منوعات

بين مجانية التعليم ومنطق “الأداء”.. قرار الماستر الجديد يضع الجامعة المغربية أمام خرق الدستور

مع انطلاق الموسم الجامعي 2025/2026، أعلنت مجموعة من الجامعات المغربية عن فتح التسجيل في أسلاك الماستر حصريا أمام الطلبة المتفرغين، في حين أُقصي الأجراء والموظفون من هذا الحق، بعدما كان بإمكانهم سابقا الاختيار بين التسجيل في الماسترات ذات التوقيت العادي المجانية شريطة الالتزام بالحضور، أو الماسترات ذات التوقيت الميسر المؤدى عنها.

وأوضحت الجامعات أن باب التسجيل سيفتح لاحقا أمام الموظفين والأجراء، لكن فقط في ماسترات “التوقيت الميسر” التي تنظم مساء أو خلال عطلة نهاية الأسبوع، على أن تكون مؤدى عنها.

وكانت بعض الجامعات قد اعتمدت في السابق مسالك ماستر للتوقيت الميسر خاصة بالموظفين والأجراء، لكن دون أن تمنعهم من التسجيل في الماسترات العادية المجانية شريطة الالتزام بالحضور. أما الآن، فلم يعد بإمكان هذه الفئة ولوج مسالك الماستر ذات التوقيت العادي المجاني.

ويرى متتبعون أن لهذا القرار انعكاسات متباينة، حيث يمنح فرصا أوسع للطلبة المتفرغين للتعليم العالي من أجل ولوج أسلاك الماستر، كما يتيح للموظفين والأجراء متابعة دراستهم في إطار يتلاءم مع التزاماتهم المهنية، عبر الماسترات المسائية أو نهاية الأسبوع. غير أن الجانب المادي يطرح إشكالا حقيقيا، إذ تصل رسوم بعض هذه الماسترات إلى 50 ألف درهم، وهو مبلغ يصعب على فئة واسعة من الموظفين والعاملين تحمله. كما أن العديد من الطلبة الذين يلجون سوق الشغل في مهن بسيطة وبأجور هزيلة قصد تمويل دراستهم، أصبحوا مهددين بالحرمان من متابعة مسارهم الأكاديمي باعتبارهم محسوبين ضمن فئة الأجراء.

يشار إلى أن طبيعة عمل عدد من الموظفين تسمح لهم بمتابعة الدراسة وفق التوقيت العادي، غير أن القرار الجديد أغلق في وجههم باب الماسترات المجانية، ما قد يحرم الجامعة المغربية من كفاءات مهنية ترغب في تطوير مسارها الأكاديمي والبحثي.

في تصريح لـ”العمق”، أوضح محمد الداودي، أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية، أن مستجدات التسجيل في الماستر لهذه السنة جاءت وفق دفتر الضوابط البيداغوجية الصادر بتاريخ 14 غشت، حيث تم اعتماد الانتقاء بدل المباراة الكتابية أو الشفوية، على أساس معايير تحددها لجنة برئاسة عميد الكلية بالاعتماد على النقط المحصل عليها في سنوات الإجازة.

وأكد الداودي أن هذا التغيير من شأنه أن يحفز الطلبة على مزيد من الاجتهاد والتحصيل طيلة سلك الإجازة لضمان فرص أكبر في ولوج الماستر. وأضاف أن النقطة الثانية تتعلق بالزمن الميسر الموجه حصرا للموظفين والأجراء، مقابل الزمن العادي المخصص للطلبة غير الموظفين، مبرزا أن التجربة ليست جديدة بل معمول بها في جامعات مثل محمد الخامس بالرباط.

وأشار إلى أن الموظفين سيستفيدون من نفس التكوين ونفس الأساتذة والمواد، لكن وفق برمجة مسائية أو خلال نهاية الأسبوع، بحكم استحالة حضورهم في أوقات العمل، على أن يكون التكوين مؤدى عنه. وفي المقابل شدد الداودي على ضرورة مراعاة الفوارق في الدخل بين الأجراء والموظفين، موضحا أنه “من غير المنطقي أن يفرض نفس المبلغ على أجير يتقاضى 3500 درهم ورئيس قسم أو مدير مركزي”.

ودعا إلى اعتماد مبدأ التدرج أو التمييز الإيجابي، مؤكدا أن تجربة الزمن الميسر أثبتت فعاليتها في عدة جامعات، لكنها تحتاج إلى آليات أكثر عدالة في تحديد المساهمات المالية.

من جانبه، اعتبر المامون حساين، موظف بالقطاع العمومي وطالب بماستر التربية الجمالية والتدبير الثقافي في الزمن الميسر بجامعة محمد الخامس، أن هذه الصيغة تمثل “فرصة مهمة لكل موظف يتطلع إلى متابعة دراسته الجامعية أو تكوينه المستمر وبناء مساره العلمي”، لكونها تتيح التوفيق بين العمل والطموح الأكاديمي، بما يعزز قدرات الموظف ويقوي فرصه في الترقية.

وأكد أن النظام المرن والمؤدى عنه يشكل رافعة حقيقية لتطوير الكفاءات، لأنه يتيح متابعة الدراسة دون التخلي عن المهام الوظيفية. وأوضح أنه شخصيا لم يكن ليستطيع إتمام مساره الأكاديمي لولا التوقيت الميسر، إذ كان من المستحيل التوفيق بين جداول حصصه المهنية والالتزام بحصص الماستر اليومية. لكنه في المقابل نبه إلى أن فرض تكاليف مالية مرتفعة سيحرم عددا كبيرا من الموظفين محدودي الدخل من هذه الفرصة، لاسيما وأن الأعباء الإضافية للنقل والكتب والمراجع تزيد من ثقل المصاريف. واعتبر أن هذا الوضع يكرس نوعا من التمييز الطبقي في الحق في التعليم العالي ويفرغ مبدأ تكافؤ الفرص من محتواه.

أما جلال العناية، موظف وفاعل نقابي وحقوقي بإقليم برشيد يتابع دراسته بسلك الماستر في التوقيت العادي بجامعة الحسن الأول، فاعتبر أن فرض الزمن الميسر على جميع الموظفين “يضرب مبدأ المجانية ويكرس منطق المتاجرة في التعليم العالي”، معتبرا أنه مساس مباشر بالحق الدستوري في متابعة الدراسة وإقصاء اجتماعي لفئات واسعة من أبناء الشعب.

وأشار إلى أن مجرد توفر الموظف على دخل لا يعني قدرته على تحمل تكاليف الدراسة المؤدى عنها، موضحا أن مصاريف التسجيل المرتفعة ستحرم فئات واسعة من أبناء الطبقة الكادحة، وهي الفئات التي كان من الممكن أن تسهم في تطوير الدولة في عدة تخصصات. ودعا في ختام تصريحه الوزارة الوصية إلى التراجع عن هذا القرار حفاظا على حق فئات عريضة من المغاربة في متابعة مسارهم الدراسي وفي التكوين المستمر.

وبين الرهانات البيداغوجية، والطموحات الأكاديمية، والهواجس الاجتماعية والحقوقية، يظل الجدل مفتوحا حول قرار الجامعات المغربية بإقصاء الموظفين من الماسترات المجانية وحصرهم في صيغ مؤدى عنها، ما يجعل التعليم العالي أمام تحد صعب بين الاستجابة لضغط الأعداد وضمان تكافؤ الفرص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *