خلية حد السوالم.. بين التحريك الخارجي والاستقطاب الأسري
كشف حبوب الشرقاوي مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية (البسيج)، خلال الندوة الصحفية التي نظمت عشية يوم الخميس 30 يناير 2025 بمقر المكتب بسلا ، أي بعد أربعة أيام عن تفكيك خلية السوالم ، عن خاصيتين تنظيميتين أساسيتين ميزتا هذه الخلية وتتمثلان في التحريك الخارجي والاستقطاب الأسري
- التحريك الخارجي لنشاط خلية حد السوالم
يبدو بأن من بين الخلايا الارهابية التي تم تفكيكها منذ سنة 2003، تتفرد بعض الخلايا
بخاصيات تميزها تنظيميا وتركيبيا عن باقي الخلايا الأخرى ، كخلية الرايضي التي لعب فيها التأثير الخارجي دورا أساسيا في نشاطها وإقدامها السريع على تنفيذ عملية تفجيرات الدارالبيضاء التي استهدفت بالأساس المس بهيبة المؤسسة الأمنية من خلال توقيت تنفيذها الذي صادف ذكرى تأسيس الأمن الوطني ، وفي نفس الوقت الرد على انخراط المملكة في الاستراتيجية الدولية لمحاربة الإرهاب التي تزعمتها الولايات المتحدة آنذاك بعد تفجير برجي منهاتن. وبالتالي ، فلعل التأثير الخارجي الذي لعب دورا أساسيا في تحريك خلية الرايضي ، ساهم بشكل كبير في تحريك خلية حد السوالم . فقد كشف المدير العام للمكتب المركزي للأبحاث القضائية خلال ندوته الصحفية بأنه “حسب نتائج التحريات المتوصل إليها إلى غاية هذه المرحلة من البحث، فإن عناصر هذه الخلية الإرهابية، وهم أربعة من المتطرفين من ضمنهم ثلاثة أشقاء كانوا قد وثقوا بيعتهم لتنظيم ‘داعش’ في شريط فيديو، حيث تشير الأبحاث الأمنية إلى أن هذه الخلية كانت على ارتباط عضوي بأحد قياديي تنظيم داعش في منطقة الساحل، الذي لعب دورًا مهمًا في تسريع عملية التجنيد والاستقطاب وتلقين الأفكار الإرهابية. وكان يرسل لهم إصدارات ومحتويات رقمية متطرفة بهدف تحويلهم إلى “أشخاص منذورين للموت”، يمكن دفعهم بسرعة لتنفيذ عمليات إرهابية”. مبرزا بأن الدعاية السيبرانية التي انخرط فيها تنظيم داعش كان لها دور كبير في تسريع وتيرة التطرف لدى هذه الخلية ، حيث وفرت لهم الإعداد والتحضير لتنفيذ مخططات الإرهاب الفردي على طريقة التنظيم، بما في ذلك القتل والتمثيل بالجثث باستخدام أساليب التعذيب، فضلاً عن اللجوء إلى عمليات التفجير لإحداث أكبر خسائر ممكنة في الأرواح والممتلكات. ولعل مما ساعد “هذا القيادي الداعشي الذي لم يذكر اسمه أو رتبته من طرف الأجهزة الأمنية ، في التأثير الفكري والنفسي لعناصر هذه الخلية، هو تدني مستواهم التعليمي ، حيث لا يتجاوز مستواهم الدراسي السادس ابتدائي، باستثناء عنصر واحد تجاوز مستواه التعليمي الباكالوريا. وبهذا الصدد أشار حبوب الشرقاوي أنه بخصوص “بروفايل الموقوفين فإنهم يتشاركون في معطى أساسي وهو تدني مستواهم الدراسي الذي لا يتجاوز المستوى الإبتدائي بالنسبة للاشقاء الثلاثة بينما المشتبه فيه الرابع لا يتجاوز مستواه الدراسي مستوى الباكلوريا . في حين أن مستوى أعمارأعضاء الخلية ما زال صغيرا ومتقاربا حيث يتراوح بين سن “26، 30، 31، 35 سنة”. أما بالنسبة للوضعية الإجتماعية، يضيف حبوب الشرقاوي، “فإن إثنين منهم فقط متزوجان ولهما أبناء بينما تتشابه وضعيتهما المهنية في مزاولتهم لمهن وحرف متواضعة وعرضية باستثناء شخص واحد انقطع مؤخرا عن مزاولة أي نشاط مدر للدخل”.
ولعل بروفايلات عناصر هذه الخلية قد سهلت بشكل كبير التأثير في استقطابهم وشحنهم النفسي والفكري نظرا لافتقادهم أية حصانة فكرية أو مهنية أوتجربة حياتية مما سمح بسهولة تحريكهم ودفعهم إلى توثيق بيعتهم المزعومة لتنظيم “داعش” في تسجيل شريط فيديو، والتوثيق بشكل مسبق إعلان مسؤوليتهم عن المخططات الإرهابية التي كانوا يعتزمون تنفيذها في المستقبل القريب، وذلك على أساس نشر إعلان تبني المسؤولية مباشرة بعد التنفيذ المادي لتلك المشاريع الإرهابية”.
- خلية الأشقاء الثلاثة والاستقطاب الأسري
يبدو أنه من بين أكثر المفاهيم المتداولة خلال الندوة الصحفية التي نظمها المكتب المركزي للأبحاث القضائية لتسليط الضوء على تفكيك خلية حد السوالم واعتقال أعضائها، مفهوم “الاستقطاب الأسري”. فقد تكررهذا المصطلح مرارا في كلمة حبوب الشرقاوي، طيلة مراحل الندوة وكذا من خلال مداخلات وأسئلة الصحافيين. من هنا نرى أنه بخلاف عمليات تفكيك خلايا إرهابية سابقة ، حظيت عملية تفكيك خلية حد السوالم بإقليم برشيد بجهة سطات الدار البيضاء باهتمام خاص من طرف الأجهزة الأمنية نظرا لتركيبة هذه الخلية الإرهابية التي اتخذت طابعا شبه عائلي يختلف عن تركيبات باقي الخلايا التي سبق تفكيكها في مختلف أقاليم المملكة. وهكذا سلط الشرقاوي الضوء على عملية تفكيك خلية حد السوالم الإرهابية، التي أطلق عليها اسم خلية “الأشقاء الثلاثة”، معتبرا أن خطورة هذه الخلية المتطرفة لا تكمن فقط في المشاريع الإرهابية التي كانت تعتزم تنفيذها، ولا في المستوى المتقدم من التخطيط والاستعداد الذي بلغه أعضاؤها في مخططهم الإرهابي، وإنما تَكمُن الخطورة في تنامي هذا النوع من “الاستقطاب الأسري”. حيث تكمن خطورة هذا الاستقطاب في عدة عوامل من أهمها :
– تحول الاستقطاب الأسري إلى رافد من روافد التجنيد والتطرف في صفوف المرشحين للقيام بعمليات إرهابية. “فقد استطاع الأمير المزعوم لهذه الخلية الإرهابية، وهو الشقيق الأكبر، تحويل أسرته الصغيرة كحاضنة للتطرف والتجنيد والاستقطاب لفائدة مشروعه الإرهابي، مستغلا في ذلك سلطته المعنوية وقدرته على التأثير السلبي في محيطه المجتمعي القريب”.
– انزلاق أسر بأكملها في شراك التطرف الفكري وتشكيل جيوب مقاومة للأعراف والتقاليد المغربية ووحدة المجتمع والمذهب والعقيدة، وذلك “بسبب التأثير الذي يمارسه بعض أفراد الأسرة الحاملين للفكر المتطرف على محيطهم الأسري والإجتماعي”
– اختراق المناعة الأسرية ، إذ على الرغم من أن الأسرة المغربية شكلت دائما حصنا منيعا ضد الأفكار المتطرفة، ودعامة قوية للتسامح والتعايش والاعتدال، إلا أن التحقيقات المرتبطة بقضايا الإرهاب سمحت من خلال تفكيك خلية حد السوالم برصد بعض نزعات هذا “الاستقطاب الأسري” كآلية للتجنيد والتطرف السريع، تشبه”الخلية النسائية” التي تم تفكيكها بتاريخ 3 أكتوبر 2016، والتي تبين بأن جل أعضائها كانوا قد تشبعوا بالفكر “الداعشي” عن طريق التأثر بالوسط العائلي، بحكم أن معظمهن كان لهن أقارب ينشطون في صفوف “داعش”، أو أنهن سليلات عائلات سبق لأفرادها أن أدينوا، على مراحل متفرقة، في قضايا الإرهاب والتطرف.
– استشعار خطورة هذا التهديد من خلال إدراك بأن التنظيمات الإرهابية العالمية، خاصة تنظيم داعش، تسعى جاهدة لاستغلال “الاستقطاب الأسري” لخدمة مشاريعها التخريبية التي تستهدف المساس بأمن واستقرار المملكة التي تعد حلقة أساسية في الاستراتيجية الدولية والاقليمية في الحرب ضد الارهاب ، وذلك من خلال الدفع بمقاتليها في بؤر التوتر إلى تجنيد أقربائهم وأشقائهم من أجل الانخراط في أعمال إرهابية، وذلك على غرار زعيم الخلية الإرهابية التي تم تفكيكها بتاريخ 11 دجنبر 2015 والتي عرفت وقتها بخلية “الدولة الاسلامية في بلاد المغرب الإسلامي”
لكن بالإضافة إلى خطورة هذا الاستقطاب الأسري التي أصبحت تلجأ إليه التنظيمات الإرهابية ، فإن القوة التنظيمية والحركية لهذه الأخيرة أصبحت تتمثل في امتلاكها لآلية دعائية افتراضية تستطيع بها التأثير في رواد الفضاء الأزرق من الشباب وحتى الاطفال واستقطابهم .إذ تمكنت المصالح الأمنية منذ عام 2016 من توقيف أكثر من 600 متطرف من رواد منصات التواصل الاجتماعي، كانوا يخططون لتنفيذ عمليات إرهابية على نمط “الذئاب المنفردة”، وهو الأسلوب الذي يشجعه تنظيم داعش في سياق ما يسمى “حرب الاستنزاف”. فقد لاحظت المصالح الأمنية استخدام عناصر الخلايا الإرهابية للشبكات التواصلية لإنشاء تجمعات افتراضية لتبادل الخبرات وتوسيع الدعاية الإرهابية، خاصة بين القاصرين والشباب، حيث عبر العديد منهم عن استعدادهم لتنفيذ أعمال إرهابية بعد تلقي تدريب افتراضي بسيط. وفي هذا السياق أكد مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية أن الماكينة الدعائية لتنظيم “داعش” لا تتوقف، رغم اندحار التنظيم في معاقله التقليدية بافغانستان ومنطقتي سوريا والعراق ، حيث تواصل هذه الجماعات الارهابية تزويد المنابر الإعلامية التابعة لها بإصدارات تستهدف الأطفال، والشباب، والأسر، موضحا بأن العديد من الأفراد الذين التحقوا بالتنظيم استجابوا لهذه النداءات. إذ تتوفر داعش على متخصصين في فنون الصورة والتسويق، تمكنهم من نشرالأفكار المتطرفة عبر الإصدارات التي تبثها المنابر الإعلامية التابعة لداعش والتأثير على رواد المنصات الاجتماعية ، من خلال تعزيز حماستهم الجهادية وتقوية قناعتهم بمشروعية الجهاد وضرورة الالتحاق بتنظيمات متطرفة بالساحة السورية والعراقية أو بمنطقة دول الساحل التي تشكل تهديدا قائما للأمن القومي للمملكة بحكم القرب الجغرافي والحركية البشرية التي تتمثل في الهجرة السرية والتهريب.
اترك تعليقاً