منتدى العمق

التحول البنيوي في أنماط الاحتجاج والتمثيل الاجتماعي

التحول البنيوي في أنماط الاحتجاج والتمثيل الاجتماعي

لقد أفرزت حركة “السترات الصفراء” في الفضاء العام الفرنسي مكونات من الطبقات الشعبية الوسطى، التي لم تكن معتادة على المشاركة في أشكال الاحتجاجات الاجتماعية السابقة. وقد انطلقت هذه الحركة عام 2018 في فرنسا كردّ فعل على ارتفاع أسعار الوقود وتدهور القدرة الشرائية، لكنها سرعان ما تحولت إلى حركة احتجاجية واسعة، حملت في طياتها رفضًا رمزيًا للمؤسسات السياسية القائمة وللنخب الحاكمة التي يُنظر إليها بوصفها بعيدة عن هموم وانشغالات المواطنين. كما طرحت هذه الحركة، بشكل ضمني، سؤالَ موقعِ هذه الفئات داخل النقابات، وعلى نطاق أوسع، داخل النضالات الاجتماعية المنطلقة من عالم الشغل. فالنقابات التي تضم أساسًا الفئات العمالية والأُجراء الأكثر استقرارًا، تبدو بالنسبة لفئات أخرى من الطبقات الشعبية مؤسسات بعيدة عن تطلعاتها، بل تُختزل أحيانًا في صورة “مكاتب خدمات” يُلجأ إليها فقط من أجل المطالبة ببعض الحقوق أو تسوية وضعيات إدارية مُعيّنة.

ومن هذا المنطلق، فقد أكدت الباحثة الفرنسية صوفي بيرو Sophie Béroud في كتابها: علم الاجتماع السياسي للنقابات: مقدمة في التحليل السوسيولوجي للنقابات (Sociologie politique du syndicalisme: Introduction à l’analyse sociologique des syndicats )، أن حركة “السترات الصفراء” أبرزت أزمةً عميقة في أشكال التمثيل الاجتماعي والنقابي التقليدي، إذ كشفت عن ظهور فئات من الطبقات الشعبية والوسطى الدنيا التي لم تكن معتادة على التعبئة السياسية أو النقابية، ووجدت في الشارع فضاءً بديلاً للتعبير عن مطالبها الاجتماعية والاقتصادية. هذه الحركة كشفت هشاشة الوساطة النقابية، التي أصبحت بالنسبة لكثير من العمال فضاءً إجرائيًا لتسوية النزاعات الفردية أكثر من كونها أداةً للنضال الجماعي. ومع التحولات البنيوية في طبيعة العمل وازدياد الهشاشة المهنية، واجهت النقابات تحدّي إعادة ابتكار أدواتها التنظيمية بما يسمح بإعادة بناء الفعل الجماعي وتوحيد الفئات الشعبية المتفرقة. ورغم هذا الضعف، ما تزال النقابات في فرنسا فضاءاتٍ مهمةً للتنشئة السياسية والتربية الاجتماعية، تسهم في بلورة وعي طبقي قائم على إدراك مشترك لأوضاع التفاوت الاجتماعي.

هذا التحليل يمكن إسقاطه على الحراك الاجتماعي الدي شهده المغرب في الآونة الأخيرة، حيث تعبّر احتجاجات جيل Z هي الأخرى عن تحوّلات مماثلة في علاقة الدولة بالمجتمع ووسائط التمثيل. فجيل الشباب المغربي الجديد يجد نفسه خارج القنوات التقليدية للانخراط السياسي والنقابي، بعد أن تآكلت الثقة في الأحزاب والاتحادات النقابية وانحسرت أدوارها، وصار الفضاء الرقمي هو المجال المفضل للتعبئة والنقاش والاحتجاج. إنّ هذه الاحتجاجات تعبّر عن أزمة عميقة في الوساطة الاجتماعية، وتكشف عن إرادة جديدة في استعادة الصوت الجماعي لهؤلاء الشباب خارج الأطر المؤسسية المعهودة.

وفي السياق ذاته، يُعدّ الظهور الكثيف لـ التنسيقيات النقابية والمهنية (كتنسيقيات الأساتذة والممرضين والموظفين وغيرهم) تجسيدًا مغربيًا آخر لهذه التحولات. فهي أشكال جديدة للفعل الجماعي تتسم باللامركزية والاستقلالية عن البنيات النقابية التقليدية، وتعتمد على شبكات التواصل الاجتماعي كوسيلة ذات أولوية للتعبئة. تمثل هذه التنسيقيات محاولة لإعادة بناء الفعل النقابي على أسس أكثر أفقية وشمولية، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن تشتّت الحقل النقابي وتجزئة المطالب، مما يحدّ من قدرتها على التفاوض المركزي باسم الفئات العاملة. ومع ذلك، فإنها تساهم في إعادة إحياء روح النضال الجماعي، وتُعبّر عن تحوّل بنيوي في أنماط التمثيل الاجتماعي والسياسي داخل المغرب، بحيث لم تعد العلاقة بين الدولة والمجتمع تمر عبر الوسائط التقليدية، بل عبر أشكال جديدة من التنظيم الذاتي والاحتجاج الأفقي والشبكي يقودها جيل جديد من الفاعلين الشباب إن أمكن تسميتهم كذلك.

ونشير إلى أن التحولات التي يشهدها الحراك الاجتماعي في العالم لا تقف فقط عند مساره وتطوره التاريخي أو أثره الاجتماعي، وإنما تمتد إلى فاعليته وآثاره وكذا قدرته على الدفاع عن الحقوق والمصالح الاجتماعية والاقتصادية للفئات التي تمثلها والنهوض بها.

بذلك، تُظهر هذه الحركة، مثل نظيراتها في أوروبا، أن جزءًا مهمًا من المواطنين لم يعد يجد في الأحزاب والنقابات إطارًا فاعلًا للدفاع عن مصالحه أو التعبير عن مطالبه، بل بات يميل إلى التنظيم الذاتي عبر الفضاء الافتراضي، معتمدًا على شبكات التضامن الرقمية والرمزية. وهذا ما يعكس تحوّلًا في بنية الفعل الاجتماعي، من الاحتجاج المؤطر إلى الاحتجاج الشبكي اللامركزي.

غير أن خصوصية السياق المغربي تكمن في استمرار دور الدولة كفاعل مركزي في ضبط المجال الاجتماعي والسياسي، مما يجعل الحركات الاحتجاجية غير المؤطرة تعيش توترًا دائمًا بين الرغبة في التعبير الحر والقيود القانونية والمؤسساتية التي تحكم الفضاء العام. ومن هنا، يمكن القول إن المغرب يعيش، على غرار التجارب الدولية، إعادة تشكّل تدريجية للعلاقة بين المواطن والدولة ومؤسسات الوساطة الاجتماعية.

ختاما، يمكن القول إن التحولات التي يشهدها الفعل الاحتجاجي تُنذر بمرحلة جديدة في تاريخ الوساطة الاجتماعية والسياسية. فبينما تُعبّر حركة “السترات الصفراء” والتنسيقيات المهنية واحتجاجات جيل Z عن دينامية مجتمعية حقيقية ورغبة في تجاوز القنوات التقليدية، فإنها في الوقت نفسه تكشف عن أخطار التشتت التي قد تُضعف القدرة على بناء قوة تفاوضية اقتراحية منظمة.

إن مستقبل الفعل النقابي والسياسي سيتوقف، إلى حدّ بعيد، على قدرة هذه الأشكال الجديدة من التنظيم الذاتي على الانتقال من منطق اللحظة الاحتجاجية إلى منطق البناء المؤسسي، أي تحويل الغضب الرقمي والميداني، على السواء، إلى مسارات مستدامة للمشاركة والاقتراح. كما أن الدولة مدعوة، بدورها، إلى إعادة التفكير في آليات الوساطة والحوار الاجتماعي بما يستجيب لمتغيرات الزمن الرقمي ولحاجات الجيل الجديد من الفاعلين. فإما أن يُفضي هذا التحول إلى انبثاق وسائط تمثيلية قادرة على تجديد الحياة الديمقراطية من داخلها، وإما أن يؤدي إلى مزيد من التشرذم واللامركزية الاحتجاجية، مما يكرّس هشاشة الرابط الاجتماعي ويعمّق أزمة الثقة في المؤسسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • محمد حمودان
    منذ 11 شهر

    في مثل هذه الحالة، لا يمكن أن نقارن حركة جيل زيد مع السترات تلصغراء