وجهة نظر

مغالطة التطبيع مقابل اعتراف أممي بالصحراء

يروج البعض عن قصد أو عن غير قصد، عن جهل أو ربما عن علم، اصطيادا في الماء العكر، وتبخيسا لمنجزات بلادهم ومصالحها، أو عاطفة وغيرة وخوفا عليها… مغالطة مفضوحة. مفادها أن الثمن الذي دفعه المغرب، للاعتراف بمقترح الحكم الذاتي، كان هو التطبيع. ومن ثم يؤسسون لمواقف غريبة وعجيبة، خلاصتها: لامرحبا باعتراف كهذا، إن كان سيأتينا من إسرائيل أو بسببها.

بغض النظر عن دور إسرائيل في الموضوع، فإن موقفا كهذا، لايصدر إلا عن إنسان لايعرف قيمة الوطن، وقيمة الانتماء. لايعرف معنى الاستقلال، ووحدة البلاد، وخطر الانفصال والتقسيم…

إن موقفا كهذا لايصدر إلا عن إنسان مستلب، يزعم أن موقفه نابع من غيرة على البلاد، لكنه في الحقيقة، يعادي البلاد، ويقف ضد مصلحتها، علم ذلك أم جهله، قصد ذلك أم لم يقصده.

إن نفس هذا الشخص، الذي يمكن أن يعبر عن موقف كهذا، ستجده:
يبرر لقطر تحالفاتها وعلاقاتها، في سبيل حماية أرضها.
ويبرر لتركيا تحالفاتها وعلاقاتها، في سبيل حماية مصالحها.
ويبرر لسوريا كل ما تفعله الآن، في سبيل حماية وحدة أراضيها، وعدم تعريضها للتقسيم.
ويبرر لإيران ولباكستان أي موقف أو قرار أو تحالف، تتخذه، في سبيل حماية برنامجها النووي…

المشكل الوحيد، عنده مع بلده فقط، يعاكسها ويعاديها ويبخسها، ويرفض أن يتفهم ظروفها والسياق المحيط بها، وإكراهاتها ومشاكلها والضغوطات المسلطة عليها، وطموحاتها وأهدافها…
لكن هل لإسرائيل فعلا، أية علاقة بموضوع التصويت على ملف الصحراء، وهل هي التي رجحت كفة المصوتين؟

حقيقة أصابني الذهول، وأنا أقرأ هذا الربط عند الكثيرين، بل قرأته في بيانات رسمية لكيانات، تشتغل بالسياسة. لكنها مع ذلك، تستعمل لغة تحريضية شعبوية عاطفية ساذجة.

صحيح أن التطبيع مع إسرائيل (الاتفاق الثلاثي) جلب الاعتراف الأمريكي بالصحراء المغربية، ولكنه لم يجلب اعترافا أمميا، ولا هو الذي أثر في قرار مجلس الأمن.

إن الاتفاق الثلاثي، جاء في سياق انخرطت فيه دول عربية وإسلامية، في تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، قبل الحرب على غزة. وكانت بنوده بالنسبة للمغرب، اعتراف أمريكي بالصحراء، واستئناف العلاقات السياسية والديبلوماسية بين المغرب وإسرائيل، واستئناف التعاون العسكري، الذي اضطر المغرب لتدشينه مع إسرائيل سبعينات القرن الماضي، بسبب تهديد الجزائر للمغرب بأسلحة الاتحاد السوفياتي المتطورة آنذاك، والتي كادت الجزائر ومرتزقتها أن تجتاح المغرب، لولا الأسلحة الأمريكية والإسرائيلية والتمويل السعودي حينها.

ورغم علاقة المغرب القديمة مع إسرائيل، والتي يرجع السبب فيها، للعدوان الجزائري الليبي، وجلبهما لأسلحة ومرتزقة المعسكر الشرقي للحدود المغربية، وتهديدهما لأمن وسلامة المغاربة، ووحدة واستقلال المغرب. إلا أن هذه العلاقة القديمة، لم تنفع المغرب أمميا في موضوع الصحراء، مدة نصف قرن من الصراع. وقرارات مجلس الأمن، وقرارات الجمعية العامة، لا تتحكم فيها إسرائيل، ولا حتى أمريكا. ولا تأثير للتطبيع عليها. وإليك تفصيل ذلك:

أولا: لو كان التطبيع يحل مثل هذه المشاكل أمميا، لحل مشكلة الجزر الإماراتية مع إيران، ولحل مشاكل السودان مع دولة جنوب السودان حول منطقة أبيي المتنازع عليها. ولحل مشاكل مصر مع إثيوبيا، ولأقنعت إسرائيل الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، بالتصويت لصالح أذربيجان ضد أرمينيا بخصوص مشكلة إقليم كاراباخ، ولحلت للهند مشكلة كشمير مع باكستان، ولحل مجلس الأمن لإرتيريا مشاكلها مع إثيوبيا، ولحلت الأمم المتحدة لتشاد مشكلة تيبستي، مقابل تطبيعها مع إسرائيل…

كل هذه الدول مطبعة مع إسرائيل، وعندها نزاعات حدودية، وأقاليم منفصلة أو تهدد بالانفصال. ومع ذلك ليس بيد إسرائيل ولا أمريكا، إنهاء هذه المشاكل المعقدة، بالعصا السحرية. فهل يعقل أن هذه العصا اشتغلت فقط مع المغرب؟

أكثر من هذا، كيف لإسرائيل أن تؤثر في القرارات الأممية، سواء تلك الصادرة عن مجلس الأمن، أو الجمعية العامة. وهي نفسها لا تستطيع حماية نفسها من هذه القرارات، ولا تستطيع منعها أو تعطيلها. فقد صدر ضدها أكثر من 100 قرار، يدينها من طرف الجمعية العامة، وما يقارب هذا العدد من طرف مجلس الأمن. فهل إسرائيل العاجزة عن جعل المصوتين، يصوتون لصالحها، ستستطيع إقناعهم بالتصويت للمغرب، وسيسمعون لها؟ هل من يعجز عن إنقاذ نفسه في الأمم المتحدة، يمكنه أن يمنح نصرا أمميا لغيره؟

هل يقول هذا عاقل؟

ثانيا: قرارات مجلس الأمن ليست في يد إسرائيل أو أمريكا، ومجلس الأمن ليس دولة واحدة، يمكن أن تعقد معها صفقة ثنائية. ومن تابع التصويت، سيعرف كم من الأصوات كان يحتاج المغرب، وما هو المجهود الذي قام به لكسب أصوات وتحييد أخرى، وبعضها على خلاف مع إسرائيل.

إن قرارات مجلس الأمن، تمر عبر تصويت 15 عضوا، وتتطلب توافق الدول الخمس الدائمة العضوية، وإسرائيل ليست عضوا دائما ولا تملك حق الفيتو، كما أن أمريكا ليس لها أي تأثير على تصويت كثير من الدول.

إن قرار مجلس الأمن، بخصوص مشروع الحكم الذاتي المغربي، حظي بتأييد 11 دولة. فكيف لنظرية “صفقة التطبيع” أن تفسر تصويت 11 دولة لصالح القرار، بينها دول لا تربطها بإسرائيل أية علاقة، ولا تدعم سياسة إسرائيل، كسيراليون والإكوادوروكوريا الجنوبية واليابان وموزمبيق وغيانا… وبعضها تنتقد إسرائيل علانية؟

أما الدول التي لم تصوت ضدنا، فكانت ثلاثة. منها باكستان، التي بالرغم من علاقتها الفاترة بإسرائيل، فإنها لم تفكر بالانتقام منا كدولة مطبعة، وتصوت ضدنا، نكاية في إسرائيل.

كما أن الجزائر المعنية بالصراع، أكثر من البوليساريو نفسها. لم تصوت ضد القرار، نكاية في إسرائيل، وتعبيرا عن رفضها لمؤامرات إسرائيل وكولستها، لو كان فعلا الأمر كما يقول هؤلاء المصطادون في الماء العكر. ولكانت على الأقل صوتت بالرفض، ولم تمنح المغرب هذا القرار الذي يفتخر بأنه لم يعترض عليه أحد.

ثم من الذي أقنع روسيا والصين بعدم استعمال الفيتو، هل هي إسرائيل؟ أم هي الديبلوماسية والمواقف والمصالح المتبادلة مع المغرب؟

ثالثا: لقد بدأ المغرب بالاشتغال على ملف الصحراء منذ سنوات، وعرض مشروع الحكم الذاتي سنة 2007، ولم يكن حينها موضوع التطبيع مطروحا. ومنذ ذلك الحين والمغرب يمد الجسور، ويجري الصفقات، ويمهد الطريق، ويذلل الصعاب… فحظي مشروعه بدعم تدريجي متزايد، من دول عديدة، ومن مجلس الأمن عبر قراراته المتتالية، التي كانت تشيد بالمبادرة، بعد مسار أممي طويل، عرف نقاشات وتقارير ومبعوثين خاصين… وليس عن طريق قرار مفاجئ، جاء عبر “صفقة”. فقد بدأ التحول الدولي قبل اتفاقية التطبيع أواخر سنة 2020.

وخلال العقدين الأخيرين، سحبت 50 دولة اعترافها بالجمهورية الوهمية، فهل سحب هذه الاعترافات، سببه التطبيع؟

كما أن المغرب استطاع كسب عدد من الدول الأوربية، إما للاعتراف بمغربية الصحراء، أو لتأييد مشروع الحكم الذاتي، كفرنسا وبريطانيا وألمانيا وسلوفينيا وإستونيا وفنلندا والدانمارك إسبانيا… فهل يتصور عاقل أن إسرائيل هي التي اقنعت إسبانيا مثلا، من أجل الاعتراف بالصحراء؟ ونحن نعرف مواقف إسبانيا من إسرائيل.

إن سياسة المغرب الخارجية المتوازنة والمتزنة والبراغماتية، وديبلوماسيته الهادئة والواقعية، والنأي بنفسه عن الصراعات، وإمساكه عصا النزاعات من الوسط، وانفتاحه الاقتصادي واعتماده استراتيجية رابح رابح، وتحالفاته الأمنية، وتوسيعه شبكة علاقاته، وعدم خلطه الملفات والأوراق… وبالتالي فإن ما حققه المغرب في هذه الجولة، هو تراكم لاستثمار واقعه وموقعه الجيوسياسي بذكاء، واستفادة من تطورات وتحولات دولية تدريجية، عرف المغرب كيف يتموقع داخلها، ويقتنص الفرص التي أتيحت له فيها. وليس الأمر كما حاولت بعض التحليلات والمواقف تصويره أبدا.

إن هذه التحليلات والمواقف الساذجة والعاطفية والشعبوية، البعيدة عن أي قراءة جيوسياسية. والتي تحاول تبخيس أي إنجاز للمغرب، والتقليل منه. بل وقلب الطاولة عليه، وجعله مذنبا، حتى ولو بالافتراء والكذب والتدليس وقلب الحقائق ونشر الإشاعات… هو في الحقيقة يضر أصحابه، ويظهرهم في أحسن الأحوال أنهم غير مطلعين، أو غير منصفين ولا موضوعيين، حتى لانقول متآمرين.
فيمكنهم الاعتراض على التطبيع، وانتقاده وتبيان مساوئه، ويمكنهم الاعتراض على النظام، وانتقاده والكلام عن أخطائه… لكن الربط بين التطبيع وتصويت مجلس الأمن، هو مغالطة مفضوحة، وشبهة مكشوفة، وفضيحة بقوائم وقرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • غير معروف
    منذ 11 شهر

    ● "كلام في كلام" من شخص غير متزن .. متقلب لا مبدأ له ..!!! ● شخص ادعى التقوى و الطهرانية كان حسب على المعارضة ... ● فجأة هاجر إلى السويد ، ثم بدون سابق إنذار أعلن إلحاده من هناك .. !!! ● ثم ها هو الآن يمارس الوطنية المزيفة !!؟؟؟ ● فمن نصدق إذن ، الأول أم الثاني أم الثالث ؟؟؟!!