منتدى العمق

يوم ما بعد الحرب

يوم ما بعد الحرب

عند حديثنا عن الحروب تحضرني دائما مقولة جميلة لـ “سن تزو” أحد القادة العسكريين الصينيين صاحب كتاب “فن الحرب” والذي تحدث فيه على أن “أعظم نصر هو الذي يتحقق دون قتال”، وهذا كلام فيه كثير من الحكمة، مع اعتقادي أنه لا يمكن أن ينسحب على وضع أهلنا في فلسطين وما عانوه من حرب ضروس كانت وماتزال مفتوحة على قواعد اشتباك دائمة التغيير. لكن أمام هذا الأمر أعتقد أن الحكم اليابانية القديمة المرتبطة بثقافة الساموراي سوف تفي بالغرض في هذا الشأن، حيث تقول “إذا لم تستطع النصر على خصمك فلا تجعله ينتصر عليك”. وهذا بالأساس ما نلاحظه، بل وما عايشناه لعامين ونيف من انطلاق طوفان الأقصى، فالعدو لم يحقق أهدافه، ولم يحقق النصر الذي كان يتوهم أنه في المتناول والجميل في كل هذا أن رجال الله في غزة كانت كلمتهم هي الأخيرة لتوقيف الحرب.

اليوم بدأت هذه الحرب تضع أوزارها رويداً رويداً، والحقائق تتكشف تباعا، واستبان العالم سبيل المجرمين وعُرف معدن الإجرام والتنكيل، كما عُرف أيضا معدن الخيانة والجبن السياسي للأنظمة العربية، وبقي معدن الإيمان والرجولة صامدا لعامين ونيف. ولولا هذه الحرب لما كان بالإمكان أن تزاح الغشاوة عن أعين شعوب العالم، لولا هذه الحرب المسعورة لبقيت السردية السوداء تبرح مكانها حتى اليوم. لقد عاشت منظومة القيم الغربية زلزالا حقيقيا، وهي من كانت توسم نفسها بالنموذج الحضاري الراقي وتفرضه فرضا على الشعوب. عاشت هذه المنظومة لحظة نكوس وتقهقر وشك عميق في نفوس كل الأمم، وبدأت تلوح من سماء غزة الملبد بدخان القذائف وغبار التدمير، صور جثامين وبقايا أشلاء متناثرة وهياكل أطفال هزُلت بالجوع والعطش، صور نقلتها القنوات الفضائية عبر المباشر ليطفو على الوعي الإنساني السؤال المعرفي الكبير: هل هذه هي أخلاق العالم المتحضر؟ هل هذه هي القيم والفضال التي عشنا لعقود نومن بها ونناضل من أجلها لنشهد انفراط عقدها في لمحة من البصر؟ هل هؤلاء هم من يروجون سفها بغير علم أنهم شعب الله المختار، وأنهم عاشوا المحرقة النازية حتى يكسبوا بها تعاطف العالم من حولهم، وصنعوا من خلالها لوبيات فساد عالمي كبير تمتد يده إلى أعمق مما يتصوره العالم؟ كيف يكون للغدر والحقد منبعا إن لم يكن من هؤلاء القتلة المحترفين؟ لماذا غُيبت هذه الحقيقة وبقيت مضمرة كل هذا الزمن؟ هل كان النفاق السياسي لبعض الحكام العرب وفسادهم ليطفو على سطح الأحداث ويزاح الترى على هذه الحقيقة السياسية لولا رجال الله الأشاوس وأطفال ونساء غزة الذين سطروا بدمائهم الزكية ملحمة طوفان الأقصى؟ وبالرغم من ذلك يبقى الصراع مفتوحا لم ينته بعد، بحكم طبيعته وبحكم أزليته لأنه صراع بين الحق والباطل. وما نشهده اليوم إلا مرحلة من إحدى مراحل هذا الصراع..

دعونا الآن نرمم ما تبعثر من أفكارنا التي صدمها هذا الواقع لعامين، لنعيش لحظات افتراضية مميزة نطرحها على التوالي بكل شفافية ونجيب معها على أسئلة افتراضية أيضا، ربما قد تساعدنا على فهم الواقع السياسي المغربي المرتبط بالقضية الفلسطينية، وهو بالمناسبة واقع مؤهل لكثير من التفاعلات هذه الأيام. اللحظة الافتراضية الأولى: ماذا لو أسقطت الدولة المغربية التطبيع مع الكيان الصهيوني وطردت ممثل الكيان وأغلقت مكتب الاتصال بالرباط، وأصلحنا هذا الخطأ السياسي؟ ماذا لو فعلنا كل ذلك وعقدنا صلحا مع وعينا الجمعي ومع التاريخ هل سوف نفقد أقاليمنا الجنوبية؟ اللحظة الافتراضية الثانية: هل التطبيع الذي تم بين حكومة العثماني والكيان الغاصب كان شريطة اعترافه بصحرائنا، أم أن الأمر لا علاقة له بذلك؟ اللحظة الافتراضية الثالثة: ألم يتدخل اللوبي الصهيوني بما لديه من حظوة عند الامريكان كي يعترفوا لنا بالصحراء؟ وحتى إذا اعتبرنا أن الأمريكان انطلقوا في اعترافهم من قناعة داخلية وصحوة ضمير سياسي -وهذا مستبعد جدا في عالم السياسة- فاعترفوا لنا بشيء نملكه مند قرون وقبل أن تكون أمريكا نفسها ضمن الخريطة السياسية للعالم، فلماذا انتظروا كل هذا الوقت؟ أليس هذا هدرا للزمن السياسي المغربي وهدرا لكم هائل من فرص التنمية والرقي بهذا البلد والتي كانت مرتبطة بملف الصحراء المغربية؟ اللحظة الافتراضية الرابعة: هل المغرب حينما وقّع على التطبيع مع الكيان كان ذلك يشمل كل الأصعدة أم جعله محدودا يشمل بعض القطاعات دون غيرها وبالتالي يمكننا الحديث عن تطبيع سياسي، براغماتي ذكي؟ لأن المغاربة يتفاجؤون يوميا بكم هائل من البرامج السرية التطبيعية، تتكشف فجأة فيجدونها غاية في التنسيق والخطورة تتجاوز كل الحدود، وينسحب أثرها على كل القطاعات والمؤسسات، ولا أحد من الفاعلين السياسيين سواء في الحكومة أو في المعارضة كلف نفسه عناء تناول هذا الأمر بالشرح والتحليل وكشف الحقيقة للمغاربة. اللحظة الافتراضية الخامسة: هل اعتمدت حكومتنا في هذا الأمر على قرار سيادي حكيم يراعي الاعتبارات الدينية، الثقافية والتاريخية الشديدة الحساسية لدى المغاربة، أم أنها ارتكزت فقط على مبدأ ماكيافيلي “الغاية تبرر الوسيلة”؟

ما طبيعة الضغوط الذي يتعرض لها المغرب في مسألة التطبيع مع الكيان فتلزمه فتح أبوابه على مصراعيها لفائدة الصهاينة الفارين من طوفان الأقصى، وهم الذين كانوا ضمن عناصره العسكرية ينفذون الإبادة الجماعية طوعا، حتى إذا أدركم الغرق وتيقنوا أنه البوار، حزموا أمتعتهم فارين إلى المغرب كي يأمنوا أنفسهم وأموالهم بحكم أنهم “يهود مغاربة” وربما أيضا بحكم الجنسية المغربية التي يتمتعون بها فلا حرج عليهم أن يقتلوا كما شاءوا فيعودوا إلى قواعدهم سالمين غانمين وبالتالي تصبح الحكومة المغربية واحدة من الحكومات العربية المتورطة والمشاركة بشكل منمق في الإبادة الجماعية التي لحقت بأهلنا في غزة وفي فلسطين كلها.

أيها الناس، وحتى نكون صرحاء، يجب أن يتوقف هذا الهراء السياسي، الذي يجعل أناسا مرحب بهم في بلدنا، وهم أعتى القتلة على وجه الأرض، قتلة محترفون ومطلوبون لدى العدالة الدولية بسبب الإبادة الجماعية وجرائمهم ضد الإنسانية، مدانون بجرائم حرب أبادوا فيها أكثر من 100 000,00 من الأبرياء أطفالا ونساء وصحفيين وأطباء وممرضين على المباشر ناهيك عن أكثر من 200 000,00 من الجرحى وما خفي تحت الأنقاض كان أعظم. تابع العالم كله مسلسل تدمير مدينة جميلة اسمها غزة، تابع ذلك الحقد الدفين في اليهود، وأرعبته وحشية الصهاينة لكن للأسف لم توقفها لا أعراف، ولا قوانين ولا معاهدات ولا مؤسسات دولية ولا أممية. كل تلك القيم الإنسانية الجميلة التي كان العالم يتغنى بها فسدت وانتهت صلاحيتها على وجه السرعة ولم يعد لها معنى. الكل يقر بالإبادة ويعترف بأن العالم فقد ضميره في لحظة دقيقة من التاريخ وبالتالي فإن التغيير أصاب شعوب العالم اليوم في وعيهم وإنسانيتهم وعمق ثقافتهم متأكدين بأنهم كانوا ضحية تلاعب تاريخي وبهتان سياسي مقيت، كان الصهاينة زعماءه وحكومات دول العالم آلية تنفيذه علمت ذلك أم لم تعلمه لكن شعوبها أيقنت أنها أمام رعب كبير يتهدد العالم في كل لحظة اسمه الصهيونية اليهودية.

أيها الناس، صحيح أن عالمنا اليوم لم يعد كما كان قبل السابع من أكتوبر2023 والقادم أعقد مما نتصور، لاسيما حينما تفقد الدول سيادتها على قراراتها بالكامل فتتحول إلى أشباه دول، حينئذ تقول الشعوب كلمتها. ولقد قالتها يوم خرجت إلى الشوارع لتعبر عن مساندتها للمقاومة في فلسطين وصدحت أصواتها بأسماء رموز هذه المقاومة في شوارع لندن، باريس، واشنطن، روما ومدريد وغيرها. ولم تكن الرباط عن ذلك ببعيدة، لكن ألا يمكن القطع مع النفاق السياسي البئيس الذي لا يخدم مصلحة بلد عميق في التاريخ كالمغرب، ولا يشكل بالنسبة إليه استراتيجية دبلوماسية ذكية؟ متى نجد في أنفسنا القدرة الكافية للمضي في قراراتنا السياسية الحرة ندين ونشجب ونصرح بمواقفنا وفقا لقناعاتنا السياسية المرتبطة بحضارتنا، أصولنا وقيمنا؟ فنطبّع العلاقات مع دول العالم بنفس الندية، ونقطعها دون أن يرف لنا جفن مع دولة العصابات وبالتالي نقطع الطريق أيضا على من يبحث لنفسه عن وَزَرِ، جنسية يتخفى فيها ويخفي إجرامه فينا فنكون معه سواء. لقد حان الوقت بأن يعيد المغرب ليس فقط ترتيب بيته الداخلي لتكون للشعب كلمته، وإنما أيضا إعادة قراءة التاريخ من حوله فيراجع توضعه السياسي والإستراتيجي في العالم كما كان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *