منوعات

اتباع نهج يقظ .. هذا ما ينصح به علماء للتخلص من الأفكار غير المرغوبة

من منا ليس له أفكار سيئة أو ذكريات مؤلمة يود لو يتخلص منها إلى الأبد؟ وهذه الذكريات السيئة أو السلبية قد تتعلق بعلاقة عاطفية تعثرت أو انقطعت، أو تعامل جارح من أحد معارفك، أو موقف كنت ضحيته وسبب لك إحراجا كبيرا. وأحيانا تقفز إلى شاشة استعراض الذكريات صور وأفكار غريبة وغير منطقية، هي مجرد خيال، لكنها في السياق الذي نكون فيه يكون لها وقع سلبي، كأن تتخيل أن يقع شيء ثمين من يدك ويتكسر، أو هجوم صورة انعراج القطار السريع الذي تقله، أو انكشاف شيء تخفيه في وضعية محرجة، …

الأمر طبعي جدا، فدماغنا يسجل كل شيء، وكما تقفز الذكريات الجميلة والأفكار المحبوبة إلى الواجهة فنسعد بها ولا نريد حتى استحضار إمكانية أن نفقدها من ذاكرتنا، هناك بالمقابل أفكار وذكريات تقفز هي الأخرى إلى الواجهة رغم كرهنا لها وسعينا إلى نسيانها. كما أن الخيال جزء أساسي في سلوك أدمغتنا، فيدفعها السياق الذي نكون فيه إلى صناعة صورة خيالية قد تكون غير مرغوب فيها.

لكن هل من سبيل إلى التخلص من تلك الأفكار والذكريات السيئة والمؤلمة؟ وكيف ينبغي تدبير هذا الأمر المهم في حياتنا؟

طرح موقع Live Science ، حسب العربية نت، سؤالًا حول ما إذا كان من الممكن إبعاد الأفكار غير المرغوب فيها عن الذهن؟ وكانت الإجابة كالتالي، حسب نفس المصر.

الأفكار العابرة

قال جوشوا ماغي، عالم النفس الإكلينيكي، الذي أجرى بحثًا عن الأفكار والصور غير المرغوب فيها والحث على الاضطرابات العقلية، إن أفكار الناس أقل تركيزًا بكثير، وهي أقل بكثير من السيطرة، مما يتخيله الكثيرون.

ففي إحدى الدراسات الشهيرة، التي نُشرت عام 1996 في دورية “التداخل المعرفي: النظريات والأساليب والنتائج”، والتي قام بإعدادها الباحث إريك كلينغر، الأستاذ الفخري لعلم النفس في جامعة مينيسوتا، قام المشاركون بمتابعة جميع أفكارهم على مدار يوم واحد. في المتوسط، أبلغ المشاركون عن أكثر من 4000 فكرة فردية، عبارة في معظمها عن أفكار عابرة، أي لم تدم أي منها لأكثر من خمس ثوانٍ، في المتوسط.

الممارسة قد تساعد في القضاء على الأفكار غير المرغوبة

قال ماغي: إن “الأفكار تنحسر وتتدفق باستمرار، والكثير منا لا يلاحظها”. في الدراسة المشار إليها، والتي أجريت عام 1996، بدا أن ثلث هذه الأفكار ظهرت تمامًا من العدم. وأضاف ماغي أنه من الطبيعي أن تراود المرء أفكار مزعجة.

في دراسة أجراها كلينغر وزملاؤه في عام 1987، رأى المشاركون أن 22٪ من أفكارهم غريبة أو غير مقبولة أو خاطئة. على سبيل المثال، يمكن أن يتخيل الشخص نفسه وهو يقطع إصبعه أثناء الطهي أو يسقط طفل بينما يحمله إلى سريره.

في بعض المواقف، من المنطقي قمع هذه الأفكار غير المرغوب فيها. في امتحان أو مقابلة عمل، على سبيل المثال، لا يريد المرء أن يشتت انتباهه بالالتفات إلى فكرة أنه سيفشل. في رحلة طيران، ربما لا يريد التفكير في تحطم الطائرة. قال ماغي إن هناك أدلة على أنه من الممكن القضاء على هذه الأفكار.

في دراسة أجريت عام 2022 ونُشرت نتائجها في دورية PLOS Computational Biology، أظهرت النتائج أن 80 مشاركًا قاموا بمتابعة سلسلة من الشرائح تعرض أسماء مختلفة. تم تكرار كل اسم في خمس شرائح مختلفة. وأثناء مشاهدة الشرائح، قام المشاركون بتدوين كلمة ربطوها بكل اسم، على سبيل المثال، تم تدوين كلمة “الطريق” عطفًا على كلمة “سيارة”.

سعى الباحثون لمحاكاة ما يحدث عندما يسمع شخص ما أغنية عاطفية على الراديو ويحاول يائسًا التفكير في أي شيء آخر غير شريك الحياة السابق.

كشفت النتائج أنه عندما رأى المشاركون كل اسم للمرة الثانية، فقد استغرقوا وقتًا أطول من المجموعة الضابطة للتوصل إلى ارتباط جديد لذلك الاسم، مثل “إطار” بدلاً من “طريق”، على سبيل المثال، مما يشير إلى أن ردهم الأول ظهر في أذهانهم قبل أن يحل محله الارتباط الجديد. وتأخرت ردودهم بشكل خاص على الكلمات التي صنفوها على أنها “مرتبطة بقوة” بالكلمة الرئيسية في المرة الأولى.

ولكن كان المشاركون أسرع في كل مرة يشاهدون فيها نفس الشريحة، مما يشير إلى ضعف ارتباطهم بين الكلمة الرئيسية واستجابتهم الأولى، أي الصلة التي تحاكي الفكرة التي كانوا يحاولون تجنبها.

قال الباحثون إنه لم يتم التوصل إلى دليل “على أن الشخص يمكنه تجنب الأفكار غير المرغوب فيها تمامًا”. لكن النتائج تشير إلى أن الممارسة يمكن أن تساعد الأشخاص على التحسن في تجنب فكرة معينة.

نتائج عكسية

لا يتفق الجميع على أن عرض الشرائح للكلمات العشوائية هو وسيلة جيدة لاستنباط كيفية قيام البعض بقمع الأفكار المحملة بالعاطفة، كما ذكرت Medical News Today.

وتشير أبحاث أخرى إلى أن تجنب الأفكار يمكن أن يأتي بنتائج عكسية. قال ماغي: “عندما نقمع فكرة، فإننا نرسل لأدمغتنا رسالة”. ويصف هذا الجهد الفكرة بأنها شيء يجب الخوف منها، و”في الجوهر، نحن نجعل هذه الأفكار أكثر قوة من خلال محاولة السيطرة عليها”.

الحل في اتباع نهج يقظ

توصلت نتائج دراسة تحليلية لـ 31 دراسة مختلفة حول قمع الفكر، نشرتها دورية Perspectives on Psychological Science  في عام 2020، إلى أن قمع الفكر يحقق نتائج وتأثير على المدى القصير. فبينما كان المشاركون يميلون إلى النجاح في مهام قمع الأفكار، برزت الفكرة – التي تم تجنبها في رؤوسهم – في كثير من الأحيان بعد انتهاء المهمة.

و يرى الخبراء أنه ربما يكون من المنطقي اتباع نهج يقظ في التعامل مع الأفكار غير المرغوب فيها والانتظار ببساطة حتى تمر بدلاً من محاولة تجنبها، تمامًا مثلما هو الحال مع آلاف الأفكار الأخرى التي تتجول في رأس كل إنسان يوميًا، أي أنه يمكن السماح لمثل هذه الأفكار بأن تتواجد في الذهن فقط، دون السعي إلى قمعها ونسيانها بشدة، لأنها تحصل على مساحة أكبر في هذه الحالة.