https://al3omk.com/109720.html

بوبكري يكتب..نحن والمستقبـــــــل

تواجه بلادنا تحدِّيات ومعضلات تقتضي الحلَّ للتمكن من إحداث نقلة نوعية في مسارنا الديمقراطي والتنموي، إذ بدون ذلك سيكون من الصعب تجاوز أزمتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الراهنة… 

ويتمثل التحدِّي الأول في بناء الدولة الحديثة التي تنهض على المؤسسات وقوى المجتمع المدني المنظَّمة والمستقلة والفاعلة بعيدا عن أي شخصنة… فالمغرب يحتاج أكثر من أي وقتٍ مضى إلى بناء مؤسسات حديثة، إذ منذ بداية بناء الدولة المغربية الحديثة، لم يتم لحدِّ الآن إحراز تقدم كبير في التطوير الجوهري والفعلي للبنية المؤسسية للدولة والمجتمع في بلادنا. ومن ثمة، هناك ضرورة للإصلاح العميق للتخلُّص من الجمود والترهل الذي تعاني منه هذه المؤسسات، ما يتطلب ضخ دماءٍ جديدة ويافعة في شرايينها بما يخدم التحديث والبناء الديمقراطي والتنمية…

وبدون مؤسسات قوية وفاعلة في الدولة والمجتمع لا يمكن الحديث عن الديمقراطية، لأن ما يُسمى بالاستقرار القائم على الركود السياسي وتحنيط المجتمع وتنظيماته وشل قواه الحيّة قد أدى إلى نمو مختلف أنواع تنظيمات الإرهاب التكفيري التي تفشت في بنية المجتمع دون أن تصادف مقاومة ولا مقارعة فكرية ولا صراع سياسي حقيقي.

ويكمن التحدي الثاني في تطوير مشروع لإحداث نهضة اقتصادية تروم إقامة التوازن بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية لتحقيق تقدم اقتصادي واجتماعي، حيث تعتبر أوضاعنا الاقتصادية من أهم المعضلات التي تواجه بلادنا اليوم، لأن اقتصادنا يعاني اعتلالات عديدة تتمثل في انعدام التوازن بين الواردات العامة والنفقات العامة في ميزانية الدولة، كما أن صادراتنا السلعية لا تغطي فاتورة الوردات السلعية، ما أدى إلى عجز مزمن في الميزان التجاري. بالإضافة إلى ذلك، هناك اختلال في هيكل الأجور، وأزمة في سوق الشغل نتج عنها تراكم ضخم من العاطلين الشباب الحاصلين على شهادات عليا. وتدلُّ هذه الاختلالات على وجود أزمة أعمق في بنية اقتصادنا تشمل الإنتاج، والاستثمار، والاستهلاك، والصادرات، والبحث والتطوير… ولمواجهة هذه الاعتلالات، يلزم وضع خطة طويلة الأمد تتضمن خططا فرعية متدرجة لوضع الاقتصاد المغربي على مسار تنموي متصل ومستمر.

كما يجب الانتباه للآثار الاجتماعية لهذه السياسات عند تطويرها، لأن التركيز فقط على النمو وجلب الاستثمارات الأجنبية، دون التوزيع العادل لثمار هذا النمو بين مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية، يُعَدُّ عائقا في وجه تحقيق العدالة الاجتماعية التي تشكل العمود الفقري للاستقرار السياسي.

ويقتضي التحدي الثالث وضع خطة مدروسة توفر لقطاع الشباب شروط الاندماج في العملية السياسية والتنموية، إذ يعاني هذا القطاع من إحباط واغتراب كبيرين قد يفضيان إلى كارثة سياسية واجتماعية إذا لم يتم الشروع في العناية به عبر الاستجابة لطموحاته وتكوينه وتأطيره من خلال إصلاح نظام التربية والتعليم بما ينسجم مع روح العصر. كما يتطلب الأمر أيضا تمكينه من المشاركة الفعلية في الحياة العامة، ما قد يساهم كثيرا في الرفع من معنوياته…

تعيش أغلبية قطاع الشباب في بلادنا في ظل ظروف يطبعها الإقصاء الاجتماعي والسياسي، إذ لم تعرف بعد حياة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية سليمة، ما قد يدفعها إلى الانتفاض دون أن يكون لها أيُّ أفق سياسي واضح.

ونظرا لعدم وجود أحزاب فعلية ومُقنِعة قادرة على احتضان هؤلاء الشباب، فإنهم قد أصبحوا مهيَّئين للسقوط في حبائل تيارات فوضوية، وتبنّـي مواقف سياسية متطرفة نتيجة ضعف ثقافتهم السياسية والتنظيمية. كما أن جانبا مهما منهم يطرح شعارات تحول دونه والانخراط في مسار يمهد الطريق لبناء ديمقراطي عماده التعددية الفعلية لمباشرة بناء الدولة المغربية الحديثة…

لذلك، ينبغي التعامل مع هؤلاء الشباب بحكمة وانفتاح مراعاة لمشاعر الإحباط واليأس التي أصابتهم، وذلك بتجنب تعنيفهم، إذ من شأنهم أن يشكلوا خميرة جيدة لجيل المستقبل. كما يتطلب الأمر الإنصات إليهم، وتلبية حاجياتهم، وتأطيرهم على الحرية والمسؤولية، ما سيجعلهم يراجعون رؤاهم ومواقفهم، ويؤدي إلى اكتسابهم لتجربة وخبرة سياسيتين…

ويستلزم رفع التحدِّي الرابع محاربة أحياء الصفيح التي تطوِّق حواضرنا وتُريِّفها، والتي تضم نسبة مهمة من المغاربة الذين يعانون الفقر والتهميش والإهانة على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فتحوَّلت في السنين الأخيرة إلى لقمة سائغة وغول مخيف يسهل على جهات خارجية استقطابه وتأطيره لزعزعة الاستقرار…

وإذا كنا اليوم نُكثِرُ الحديث عن”الديمقراطية” و”المواطنة” و”العدالة الاجتماعية” في العديد من الخطابات السياسية، فإن هذه المفاهيم تكون عديمة المعنى في ظل تمايزات وفوارق صارخة في سوق الشغل، وفى ظل دخول متدنِّية وأسعار غير عادلة يتحكم فيها الريع والاحتكارات… ويقتضي جوهر هذه المفاهيم ألا تبقى نسبة مهمة من المغاربة تعاني الظلم الاجتماعي والإقصاء وتعيش ظروفا غير إنسانية من حيث تردِّي ظروف السكن والتعليم والتطبيب وانعدام المرافق الرئيسية، وعدم التمتع بحقوق المواطنة مع أنها تعيش في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)