منوعات

أحمد بوز: مجلس الأمن يطوي مرحلة المراوحة ويدشن عهد الواقعية في ملف الصحراء

اعتبر أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري أحمد بوز أن القرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن الدولي بشأن قضية الصحراء يشكل منعطفا حاسما في مسار هذا النزاع الذي دام أكثر من نصف قرن، مؤكدا أن المجلس الأممي انتقل من منطق إدارة الأزمة إلى منطق البحث عن حل سياسي واقعي ودائم.

وأوضح بوز في تحليله لمضامين القرار الذي تبناه مجلس الأمن بشأن دعم مقترح المغرب للحكم الذاتي بأقاليم الصحراء المغربية، أن القرار الأخير يكرس المقاربة المغربية القائمة على الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر جدية ومصداقية للتسوية النهائية، مشيرا إلى أن لغة القرار ومضامينه الدقيقة تعكس تحولا نوعيا في توازن المواقف داخل مجلس الأمن، بما يؤشر على بداية مرحلة جديدة تنهي منطق التأجيل الذي طبع هذا الملف منذ وقف إطلاق النار سنة 1991.

وأضاف أن اللافت في القرار هو تجاوزه لمنطق التمديد الروتيني لولاية بعثة المينورسو نحو رسم ملامح طريق واضح نحو تسوية سياسية قائمة على الواقعية والتوافق، إذ نص بوضوح على أن “الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل أحد أكثر الحلول واقعية”، داعيا الأطراف إلى دعم المفاوضات والمشاركة فيها بحسن نية ودون شروط مسبقة.

وشدد بوز على أن الأمم المتحدة لم تعد تتعامل مع مبادرة الحكم الذاتي كمجرد مقترح مغربي، بل كأرضية تفاوضية أساسية تتقاطع حولها المواقف الدولية الكبرى، مضيفا أن هذا القرار يستمد قوته من سياق سياسي دولي وإقليمي جديد يتسم بتغير أولويات القوى الكبرى التي باتت تميل إلى الحلول الواقعية بدل الشعارات الإيديولوجية.

وأشار بوز إلى أن دعم مجلس الأمن لخطة الحكم الذاتي لم يعد مجرد موقف دبلوماسي شكلي، بل أصبح يعكس قناعة راسخة لدى المجتمع الدولي بأن الحل الوحيد الممكن هو الذي يضمن وحدة التراب المغربي ويمنح الأقاليم الجنوبية نوعا من الإدارة الذاتية في إطار السيادة الوطنية.

وفي تحليله للغة القرار، أوضح أن إدراج مفهوم “تقرير المصير” بصيغة عامة وغير مرتبطة بالاستفتاء يمثل تحولا دلاليا مهما، إذ لم يعد المفهوم يعني الانفصال بل أصبح يندرج ضمن تصور داخلي للحكم الذاتي الموسع تحت السيادة المغربية، معتبرا أن الأمم المتحدة أعادت تعريف هذا المبدأ بما ينسجم مع الواقع السياسي الميداني.

كما أبرز بوز أن القرار يوجه رسائل واضحة إلى الجزائر من خلال دعوته جميع الأطراف إلى دعم المفاوضات والمشاركة فيها بحسن نية، وهو ما يعني أن المجلس الأممي لم يعد يقبل اعتبار الجزائر مجرد “طرف مراقب”، بل يعترف بها كطرف رئيسي في النزاع، انسجاما مع الموقف المغربي الداعي إلى حوار مباشر معها.

وأضاف أن إشارة القرار إلى استعداد الولايات المتحدة لاستضافة المفاوضات المقبلة تؤكد أن الدولة الحاملة للقلم في هذا الملف تستعد لتولي دور أكثر فعالية، في انسجام تام مع موقفها الداعم لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية منذ 2020.

ولفت بوز إلى أن القرار لم يغفل الجوانب الأمنية والإنسانية، حيث شدد على أهمية احترام وقف إطلاق النار وتجنب أي أعمال استفزازية، كما حث المانحين على تقديم دعم أكبر للاجئين الصحراويين ودعا إلى تسجيلهم رسميا، وهي إشارة واضحة إلى ضرورة إنهاء الغموض الذي يكتنف أوضاعهم في مخيمات تندوف.

وأكد أستاذ العلوم السياسية أن مجلس الأمن بدأ يعيد النظر في وظيفة بعثة المينورسو التي تأسست أساسا من أجل تنظيم الاستفتاء، مشيرا إلى أن تركيز القرار على خيار التسوية السياسية القائمة على الحكم الذاتي يمهد لإعادة تعريف دور البعثة وربط وجودها بمسار الحل السياسي وليس بمراقبة الوضع العسكري فقط.

وخلص بوز إلى أن القرار يعكس تحولا في ميزان المواقف داخل مجلس الأمن لصالح المغرب، إذ باتت القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، مقتنعة بأن استمرار الوضع الراهن لم يعد ممكنا، وأن الحل الواقعي الوحيد هو الذي يضمن الاستقرار في المنطقة ويحافظ على مصالحها الاستراتيجية في الساحل والصحراء.

وقال في ختام تحليله إن المغرب خرج من هذا القرار منتصرا دبلوماسيا بعد أن تحولت مبادرته للحكم الذاتي إلى مرجعية أممية معترف بها، بينما تجد جبهة البوليساريو نفسها أمام عزلة سياسية متزايدة وفقدان للحاضنة الدولية، في حين تواجه الجزائر صعوبة في تبرير مواقفها الجامدة أمام التحولات الإقليمية والدولية.

وأكد بوز أن القرار لا يغلق الملف بل يفتحه على مرحلة جديدة من التحديات التي تتطلب من المغرب تعزيز مكاسبه الدبلوماسية وترجمتها ميدانيا، مع الحفاظ على نهجه الواقعي في إدارة المفاوضات المقبلة التي ستحدد ملامح الحل النهائي لقضية الصحراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *