الشعوب والحكام.. الوصال الصعب

لماذا تتعالى اليوم شكاوى الشعوب العربية من حكامها بشكل يدعو لكثير من القلق؟ أليست شعوبا تنعم بالأمن والإستقرار وهما نعمتان مغبون فيهما كثير من شعوب الأرض؟ من المسؤول عن هذا الجفاء السياسي؟ ألم يحدثنا ابن خلدون في مقدمته على أن “حقيقة السلطان من له رعية والرعية من لها سلطان” ما الذي يُغضب هذه الشعوب من حكامها ويجعلها دائمة الإحتجاج مسببة انسدادا سياسيا وسلوكا خطيرا نحو شق عصا الطاعة لولي الأمر، بل ورافضة لسياسات قادتها وتصرفاتهم في كثير من قضاياها المصيرية معلنة أنهم تافهون ولا يعملون على تحقيق مصلحة شعوبهم؟ أين يكمن الخلل في كل هذا الأمر؟ هل في طبيعة النظام السياسي، أم في الحاكم نفسه أم فيهما معاً؟ وحتى إذا افترضنا أن الأزمة لا ترتبط بزيد أو عمر من الحكام، فما طبيعة العلاقة التي من المفترض بداية أن تجمع الحاكم والمحكوم لتحقيق توازن سياسي في نظام حكم معين؟ يجيب الحكيم ابن خلدون مرة أخرى فيعتبر طبيعة السلطة السياسية تقوم على الرفق والاعتدال، لأن المُلك إذا كان قاهرا لرعيته “باطشا بالعقوبات منقبا عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم، شملهم الخوف والذل” إذن، فهل هذا الإذلال شكل من أشكال العبودية حيث الملك يسود على عبيده فيجعلهم جزءا من ممتلكاته، يؤثث بِهم مشهد ملكه؟ أم أن حقيقة الحكم أن يتحقق انسجام تتكامل فيه الأدوار بين الحاكم والمحكوم وفقا لميثاق معلوم وعقد ملزم يحفظ لكلا الطرفين دوره السياسي وشخصيته الاعتبارية؟ ولعل المفكر الفرنسي “مونتيسكيو” (1689-1755) ذهب إلى أعمق من ذلك فكان مميزا في نظرية “العقد الاجتماعي” حينما دعا إلى بناء هذا التوازن المرغوب بين ممارسة السلطة السياسية وضمان حرية المواطن؛ وهذا يقتضي، في نظره، ضرورة الفصل بين ثلاث سلط عن بعضها، السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وكلما كان هناك فصل حقيقي لهذه السلط اقتربت الدولة من تحقيق البناء الديمقراطي. لكن قلما يتحقق هذا الفصل فيتحول الصراع إلى تنافس محموم على امتلاك السلطة وتعارض دائم يبحث كل منهما عن إقصاء الآخر وتحييده حتى تميل إليه كفة التأييد، وتقام له مراسيم الولاء؟
صاحب نظرية الغاية تبرر الوسيلة يذهب إلى أوضح من ذلك فيؤكد أن “السلطة السياسية التي يمتلكها الأمير يجب أن تصدر عن قوة القانون وعن سلطة القوة، ذلك أن الحكم لا يمكن أن يستقيم إلا إذا أتقن الأمير دور الثعلب والأسد، أي سياسة الدهاء والقوة مادامت كل السبل مشروعة في تحقيق الوحدة بينهما”. إذن فما السبيل من بين كل هذه السبل إلى علاقة عضوية وحكم راشد يربط هذه الشعوب بمُلوكها وحكامها رغبة وحاجة، عوض حالة النشاز والإعراض السياسي الذي طال عقودا من الزمن على الأقل مند الانكسار التاريخي الثاني وسقوط الخلافة العثمانية وتكالب الغرب على احتلال أراضي المسلمين وتقسيم المقسم وتجزيئ المجزئ؟ وحتى إذا كانت الشعوب لم ترقى إلى أن تُساس بالديمقراطية، كما يحلو لبعض الحكام أن يقولوا، معللين ذلك بضعف تأطيرها وانتهازية نخبها السياسية، فهل يبرر ذلك للحاكم اللجوء إلى الاستبداد وفرض نظام سياسي شمولي؟ ألم يهدد بعض الحكام العرب شعبه بالقتل دون أن يرف له جفن لمجرد أنه طالب بإصلاحات سياسية؟ ألم يقل آخر “يا نحكمكم يا نقتلكم” و انقبل على الشرعية الدستورية بجرة قلم؟ ألم ينفذوا ذلك عسكريا في الميادين؟ ألم يباشر هؤلاء الحكام إبادة جماعية في حق شعوبهم حين فرقوهم إلى شيَع في مصر السيسي، وسوريا بشار، وليبيا القذافي فأثخنوا في دمائهم وارتكبوا فيهم المجازر حتى اضطرت هذه الشعوب إلى الرحيل قهرا للعيش في بلدان الجوار كلاجئين، وبالتالي كيف لهذه الشعوب أن تسكن وتستقر وتأمن مكر الحاكم وسيفه على رقبتها؟ العلامة ابن خلدون يبدع كثيرا في هذه المسألة ويعتبر أن “ظلم الأفراد بعضهم بعضاً يمكن رده بالشرع؛ أما ظلم السلطان فهو أشمل وغير مقدور على رده وهو المؤذن بالخراب”.
بالمقابل كيف لهذه الشعوب أن تشتكي من حكامها وهي من أسست عروشهم وحملتهم على أكتافها إلى القصور؟ كيف تذرف دموع الاستضعاف وتبث شكاوى القهر في كل نادي وهي من أضفت عليهم هالة لا يستحقونها وقداسة ليسوا أهلها. لقد استطاعت هذه الشعوب بتملقها وانتهازيتها وانبطاحها أحيانا على مر السنين أن تصنع ممن يتولون أمورها فراعين صغيرة كبرت مع الزمن حتى غدت قيادات صورية هجينة وغريبة عن جسم الأمة مبرمجة بشكل دقيق على الاستبداد والظلم والخيانة، لأنه أصبح جزءا من شخصيتها، لا يستقيم حالها ولا يستقر حكمها إلا من خلال السيطرة والضبط الحديدي للشعوب تخويفا وترهيبا، لا تأمنهم وطبعا لا يأمنونها، وبالتالي أصبح هذا الاستبداد آلية أساسية من أليات الحكم.
مند 17 ديسمبر 2010، حين اندلعت ثورة الحرية والكرامة في تونس الزيتونة وحتى يومنا هذا والشكاوى لم تنقطع والشعوب العربية لم يهنأ لها بال ومطالبتها بالحرية، الكرامة والعدالة الاجتماعية لم تتوقف، اللهم ما كان من كسر لجدار الخوف الذي كان شبحا مخيفا في أي حراك اجتماعي شعبي. لقد كان لثورة تونس الأثر القوي في إعادة تشكيل الوعي الجمعي وفقا للمرحلة التاريخية التي تمر منها الأمة ليس فقط لدى الشعوب، بل أيضا لدى الأنظمة السياسية الحاكمة التي كانت أمام امتحان عسير في إظهار مدى قدرتها على المناورة وبالغ حكمتها في تجاوز العاصفة. نجح البعض وخاب أكثرهم. وتبين لمن يهمهم الأمر أن لا كلمة بعد كلمة الشعوب حين تصحو من غفوتها لأنها هي القرار وهي الحسم.
لكن ما لم تَرْق إليه الشعوب حينئذ وحتى يومنا هذا، قعودها عن إعادة الكرّة نتيجة غياب تأطيرها السياسي وضعف إرادة النخب السياسية والمثقفة لديها ورغبتها في القضاء السريع على أخطبوط الفساد المتفرع والانتشاء بلحظة النصر. كما أن طرح مسألة التفكير في استحضار وضع ما بعد اليوم التالي للثورة كان من أكثر ما قسم ظهر ثورات الربيع العربي. هذا الوضع لاحظناه في مصر واليمن وتونس نفسها ما بين سنة 2011 حتى 2013.
فبهكذا أسلوب لم تتحقق ثلاثية الربيع العربي: حرية كرامة وعدالة اجتماعية بعد الثورات لأن التغيير لم يمس عمق الأنظمة الحاكمة وجوهرها GOVERNMENT SYSTEMS رغم تغيير رأس الأنظمة بسقوط الحكام ومجيئ حكام المرحلة الانتقالية وعودة الانتخابات الفلكلورية المتحكم فيها أصلا من خارج البلاد بأجندات وضغوط القوى المهيمنة في نظام دولي عالمي طبيعته الأساسية الاستكبار في الأرض. كما أن النظام لن يهنأ باله إذا ما أسست الأنظمة العربية حكما ديمقراطيا حقيقيا، فكيف بحكم إسلامي راشد. المهم في كل الأمر أن يستمر استغلال خيرات هذه البلدان والمضي في سلب هويتها وإرادتها وفقا لنظام استبدادي عالمي قاهر للدول. هذا ما أكده بشكل مباشر الكاتب الأميركي “F. Gregory Gause” في إحدى مقالاته في “Foreign Affairs” حين دعا الولايات المتحدة ألا تشجع الديمقراطية في العالم العربي لأن حلفاء واشنطن من الحكام العرب المستبدين يمثلون رهانات مستقرة وبالتالي يجب دعمهم.
في الأمس عاش الملوك قداسة لا مثيل لها، في أوربا وكذا في حضارات سابقة كبلاد الرافدين والشرق الأقصى، وعند الإغريق واليونان والحضارة المصرية. فتحولوا إلى ضلال الرب وخلفاءه في الأرض. كان وضعهم كالآلهة أيقنوا هذا الاعتقاد وتشربوه وجعلوا شعوبهم توقن به كما لو أنه عين الحقيقة. ظهر ذلك جليا في كثير من الكتابات الأدبية والشعرية ففي إسبانيا على سبيل المثال كانت الكوميديا المسرحية لكل منCALDERON DE LA BARCA كالديرون دي لاباركا، ولوبي دي فيكاLOPE DE VEGA ، وكذا تيرسو دي مولينا TIRSO DE MOLINA نهاية القرن14 وحتى القرن17 مبنية أساسا على موضوع “الشرف” حتى أن معظم الكتابات المسرحية جعلت من الشرف مسألة حياة أو موت لا يتأتى لفاقده إلا باسترداده بالدم، بمعنى تطهير شرف المرء يتأتى بسفك دم المعتدي على هذا الشرف. كان الأمر عُرفا وقاعدة مجتمعية في المخيال والسلوك الجمعي والشعبي في اسبانيا نهاية العصر الوسيط. لكن شخص الملك كان استثناء في هذه القاعدة المجتمعية بحكم قداسته التي يحملها من الإله وبالتالي لا شيء عليه ولو هتك العِرض والشرف، بل ذلك في حد ذاته شرف للضحية. لقد كانت الشعوب إمعة لا ترى العالم إلا من خلال عيون ملوكها ولا تهتدي إلا بهديهم.
عادة ما كانت شكاوى الشعوب نابعة من طغيان وجبروت الحكام، لكن بال شعوب عاشت لعقود طويلة تحت حكم استبدادي، شمولي طال لعقود حتى ألِفَه الناس وكان لهم كالأب لأبنائه، وكانوا هُم له كالحملان الوديعة الطيعة رغبة ورهبة؟ ما الذي أبقى هذه الشعوب خاضعة لقهر الحكام ولم تنتفض؟ هل كانت رغبتها في أن تحفظ أمنها واستقرارها لأنهما قاعدتان أساسيتان في حفظ البناء المجتمعي؟ أم أن حقيقة الأمن والاستقرار لا علاقة لها بالشعوب، بل المقصود أمن واستقرار الحاكم ونظام حكمه؟ أم أن هؤلاء الحكام كانوا فعلا رجالات دولة وبالتالي ميزتهم أن أمّنوا لهذه الشعوب وحدتها، عقيدتها، هويتها وشرفها وعزتها فكفاها ذلك ففضلت الاستبداد على الفوضى؟ لهذا سنسوق تجربتين سياسيتين تاريخيتين للإجابة على هذا الاستفهام:
في مصر الفرعونية عاش المصريون في نظام فرعوني طاغوتي سلطوي تجبّر حتى نازع الله في ألوهيته وربوبيته “ما علمت لكم من إله غيري” “أنا ربكم الأعلى” لكن القهر الفرعوني جعل من الثورة عليه خطيئة دينية كما أن اقتصاد مصر كان آمنا مستقرا بسبب نهر النيل الذي قال عنه المؤرخ اليوناني هيرودوت “مصر هبة النيل” وبالتالي لا مجال في ثورة شعبية على الفرعون، “فاستخف قومه فأطاعوه”. أما في عالمنا المعاصر فإن النظام الشيوعي لستالين كان استبداديا شموليا اعتمد على القسوة السياسية والضبط الحديدي لبناء المشروع الشيوعي في معظم الشعوب الخاضعة لحكم الإتحاد السوفياتي والتي كانت ترى في هذا الخضوع أحد أساليب المواجهة الأيديولوجية مع المعسكر الغربي الرأسمالي. وكان الاستقرار الاقتصادي النسبي يجعل الناس يختارون “الأمان والاستقرار مع استبداد الحكم الشمولي” عوض “الفوضى مع الحرية”.
وختاما، لا أملك أن أناقض ابن خلدون فيما ذكر بأن “الشعوب المقهورة تسوء أخلاقها” لكنني أقول بالرغم من ذلك أنها المعول عليها لتنتزع حريتها التي لن تأتي بالجلوس على الكنبة ومراقبة مرور الأحداث عبر الزمن والتعليق عليها من بعيد. لأنها مطالبة بأن تنتفض لأجل بناء نخبة سياسية جديدة لها تربية على القيم، ورجالات دولة حقيقين قادرين على بناء الحكم الراشد وفقا لمرجعيات ثقافية أصيلة، تاريخية وعقدية، وأن تتوقف عن التدوير السياسي الذي يعيد إنتاج الفساد، بنفس الفاعل السياسي المهزوم، وبنفس النظام والتركيبة الثقافية المشوهة والمنحرفة. على الشعوب أن تتوقف عن إنتاج عناصر سياسية هجينة داخل مربع الحكم تنقصها الجرأة على الفعل السياسي، تنقصها الحكمة والتجربة الميدانية، لن تعتمد على قدراتها ومؤهلاتها العلمية والأكاديمية وإن وجدت لأن حركتها في الإبداع وأخذ المبادرة محدودة جدا. على الشعوب أن تفضح وتقصي بشكل نهائي كوكبة المتنفعين، الوصوليين والانتهازيين المعاقين سياسيا، وطنيا ووجدانيا لأنهم لم تعد تربطهم أي علاقة بالوطن إلا ما يقتاتون منه خلسة، ولن يتهمموا بأمر أهله، ولن يكونوا أبدا مستعدين لبنائه، وبدل المهج في سبيله لكنهم مستعدين لبيعه لأول مشتري، وإلا سنتابع مسلسلا طويلا لحالة النشار في العلاقة بين الحكام والشعوب يُصر فيها كل منهما في إلقاء اللوم على الآخر حتى يأتي حكم الله.
اترك تعليقاً