التعاضد المغربي بين دعم المؤسسات الدستورية وإنكار الحكومة

نظمت التعاضدية العامة للتربية الوطنية ندوة بأكادير يوم 30 أكتوبر 2025، حول موضوع “الآفاق المستقبلية للتعاضد المغربي”حضرها رؤساء التعاضديات وممثلي سلطات الوصاية وفاعلين في مجال التغطية الصحية، وناقشوا خلالها سبل تطوير العمل التعاضدي وتعزيز دوره في منظومة الحماية الاجتماعية ببلادنا.
وفي هذا السياق نود أن نقدم بعض الإضاءات حول أدوار وآفاق التعاضد المغربي، فقد ظل إصلاح نظام التغطية الصحية ورشا اجتماعيا مفتوحا منذ عقود، وبالضبط منذ خطاب صاحب الجلالة المرحوم الملك الحسن الثاني سنة 1992 بمناسبة الذكرى 32 لعيد العرش. وهو الخطاب الذي قرر فيه جلالته “وضع نظام للتأمين الإجباري على الصحة يغطي نسبة 50 بالمائة من مصاريف الأسر، ويترك الفائض لتغطية اختيارية، وسيتم تعميم هذا النظام تدريجيا على مختلف الفئات الاجتماعية، وسيرتكز على مبدأ الاستفادة من مؤسسات الاحتياط الموجودة.”. وها قد مرت 33 سنة على هذا القرار، وماتزال الأسر المغربي تتحمل ما يناهز 48.36 % من نفقات العلاج، وهي نسبة بعيدة عن المتوسط العالمي المحدد في 25 % من قبل منظمة الصحة العالمية.
وعلى إثر الخطاب المشار إليه تم إنشاء نظام التأمين الاجباري الأساسي عن المرض الذي دخل حيز التنفيذ شهر غشت 2005. وكان هذا أول نظام تأمين صحي تعتمده الدولة، بعد أن كانت التعاضديات وحدها توفر تغطية صحية لأطر وموظفي وأعوان الدولة منذ 1919. دون مساهمة، لا من القطاعات والإدارات المشغلة ولا من الدولة.
وتعاقبت مجموعة من الحكومات منذ ذلك التاريخ، وللأسف لم تستطع تحقيق الأهداف المنشودة من طرف المواطنات والمواطنين، والمتمثلة أساسا في توفير خدمة صحية عمومية في المستوى، وتوفير تغطية صحية قادرة على تخفيف تكاليف العلاج والتطبيب عن كاهل الأسر المغربية، وأخيرا تسهيل مساطر الولوج لهذه الخدمة دون تعقيد ودون معاناة.
ورغم سعي القطاع التعاضدي منذ إنشائه قبل قرن من الزمن للمساهمة الجادة والمسؤولة في النشاط الصحي للدولة، عبر توفير تغطية صحية تكميلية وتقديم خدمات طبية من خلال الوحدات الصحية والاجتماعية التابعة للتعاضديات، إلا أنه عانى وما زال يعاني من التضييق على نشاطه بشكل مباشر وغير مباشر، ويتمثل هذا التضييق أساسا في التشريعات التي تحد من مبادراته الهادفة لتطوير وتنويع خدماته. (رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي/ إحالة رقم 6/2013).
وعلى إثر إعلان جلالة الملك محمد السادس نصره الله عن فتح ورش إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية، اعتبر الفاعل التعاضدي هذا القرار فرصة لن تتكرر، سواء للحكومة أو القطاع التعاضدي، وعلى إثره بادرت التعاضديات إلى رفع مذكرة إلى رئيس الحكومة وسلطات الوصاية في شأن إشراك التعاضديات في تدبير مشروع تعميم التغطية الصحية الأساسية، وإحداث تغطية صحية تكميلية للفئات الأخرى، على غرار الموظفين.
ومع إعلان الحكومة عن تبني مشروع بناء الدولة الاجتماعية اعتقد الجميع أنها تكتسب الوعي التام والفهم الحقيقي لتوجيهات جلالته، بما يكفي لوضع مشروع إصلاح منظومة التغطية الصحية على سِكَّته الطبيعية، وأنها ستعمل على إنتاج تشريعات منصفة وعادلة في مجال تدبير منظومة الحماية الاجتماعية. خصوصا وأنها تتوفر على تشخيص دقيق لواقع المنظومة الصحية والتغطية الصحية أنجزته مؤسسات دستورية، معزز بمجموعة من التوصيات ( المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي: إحالة ذاتية رقم 1/2011، إحالة رقم 4/2013، إحالة رقم 6/2013، إحالة رقم 14/2014، إحالة ذاتية رقم 34/2018، إحالة رقم 28/2020، إحالة رقم 80/2024،…)، تقير النموذج التنموي الجديد- أبريل 2022، مجلس المنافسة: ر/4/22)، أجمعت على ضرورة تحرير المبادرة التعاضدية. وحيث إن الحكومات المتعاقبة منذ 2005، خَبَرَت تدبير التعاضديات لنظام التأمين الاجباري عن المرض في القطاع العام لمدة تزيد عن عشرين سنة. وعلى هذا الأساس كنا ننتظر أن تفوض للتعاضديات تدبير نظام التأمين الاجباري الأساسي عن المرض لجميع الفئات المشمولة، وذلك بموجب سن قانون ينص على :
- إقامة تعاقد حول الأهداف والوسائل بين الدولة وقطاع التعاضد على غرار التعاقدات المبرمة مع قطاعات أخرى.
- التأكيد على إدماج النشاط الصحي ضمن نطاق نشاط التعاضديات دون ميز وبنفس الشروط والقواعد التي تخضع لها مهنة الطب.
- الحد من عدم الانسجام والتناقضات القائمة بين مقتضيات القوانين المنظمة لنشاط التعاضديات ومقتضيات النصوص القانونية الأخرى التي تؤثر على القطاع التعاضدي.
وهذه المطالب هي توصيات دعا إليها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في أكثر من مناسبة، فيما أوصت لجنة النموذج التنموي الحكومةَ صراحة بعقد شراكات مع القطاع الخاص والجمعيات لتنفيذ البرامج الاجتماعية وتدبير مؤسسات الحماية الاجتماعية بمنطق “التفويض والتوكيل”.
لكن للأسف لم يحدث شيء من هذا، بل إن الحكومة من خلال التشريعات التي أصدرتها بهذا الخصوص، سارت ضد التيار، وكرست الواقع القائم في مجال الصحة والتغطية الصحية، بل إنها زادت الطين بلَّةً، كما يقال، ومن ذلك على سبيل المثال، الشروع في نقل اختصاصت كنوبس إلى سينسس بشكل انفرادي، ودون استشارة ولا إشراك لمختلف الفاعلين في المجال، ومن بينهم التعاضديات، وكذا تخليها كليا عن تقديم الخدمة الصحية العمومية لعموم المواطنات والمواطنين، حيث اختارت الحل ذي المنطق الربحي الصرف عوض تجويد خدمات المرافق الصحية العمومية، بتحويل المستفيدين من “الراميد” إلى “أمو تضامن”، وتوجيههم بالإكراه من القطاع الصحي العمومي إلى القطاع الصحي الخاص دون اتخاذ أي إجراء لحمايتهم من أي نوع من التعسف.
نعتقد أن كل المبررات التي تم الدفع بها، من طرف الحكومات المتعاقبة، منذ تاريخ إنشاء التأمين الاجباري الأساسي عن المرض، للتقليل من أدوار التعاضد في المجتمع، وبالخصوص تقزيم مساهماته في النشاط الصحي للدولة، وقدرته على توفير وتدبير التغطية الصحية للمغاربة، قد تم رَدُّها من طرف مؤسسات دستورية، وآن الأوان لأن يتم رد الاعتبار للتعاضديات عبر الاشراك المباشر في تنزيل وتدبير مشروع تعميم التغطية الصحية لكافة المغاربة، وتسهيل ولوجهم للعلاج بأقل تكلفة.
ورغم ما حدث، ما تزال الفرصة قائمة أمام القطاع وأمام الحكومة للتأسيس لمرحلة جديدة في مجال تدبير نظام التأمين الصحي بشقيه الأساسي والتكميلي تقطع مع أسلوب التدبير الاحتكاري القائم، وتضع حدا لمعاناة المغاربة مع المؤسسات الصحية عمومية كانت أو خاصة، ما دام مشروع القانون رقم 54.23 بتغيير وتتميم القانون رقم 65.00 والرامي إلى نقل اختصاصات الصندوق كنوبس في تدبير التأمين الاجباري الأساسي عن المرض إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ما يزال رائجا أمام البرلمان.
وبهذه المناسبة نوجه الدعوة لأعضاء البرلمان، أغلبية ومعارضة، لتوحيد جهودهم من أجل إنتاج نص قانوني منصف وعادل يجيب على انتظارات المغاربة، كل المغاربة وليس فئة واحدة منهم، ويتركوا بصمة إيجابية في مسارهم المهني بالبرلمان قبل انتهاء هذه الولاية التشريعية.
وكل إصلاح، ليس للحكومة واسع النظر.
اترك تعليقاً