المشاريع الكبرى والحقوق الأساسية: إعادة التفكير في ترتيب الأولويات بالمغرب

يُعدّ ترتيب الأولويات في السياسات العمومية آليةً محورية لضمان توجيه الموارد والجهود نحو القضايا الأكثر إلحاحًا وتأثيرًا في المجتمع. فهو ليس مجرد عملية تقنية لتوزيع الموارد، بل ممارسة سياسية تشاركية تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والقيمية. في السياق المغربي، تكتسي هذه الآلية أهمية استثنائية مع دخول المملكة مرحلة جديدة من الانفتاح الدولي واستقبالها مشاريع كبرى، أبرزها تنظيم كأس العالم 2030، التي تفرض إعادة ترتيب الأولويات بين الاستثمار في البنى التحتية من جهة، وضمان العدالة الاجتماعية وجودة الخدمات العمومية من جهة أخرى.
يُبرز تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان لسنة 2022 أن «إعادة ترتيب الأولويات» أضحت ضرورةً لضمان فعلية الحقوق، وأن غياب مؤشرات دقيقة ومتابعة منهجية يجعل من التخطيط العمومي عملية جزئية وضعيفة الأثر. هذا ما يعزز الحاجة إلى نموذج جديد للتدبير العمومي يعتمد على تخطيط قائم على الأدلة، ويربط بين الأولويات الوطنية (مثل التنمية المستدامة، المساواة، والحقوق الاجتماعية) وبين أهداف محددة وقابلة للقياس. بذلك، يصبح ترتيب الأولويات ركيزة لتوجيه الاستثمارات الكبرى نحو تحقيق تنمية بشرية موازية للبنية التحتية، تفادياً لتفاقم الفوارق الاجتماعية أو تحويل المشاريع الوطنية إلى رموز للنمو غير المتوازن.
التعليم والصحة كأولويتين واضحتين في ضوء احتجاجات جيل »زيد» (Z)
منذ موجة الاحتجاجات التي أعقبت الربيع العربي، برزت لدى جيل Z المغربي مطالب واضحة تمحورت حول التعليم، التشغيل، والصحة، بوصفها حقوقًا أساسية تتجاوز الشعارات السياسية نحو الحاجة إلى إصلاحات ملموسة. وقد أثّرت هذه التحركات، بما فيها الاحتجاجات الرقمية، على جدول الأولويات الحكومية، إذ تمّ منذ 2021 إطلاق ورش التغطية الصحية الشاملة وإصلاح التعليم في إطار النموذج التنموي الجديد.
وفي هذا السياق ؛ تشير الوثائق الرسمية، ومنها تقرير CNDH، إلى أن هذين القطاعين أصبحا محدّدين تشريعيًا وسياسيًا باعتبارهما أولويات وطنية، إذ ينصّ القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين على التزام الدولة بضمان تكافؤ الفرص وجودة التعليم، بينما يكرّس القانون الإطار رقم 09.21 الحق في الحماية الاجتماعية. ومع ذلك، ما زالت الفجوة قائمة بين الإطار التشريعي والتنفيذ العملي؛ إذ يلاحظ ضعف التتبع وغياب المؤشرات الدقيقة لقياس مدى التقدم.
إشكالية التنفيذ والمشاركة كمحدّدين لفعلية الحقوق
رغم وضوح الأولويات في النصوص التشريعية والسياسات الحكومية، تبقى إشكالية التنفيذ أبرز عائق أمام فعلية الحقوق بالمغرب. فكما يشير تقرير CNDH (2022)، تعاني السياسات العمومية من ضعف التنسيق بين القطاعات، وغياب مؤشرات الأداء، ونقص الموارد البشرية المتخصصة. هذا الخلل يجعل من تحديد الأولويات خطوة رمزية أكثر منها عملية واقعية، ويؤدي إلى فجوة بين الخطاب السياسي والنتائج الملموسة.
تضاف إلى ذلك إشكالية المشاركة، إذ لا تزال قنوات إشراك المواطنين — خصوصًا الشباب — محدودة وضعيفة التأثير، مما يُنتج شعورًا بالعزلة عن القرار العمومي. وتؤكد النظريات الحديثة في الحوكمة أن غياب المشاركة التفاعلية يفرغ السياسات من مضمونها الديمقراطي، ويقلل من شرعية ترتيب الأولويات نفسه.
وتؤكد الأدبيات المقارنة أن نجاح ترتيب الأولويات يتطلب مشاركة المواطنين واعترافًا بتأثير العوامل السياسية في توجيه القرارات. فجيل Z، الذي يتواصل وينظم عبر الفضاء الرقمي، يُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويجعل من التعليم والصحة محورين لإعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات، شرط أن تُترجم هذه الأولويات إلى برامج تنفيذية قابلة للقياس والتقييم الدوري.
إن إشراك المواطنين في تحديد الحاجات والخيارات يمكن أن يُعيد الحيوية إلى العملية السياسية، ويجعل من البرامج الحكومية ترجمة فعلية لإرادة مجتمعية واسعة. لذلك، يظلّ التحدي الحقيقي أمام المغرب اليوم هو تحويل ترتيب الأولويات إلى آلية تنفيذية تشاركية تُدار بالأدلة والمؤشرات، وتخضع للمساءلة والتقييم، بما يضمن أن تكون المشاريع الكبرى والورش الاجتماعية الكبرى وجهين لعملة واحدة: التنمية العادلة والمواطنة الفاعلة.
اترك تعليقاً