لم يعد خوف العلماء من غرق شواطئ البحار جراء ارتفاع مستوياتها بسبب ذوبان الثلوج القطبية وأنهارها، بل بالتهديد الصحي الذي يمثله ذلك على اعتبار أن الجليد يحتفظ بمئات الأنواع من الميكروبات الخطيرة، التي يمكن أن تتحول إلى مصدر أوبئة جديد.
وتوالت الدراسات التي انصب جهود العلماء خلالها على فهم نوعية التهديدات الميكروبية التي يمثلها ذوبان الأنهار الجليدية.
وكانت دراسة كشفت، يوليوز الماضي، بعدا آخر لمخاطر ذوبان الجليد، ويتعلق بتهديدات صحية تتعلق بما خزنه الجليد من أنواع كثيرة من المكروبات التي لم تعرف من قبل. والتي لبعضها قدرة كبيرة في إحداث أوبئة.
وحدرت تلك الدراسة، أن ذوبان الجليد يمكنه أن يحرر تلك المكروبات الخطيرة، وإطلاق موجات من الأوبئة.
ومؤخرا، حسب العربية نت، كشف تحليل جيني لرواسب التربة والبحيرات من بحيرة هازن، أكبر بحيرة للمياه العذبة في القطب الشمالي في العالم، أن خطر الانتشار الفيروسي قد يكون أكبر بالقرب من أمكنة ذوبان الأنهار الجليدية.
وأشارت النتائج، حسب نفس المصدر، إلى أنه مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية بسبب تغير المناخ، أصبح من المرجح أكثر أن تستيقظ الفيروسات والبكتيريا المحتبسة في الأنهار الجليدية والتربة الصقيعية، لتصيب الحياة البرية، بحسب تقرير نشرته صحيفة “غارديان” البريطانية الأربعاء.
عينات من بحيرة هازن
ولفهم المخاطر التي تشكلها الفيروسات المجمدة بشكل أفضل، جمعت Stéphane Aris-Brosou وزملاؤها في جامعة أوتاوا في كندا عينات من التربة والرواسب من بحيرة هازن، بالقرب من المكان الذي تتدفق فيه كميات صغيرة ومتوسطة وكبيرة من المياه الذائبة من الأنهار الجليدية المحلية.
بعد ذلك، قاموا بتسلسل الحمض النووي (RNA) والحمض النووي (DNA) في هذه العينات لتحديد الفيروسات التي تتطابق بشكل وثيق مع تلك الخاصة بالفيروسات المعروفة، بالإضافة إلى المضيفات الحيوانية أو النباتية أو الفطرية المحتملة، وأجروا خوارزمية لتقييم فرصة إصابة هذه الفيروسات لمجموعات غير مرتبطة من الكائنات الحية.
فيروسات مجمدة
واقترح البحث، الذي نُشر في Proceedings of the Royal Society B، أن خطر انتشار الفيروسات إلى مضيفين جدد كان أعلى في المواقع القريبة من حيث تتدفق كميات كبيرة من المياه الذائبة الجليدية، وهو وضع يزداد احتمالية مع ارتفاع درجة حرارة المناخ.
فيما لم يحدد الفريق عدد الفيروسات التي لم تكن معروفة من قبل، وهو أمر يخططون للقيام به في الأشهر المقبلة، كما لم يقيّموا ما إذا كانت هذه الفيروسات قادرة على إحداث عدوى.
خطر حدوث وباء لازال منخفضاً
وحذر الباحثون من أن التنبؤ بخطر كبير للانتشار لم يكن مماثلاً للتنبؤ بالانتشار الفعلي أو الأوبئة. وكتبوا: “طالما أن الفيروسات والناقلات غير موجودة في نفس الوقت في البيئة، فمن المحتمل أن تظل احتمالية وقوع أحداث مأساوية منخفضة”.
يذكر أنه عام 2016، نُسب تفشي مرض الجمرة الخبيثة في شمال سيبيريا الذي أدى إلى مقتل طفل وإصابة سبعة أشخاص آخرين على الأقل، إلى موجة الحر التي أذابت التربة الصقيعية وكشفت جثة حيوان الرنة المصابة.
وقبل ذلك، كان آخر تفشي في المنطقة عام 1941.
900 نوع جديد داخل الأنهار الجليدية
وحسب الجزيرة نت، ذُهل العلماء لاكتشافهم أزيد من 900 نوع لم يُر من قبل من الميكروبات تعيش داخل الأنهار الجليدية على هضبة التبت، وكشف تحليل جينومات الميكروبات أن بعضها لديه القدرة على إحداث أوبئة جديدة إذا أدى الذوبان السريع الناجم عن تغير المناخ إلى إطلاقها من سجونها الجليدية.
ويذكر التقرير المنشور على “لايف ساينس” (Live Science) أن باحثين من الأكاديمية الصينية للعلوم قد أخذوا عينات جليدية من 21 نهرا جليديا على هضبة التبت؛ وهي منطقة مرتفعة في آسيا تقع بين سلسلة جبال الهيمالايا في الجنوب وصحراء تاكلاماكان في الشمال.
وجهّز الفريق بعد ذلك تسلسلا للحمض النووي للكائنات المجهرية المحبوسة داخل الجليد، وأنشأ قاعدة بيانات ضخمة من جينومات الميكروبات التي أطلقوا عليها “كتالوج جينوم وجينات الأنهار الجليدية التبتية” (TG2G)، وهي المرة الأولى التي يتم فيها إنجاز تسلسل جيني لمجتمع ميكروبي مختبئ داخل نهر جليدي.
ووجد الفريق 968 نوعا ميكروبيا مجمدا داخل الجليد، معظمها من البكتيريا وبعض الطحالب والعتائق والفطريات أيضا، وفق ما أفاده الباحثون في 27 يونيو/حزيران الماضي في الدراسة التي نشرتها دورية “نيتشر بيوتكنولوجي” (Nature Biotechnology)، ولكن ربما الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن حوالي 98% من هذه الأنواع كانت جديدة تماما على العلم.
ويقول الباحثون إن هذا المستوى من التنوع الميكروبي كان غير متوقع بسبب الصعوبة المرتبطة بالعيش داخل الأنهار الجليدية. ويذكر القائمون على الدراسة أنه “على الرغم من الظروف البيئية القاسية مثل درجات الحرارة المنخفضة، والمستويات العالية من الإشعاع الشمسي، ودورات التجميد والذوبان، ومحدودية المغذيات، إلا أن أسطح الأنهار الجليدية تدعم مجموعة متنوعة من الحياة”.
كما أن الباحثين ليسوا متأكدين بالضبط من عمر بعض هذه الميكروبات، فقد أظهرت دراسات سابقة أنه من الممكن إعادة إحياء الميكروبات التي حُبست في الجليد لمدة قد تصل إلى 10 آلاف عام، وفقا للدراسة.