وجهة نظر

الصحراء المغربية: قراءة قانونية لإطار النزاع وفهم أبعاده

يندرج نزاع الصحراء المغربية في قلب الصراعات التي تفضح مدى التوتر بين المبادئ النظرية للقانون الدولي ومتطلبات السياسة الواقعية المعاصرة، فحين يُنظر إلى هذا النزاع من منظور مبدأ تقرير المصير ومبدأ الحكم الذاتي، يظهر جليا أن الخلاف ليس فقط على الأرض، بل هو صراع فكري بين مقاربات القانون العام ومقومات الشرعية الدولية من جهة، وبين ديناميات السلطة، والاستقرار، والاستخدام العملي للشرعية من جهة ثانية.

في الحقبة التي تلت زوال الاستعمار، كان المطلب القومي الاستقلالي هو البوابة الأوسع للشرعية العالمية، فحق تقرير المصير (External Self-Determination) بدا خيارا جذابا للعديد من حركات التحرر، وتوافق الخطاب الدولي آنذاك مع هذه المطالب، خصوصا في سياق الحرب الباردة التي كانت تقيم ثنائيات أيديولوجية وتعلي من قيم الصراع العقائدي على المصالح الواقعية.

في هذه المرحلة وُلد خطاب البوليساريو مستجيبا لنبض تلك الأزمنة، حيث كان الانسجام مع شعارات التحرر والاشتراكية يمنحها مكانة مرموقة على الساحة الدولية، لكن الزمن لا يرحم الأطر الجامدة، ومع انهيار الاتحاد السوفياتي وتهاوي المعسكر الاشتراكي تغيرت القواعد. لم يعد عالم اليوم يضع الصراع الأيديولوجي في المقدمة، بل صار الاستقرار، والتنمية، والعلاقات الجيو-اقتصادية، والقدرة على التكيف هي التي تمنح السلطة شرعيتها. في هذا التحول العميق بدا خطاب البوليساريو المتصلب عبئا ثقيلا على قابلية التفاعل مع الموازين الجديدة، لأنه ظل متمسكا بشعارات الثورة وكلمات الانفصال، في حين غادر العديد من الفاعلين الآخرين مسارات التشدد إلى مسارات التفاوض والبراغماتية.

ما بين الأمس واليوم يمكن ملاحظة أن المشروع الكردي داخل تركيا يشكل مثالا بارزا على منطق التكيف السياسي. فبعد عقود من العمل المسلح والمطالبة بـ External Self-Determination الكاملة، أدرك حزب العمال الكردستاني أن التمسك بهذه المطالب في ظل النظام الدولي الحديث محفوف بالمخاطر، فانتقل تدريجيا إلى طلب الحقوق الثقافية والحكم الذاتي (Internal Self-Determination) داخل الدولة التركية، مع احترام وحدة الأراضي والمسارات الدستورية، محققا بذلك مساحة للتعايش داخل الإطار القانوني والعملي. هذا التحول ليس تنازلا، بل دلالة على فهم أن تغيير الحدود بالقوة صار أمرا غير مقبول في القانون الدولي المعاصر، وأن الحلول التي تحافظ على الوحدة والاستقرار أقوى شرعيا.

في مقابل هذا النموذج الواقعي، بقيت جبهة البوليساريو أسيرة خطاب يقاوم التغيير. فبدلا من أن تتحول من كيان ثوري إلى فاعل سياسي عقلاني يعرض تسوية تراعي مصالح الساكنة والواقع الدولي، استمرت في التمسك بالجذور التاريخية والعقائدية، حتى وهي تحيط بها وقائع تفرض تغيير المنهج. الرسالة الثورية المكررة فقدت صداها في عالم لم يعد يعترف إلا بالمشروعات القادرة على إنتاج استقرار وتنمية، ولم يعد يلتفت إلى شعارات الانفصال التي لا تؤسس لشرعية نتيجة ملزمة في الواقع الدولي.

من منظور القانون الدولي العام، يُنظر إلى هذا النزاع أيضا من خلال قواعد عديدة، مثل مبدأ السلامة الإقليمية (Territorial Integrity)، ومبدأ عدم استخدام القوة، والشرعية القائمة على الكيان القائم. النظام الدولي الحديث يعلي من قيمة بقاء الدول، ويعتبر أن تغيير الحدود أو إقامة دول جديدة يجب أن يتم عبر آليات سلمية تفاوضية تحافظ على تماسك الكيانات القائمة، لا عبر الحروب والأحكام الأحادية. وعندما تُقيد حركات التحرر بامتناعها عن التكيف، فإنها تصبح معزولة عن مناخ الحوار الدولي، وتفقد فرصا للحلول المستدامة.

في هذا السياق، يقدم برهان غليون رؤية نظرية أساسية تفيد بأن الدولة-الأمة المعاصرة لا تُبنى على سرديات هوية منغلقة أو ترديد التاريخ فقط، بل على عقد اجتماعي يجمع بين المواطنة والمشروع القومي. كان النموذج الفرنسي الحديث من أوائل المتحدثين عن فكرة الشعب كمشروع، لا كمجموعة عرقية جامدة. الشرعية الحديثة للدولة لا تأتي من الماضي وحده، بل من القدرة على تحقيق آفاق مشتركة، وتنمية مستدامة، والاستجابة للتطلعات المعاصرة للمجتمعات. إذا ظلت البوليساريو متشبثة بالماضي وحده، فإنها تفتقد القدرة على التحول إلى فاعل سياسي يقدم رؤى قابلة للتطبيق في ظل القانون الدولي.

أما المقاربة المغربية فقد نجحت في ربط الشرعية التاريخية بالمشروعية المعاصرة. فمن جهة، يستند المغرب إلى جذور تاريخية عميقة ترسي امتداده في الصحراء عبر البيعة، والتاريخ، والمعاهدات. ومن جهة أخرى، يحرص على أن تكون سياساته متوافقة مع معايير القانون الدولي والميثاق الدولي، بما في ذلك مقترح الحكم الذاتي الذي يعد ترجمة ملموسة لمبدأ Internal Self-Determination داخل الدولة المغربية. هذا مقترح لا يلغي سيادة الدولة، بل يمنح الصحراء استقلالية موسعة في الشؤون المحلية، مع بقائها تحت السيادة المغربية، وهو تصميم يراعي الواقع الجغرافي والسكاني والتاريخي. وبهذه المقاربة يصبح المغرب فاعلا مرتكز استقرار إقليمي، موثوقا به دوليا، جمع بين صلابة الدولة وسعة الرؤية السياسية.

إن المتابع لتطور الموقف الدولي يلحظ كيف أن الدعم لمقترح الحكم الذاتي المغربي يتزايد، حيث تحولت عدة دول كبرى إلى اعتباره الأساس الأكثر واقعية وجدوى لحل النزاع. ففي الأمم المتحدة مؤخرا، تم تبني قرار يقر بأن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية قد يمثل الحل الأكثر ملاءمة للنزاع، وقد أُزيل من النص أي إشارة إلى استفتاء استقلال كبديل. هذا التحول في الخطاب الأممي ليس مجرد صياغة لغوية، بل يعكس توجها نحو تأطير النزاع في أفق مقبول دوليا، ويحول الاعتراف إلى ممارسة فعلية تدعم سلطات المغرب في الجنوب. كذلك، أجازت المحكمة الأوروبية في قرارها Front Polisario II مبدأ أن الاتفاقات التي تشمل الصحراء يجب أن تُؤخذ بموافقة الشعب الصحراوي، وشددت على أن الاستفادة الملموسة للسكان قد تحتم فرض موافقتهم، وهو ما يضع عبئا على الأطراف التي تتداول في المعاملات الاقتصادية والعقود مع المغرب في هذا الإقليم.

هذا المسار يظل محفوفا بالتحديات ولا يضمن تحقيق النجاح، إذ تواصل البوليساريو رفض الانخراط في مفاوضات تعتمد مقترحات تراها تُشرعن ما تعتبره احتلالا، متمسكة بحق تقرير المصير الذي لا تقبل المساومة عليه، وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي الذي يفرق بوضوح بين External Self-Determination كحق في الانفصال أو الاستقلال الكامل، وInternal Self-Determination كآلية لإرادة الحكم الذاتي ضمن الدولة القائمة. إن التمسك بموقف صارم مبدئي يعيق أي تقدم ويجعل من مراجعة الاستراتيجية ضرورة ملحة، كما يترك الباب مفتوحا أمام استمرار النزاعات القانونية، ويؤكد أن أي حل عملي يتطلب دمج المبادئ القانونية مع البراغماتية السياسية لمواءمة المطالب التاريخية مع الواقع الدولي المعاصر.

من الناحية العملية، تفرض التحولات السياسية والاقتصادية أن يكون خيار الحكم الذاتي (Internal Self-Determination) أكثر واقعية وقابلية للتطبيق من الاستقلال الكامل (External Self-Determination)، فالتكتلات الإقليمية والقوى الدولية تفضل الاستقرار والتعاون على مخاطر التفكك، كما أن دعم بعض الدول الكبرى للمقاربة المغربية يعزز موقعها ويمنحها زخما إضافيا. في هذا السياق، تشير عدة دول غربية إلى أن مقترح الحكم الذاتي يمثل أداة فعالة لتسوية النزاع ضمن إطار القانون الدولي والحفاظ على وحدة الدولة، مع ضمان حقوق السكان المحليين ومصالحهم التنموية.

لقد أظهرت تجربة المغرب في تأطير النزاع حول الصحراء المغربية قدرة فريدة على الجمع بين الشرعية التاريخية والواقعية السياسية، مما عزز مكانته كفاعل موثوق في النظام الدولي. ويظل دور الملك محمد السادس محوريا في هذا الإطار، إذ أسهمت القيادة الملكية في ترسيخ الثقة الدولية بالمغرب عبر سياسات ثابتة ومستقرة، بعيدا عن التقلبات الأيديولوجية التي شهدتها أنظمة أخرى. كما يبرز هذا النموذج المزدوج العمق التاريخي للبلاد وواقعية مقاربتها السياسية، مؤكدا أن المؤسسة الملكية ليست مجرد رمز للسلطة، بل عامل أساسي في الحفاظ على وحدة الوطن واستقراره، وضمان حقوق المواطنين، وتعزيز موقع المغرب على الساحة الإقليمية والدولية. ومن هذا المنطلق، يمثل المغرب نموذجا ناجحا في إدارة النزاعات، يجمع بين الثبات التاريخي والحكمة السياسية، بما يتوافق مع تطور مفهوم “الدولة الأمة” في الفكر السياسي الحديث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *