا يساعد الأبناء على البدء بوضع أهداف في حياتهم، على سبيل المثال “ماذا سأكون في المستقبل؟” و”ما المهنة المناسبة لي؟”، ومن هنا يبدأ الفرد بالبحث داخل أعماقه واكتشاف المهارات والميول الخاصة به. وفق الاستشارية مها بنورة.

وتختم بقولها “كل شخص يستطيع أن يتغير إذا قرر ذلك، فلا يوجد عمر محدد للتغيير أو التطوير، كل منا بحاجة لمساعدة من مختص يرافقه في تطوير قدراته ومهاراته بمجالات متعددة، وهذا ما أنصح الأهل أن يبدؤوا بعمله لأنفسهم ولأبنائهم، فنجاح أبنائهم يعتمد على المهارات الاجتماعية التي يمتلكونها أكثر من شهادات ودرجات علمية في اختصاص ما”.