قضية الصحراء المغربية بين التطورات الدولية وسيناريو الحكم الذاتي

مقدمة
كثيرة هي الدوافع التي حملتني على اختيار العمل على هذا الموضوع لما يمثله من أهمية وطنية واستراتيجية بالغة، ولأنه يتناول واحدة من أبرز القضايا التي شغلت وما تزال تشغل بال الرأي العام الوطني والدولي، ألا وهي قضية الصحراء المغربية. فهذه القضية لم تفقد راهنتيها منذ ما يقارب نصف قرن، إذ لا يزال المجتمع الدولي عاجزًا عن إيجاد حلٍّ نهائي وشامل لها، رغم تعدد المبادرات والجهود الأممية المبذولة منذ سنة 1975.
ومن منطلق الوعي بأهمية هذه القضية في تشكيل ملامح السياسة المغربية المعاصرة، ارتأينا أن نسلّط الضوء على تطورات ملف الصحراء المغربية من خلال تتبّع أهم المحطات التاريخية والسياسية التي عرفها هذا النزاع، وصولًا إلى المرحلة الراهنة التي يتهيأ فيها مجلس الأمن الدولي لعقد اجتماع حاسم قد يرسم معالم مرحلة جديدة من التعاطي مع هذا الملف الذي عمر طويلا.
أولا: الأوضاع بالصحراء بعد الاستقلال
بعد حصول المغرب على استقلاله سنة 1956م عقب مفوضات ايكس ليبان مع فرنسا وبعد اتفاق مدريد مع الحكومة الاسبانيةـ ثم اصدار بيانان تضمنا اعتراف الدولتين الفرنسية والاسبانية باستقلال المنطقة الوسطى والشمالية على التوالي في 2 مارس و17 أبريل من سنة 1956، بعد عدة عمليات جهادية قام بها مجموعة من المناضلين المغاربة وقادة جيش التحرير، حيت تم القيام بمجموعة من العمليات الفدائية خاصة الزرقطوني والفطواكي ضمن ما كان يعرف بجمعيات الهلال الاسود والتي شكلت النواة الاولى لبداية العمل المنظم لأعضاء الحركة الوطنية.
بعد الاعلان الرسمي عن استقلال المغرب الذي كان جزئيا خاصة مع استمرار التواجد الاسباني في مدينتي(سبتة ومليلية ) وفي بعض المناطق الصحراوية قرر العديد من المناضلين مواصلة العمل الجهادي في الجنوب المغربي من أجل استكمال الوحدة الترابية، وبينما انضم العديد من أعضاء المقاومة وأعضاء جيش التحرير إلى القوات المسلحة الملكية في ظروف صعبة حيت حصل هؤلاء الضباط على رتب دنيا مقارنة مع شخصيات أخرى التي بقيت بجانب القصر وتقلدت عدة مناصب عليا مثل محمد افقير والمدبوح.
وفي أكتوبر سنة 1956 انطلق نشاط جيش التحرير بعد ربط اتصالات مع قبائل الصحراء الجنوبية حيث تطوع الكثير من أبنائها وانضموا إلى القاومة المغربية، التي لقيت دعما لوجيستيكيا من بعض القبائل الصحراوية، الشيء الذي جعل المقاومة المغربية تحقق عدة انتصارات على الجيش الفرنسي والاسباني التي انتهت بحرير أجزاء من طرفاية وواد الذهب والوصول لحدود موريتانيا.
وأمام هذا الزحف للمجاهدين المغاربة لم تجد إسبانيا معها حلا سوى اللجوء لطلب الدعم من فرنسا حيث اتحدت القوتين فيما بات يعرف بعملية إيكوفيون لتصفية أعضاء جيش التحرير بعد محاصرته في الصحراء. وفي هذا الاطار يقول الكاتب الفرنسي جورج شافار” وبدأت سلسلة من الاجتماعات بين العسكريين الفرنسيين والاسبان أسفرت عن وضع خطة أكوفيون لتطهير قوات التحرير من التراب الموريتاني، صعودا إلى خط عرض 27و40 درجة. وقد خصص الفرنسيون والاسبان لإنجاح عملية أكوفيون مائة وثلاثين طائرة مشتركة، فضلا عن 14 ألف جندي و600 شاحنة”.
من هنا يتضح أن هناك تشاور قد تم بين القوات الفرنسية والاسبانية من أجل تصفية أعضاء الحركة الوطنية والدليل في ذلك العتاد الذي استخدم في هذه العملية، واستعملت كلا الدولتين أسلحة جوية بالأساس علما أن الوطنيين كانوا يفتقدون إلى مثل هذه الأسلحة، خاصة إذا علمنا أننا في أراضي شاسعة يغلب عليها الطابع الانبساطي وعدم توفر المناضلين المغاربة لوسائل دفاعية جوية كالصواريخ والمدفعية، الشيء الذي كان له تأثير واضح على البنية العسكرية للقوات المغربية وهكذا سمحت هذه العمليات بتخريب بنية الدعم والاسناد لجيش التحرير بالصحراء المغربية.
ثانيا: بروز جبهة البوليساريو
للحديث عن الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وواد الذهب، لابد من استعراض أهم السمات الأساسية الميزة لهذه الفترة التاريخية والمتمثلة في الصراع الأمريكي السوفياتي أو ما يعرف بالحرب الباردة وحيث أن معظم الدول أصبحت تابعة إما للمعسكر الشرقي أو الغربي، وبالتالي كان تأثيره بشكل مباشر على دول العالم الثالث والمغرب العربي بصفة خاصة حيث فضلت معظم دول العالم الثالث الاتجاه الاشتراكي الثوري الداعي إلى إزاحة الأنظمة الاستبدادية.
ويبدو أن هذا الاختيار منطقيا نوعا ما، بالنظر الى المعاناة التي اشتكت منها معظم دول العالم الثالث والتي وجدت في هذا الاتجاه مرتعا للدفاع عن حقها في التعبير، وفي تقرير المصير حيث أن المغرب سيشهد بدوره بروز مجموعة من الحركات الماركسية والتي تحمل شعارا ايدولوجيا سوفياتيا هدفها تحرير الصحراء من الاستعمار الأجنبي. إذن كيف ساهمت هذه الوضعية الدولية في بروز ونشوء جبهة البوليساريو؟ وكيف تم دعمها من جهات معينة يعينها؟
لقد شكلت سنة 1973نقطة انطلاق لما يعرف اليوم بالجمهورية العربية الديمقراطية الصحراوية، ففي هذه السنة قام عدد من طلبة جامعة محمد الخامس بالرباط بتأسيس جبهة هدفها العمل على تحرير الصحراء من الاستعمار، حيت أجرى مؤسس جبهة البوليساريو مصطفى الوالي عدة لقاءات مع مسئولين مغاربة لبلورة تصورهم من جل استرجاع المناطق الصحراوية حيت تركزت المناقشات مع مجموعة من الاحزاب والسياسيين مثل علال الفاسي حيث تم التأكيد على الترابط الوثيق بين أهالي الصحراء والعرش العلوي، وعلى أن هذه المناطق جزء لا يتجزأ من التراب الوطني.
لكن توجه الغالي للجزائر حيث تم عقد المؤتمر الثاني للجبهة في غشت 1974 شكل تحولا ايدولوجيا في سياسة البوليساريو بعد عقد التحالف الليبي الجزائري وهنا تم التحول من موقف المطالبة بتحرير الصحراء مع ضمها إلى التراب الوطني والسيادة الوطنية إلى الاعلان عن وجود خصوصية تاريخية وعادات وتقاليد تميز الشعب الصحراوي وتجعله يحمل شعار الانفصال وحق تقرير المصير فكان ذلك إيدانا ببروز الأطروحة الانفصالية المناهضة للوحدة الترابية… وفي سنة 1976 تم تعيين عبد العزيز الوالي على رأس قيادة البوليساريو بعد قتل مصطفى السيد في نفس السنة ، إثر هجوم انتحاري للبوليساريو على نواكشوط بتدبير من الأمن العسكري الجزائري في عهد الرئيس هواري بومدين على إثر خلافات طرأت بينهما.
شكل المؤتمر الثالث لجبهة البوليساريو فرصة لتحديد الهيكل التنظيمي والذي ضم بالأساس وزراء الجمهورية الصحراوية ومنتخبي النواحي العسكرية،كما تم فيه أيضا تحديد الولاء المطلق للجزائر التي أصبحت تستخدم البوليساريو كورقة رابحة في السياسة الداخلية للقيادة العسكرية، ولتمرير ضربتها للمغرب ومنعه من استكمال وحدته الترابية، بالمقابل لم تبخل القيادة الجزائرية بمنح الدعم المادي والدبلوماسي لقادة البوليساريو بحيث لايمكن أن نتصور وجود لهذه الجبهة الانفصالية دون مساندة جزائرية على كل المستويات، وهو ما أكده أحد البرلمانيين الهولنديين إثر زيارته إلى المنطقة في تعبير يحمل أكثر من معنى ويلخص بطريقة إبداعية العلاقة والروابط المتينة بين الانفصاليين والجزائر” اذا أطفا الحكم الجزائري أنواره لاختفى البوليساريو إلى الأبد.
ولم يقتصر الدعم الجزائري للجبهة في مدها بالمساعدات اللوجيستيكية واحتضانها فوق ترابها وأيضا الترويج لأطروحتها الانفصالية، بل بلغ حد اختيار السلطات الجزائرية لقادة البوليساريو، وهو ما عبر عنه الامين العام الاممي بيريزدي كويلار بقوله: ” القيادة السياسية للبوليساريو بعيدة على أن تكون في المستوى، وبعض عناصرها ليسوا حتى من أصول صحراوية”.
ما يمكن أن نستشفه من هذا التصريح الأممي أن هناك مجموعة من العناصر تتحكم في دواليب الحكم رغم أنها ليست من أصول صحراوية، وهنا لا يجب إغفال الدور الليبي في تقديم السلاح إلى البوليساريو، ففي لقاء مع الوالي مصطفى في طرابلس التزم العقيد القذافي” بأنه على استعداد لمساعدة البوليساريو لكن ينبغي أن يسمح له الجزائريون بمرور الأسلحة التي سبقتها للجبهة، وبغض النظر عن المساعدات التي تلقتها الجبهة الانفصالية من الجزائر وليبيا و غيرها من الدول الافريقة ودول أمريكا اللاتينية، فان المغرب لعب بدوره الدور الاساسي لأنه لم يعط هذه القضية اي اهتمام يذكرفي فترة شهدت تجاذبات سياسية على المستوى الداخلي.
وبالعودة إلى الستينات والسبعينات نجد أن النظام الحسني اعتمد على المقاربة الأمنية كوسيلة لخلق انضباط جماعي عبر تجميد الحقوق المدنية وشل الحياة السياسية، وممارسة سياسة قمعية لكل من طالب بالحرية بجميع أنواعها، حيت أصبح المغرب في شبه عزلة عن العالم الخارجي، تتحكم فيه شخصيات حديدية مثل الدليمي وأفقير، هذه الأوضاع خلفت صورة للمغرب نمطية ارتبطت بالقمع والتسلط وخرق حقوق الإنسان بالنسبة للعالم، فكانت شرعية الوجود بالنسبة للبوليساريو تقوم على شعارات معادية للقمع والاضطهاد مما منحها مساندة دولية من قبل الرأي العام في العديد من دول العالم وخاصة من الدول المغاربية.
ومن هنا يتضح أن هذه الهفوات والأخطاء التي سادت عهد النظام الحسني في تسييره لملف الصحراء المغربية لا زال المغرب يدفع ثمنها الى يومنا هذا. إذ لم تستطع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن تقتنع بجدوى الدفاع عن عودة اللاجئين المغاربة من مخيمات تنذوف رغم الجهود المبذولة من طرف العاهل المغربي والمؤسسات الحقوقية لإقرار مبادئ حقوق الانسان والعمل بها عبر إحداث عدة لجان ومشاريع قوانين مثل ” هيئة الانصاف والمصالحة والمجلس الاستشاري لحقوق ألإنسان”. لكن الطريق لا زالت طويلة لتصحيح اخطاء الماضي قصد اقناع المجتمع الدولي بان المغرب بلد الديمقراطية وحقوق الانسان… ي
ثالثا: قيام الجمهورية الصحراوية والانضمام للمنظمة الافريقية
يُعد انضمام (الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية) إلى منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1982 من أهم المحطات الدبلوماسية في مسارها السياسي. فقد شكل ذلك الحدث اعترافا إقليميًا واسعا بشرعية الكيان الصحراوي، وكرس مكانة الجبهة كممثل شرعي للشعب الصحراوي في المحافل الإفريقية.
وقد جاء هذا الاعتراف بعد سنوات من الجهود الدبلوماسية المكثفة التي قادتها جبهة البوليساريو بمساندة عدد من الدول الإفريقية التقدمية آنذاك، وعلى رأسها الجزائر، وليبيا، وتنزانيا، ونيجيريا، وموزمبيق وزامبيا، وجنوب إفريقيا، التي اعتبرت أن القضية الصحراوية امتداد طبيعي لمسيرة التحرر الإفريقي من الاستعمار.
إلا أن انضمام الجمهورية الصحراوية إلى المنظمة أحدث أزمة سياسية حادة داخل منظمة الوحدة الإفريقية، إذ اعتبره المغرب “خرقًا لمبدأ احترام وحدة أراضي الدول الأعضاء” وانتهاكا لسيادته على الصحراء، فقرّر الانسحاب من المنظمة سنة 1984 احتجاجًا على هذا القرار، ليظل خارج الإطار القاري في إطار نهجه لسياسة الكرسي الفارغ إلى أن عاد إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، في مؤتمر أديس أبابا على عهد الملك محمد السادس، بينما ظلت الجمهورية الصحراوية عضوًا كاملاً في المنظمة القارية.
أدى انضمام الجمهورية الصحراوية إلى منظمة الوحدة الإفريقية إلى تكريس حضورها القانوني والسياسي على الساحة الدولية، وإلى اعتراف أكثر من 80 دولة بسيادتها على أراضيها خلال الثمانينيات. كما جعل القضية الصحراوية بندًا دائمًا على جدول أعمال الاتحاد الإفريقي لاحقًا، وأحد الملفات الأكثر حساسية في العلاقات المغربية-الإفريقية.
رابعا: التحول في موازين القوة لصالح المغرب
منذ وقف إطلاق النار سنة 1991، ظل المغرب يسيطر على نحو 80% من أراضي الصحراء، بما في ذلك أهم المدن والطرق والموانئ (العيون، الداخلة، السمارة). وقد ساهم الجدار الأمني المغربي، الذي يمتد لأكثر من 2700 كلم، في إحكام السيطرة على الإقليم ومنع اختراقات جبهة البوليساريو، مما منح المغرب تفوقا ميدانيا واستراتيجيا. هذا التفوق تعزز مع تحديث الجيش المغربي في السنوات الأخيرة، واعتماد استراتيجية “الدفاع الذكي” القائمة على المراقبة الجوية، واستعمال الطائرات المسيّرة (الدرون التركية)، مما جعل أي تحرك عسكري للجبهة محدود التأثير. كما أن استقرار الأوضاع الأمنية داخل الأقاليم الجنوبية سمح بتكريس “السيادة الواقعية” على الأرض، مقابل بقاء البوليساريو في وضع لجوء دائم داخل مخيمات تندوف. كما اعتمد المغرب منذ مطلع الألفية الثالثة سياسة جديدة في التعامل مع ملف الصحراء، تقوم على دمج الأقاليم الجنوبية في مسار التنمية الوطنية.
فقد أطلق المعرب سنة 2015 النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي خصص له أكثر من 77 مليار درهم، واستهدف تطوير البنية التحتية (الطرق، الموانئ، الطاقة المتجددة، التعليم، الصحة)، وجعل مدينتي العيون والداخلة قطبين اقتصاديين. هذه المشاريع الاقتصادية والاجتماعية جعلت من الصحراء فضاء جذابا للاستثمار، ووسعت قاعدة الولاء للدولة المغربية، مما عزز الشرعية الداخلية والسياسية للسيادة المغربية في نظر المجتمع الدولي.
يُعتبر التحول الدبلوماسي المغربي مع الملك محمد السادس ووزير الخارجية ناصر بوريطا، أحد أبرز العوامل التي جعلت ميزان القوة يميل لصالحه. فقد انتقل المغرب من موقع الدفاع إلى الهجوم الدبلوماسي الإيجابي، عبر استراتيجية متعددة المحاور تشمل العودة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 بعد انسحاب دام أكثر من ثلاثة عقود، وهو ما مكنه من الدفاع عن موقفه من داخل المنظمة القارية نفسها، وإقامة تحالفات مع عدد من الدول الإفريقية النافذة كإثيوبيا، نيجيريا، السنغال، والغابون، وتوسيع شبكة التحالفات الدولية، حيث تبنت العديد من الدول مواقف داعمة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي كحل وحيد وواقعي للنزاع. كما انفتح المغرب اقتصاديا على إفريقيا من خلال سياسة التعاون جنوب–جنوب، واستثمار الشركات المغربية في البنوك والطاقة والفلاحة عبر أكثر من 30 دولة إفريقية، مما منح المغرب رأسمالا دبلوماسيا واقتصاديا مؤثرا.
وقد أثمرت هذه الجهود عن فتح أكثر من 30 قنصلية إفريقية وعربية في مدينتي العيون والداخلة منذ 2019، وهو ما اعتبر اعترافا فعليا بالسيادة المغربية. كما شهدت البيئة الجيوسياسية الإقليمية تغيّرات كبرى ساهمت في ميل الكفة لصالح المغربي خاصة بعد الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء سنة 2020 إدارة الرئيس دونالد ترامب، وهو حدث مفصلي غيّر موازين الشرعية الدولية، رغم أن الأمم المتحدة ما تزال تعتبر الإقليم “منطقة غير متمتعة بالحكم الذاتي”. كما اعتبرت اسبانيا قبل ذلك الحكم الذاتي كخيار جدي وواقعي لمشكل الصحراء. بالمقابل تراجع الدور الجزائري بسبب أزماتها السياسية والاقتصادية الداخلية بعد 2019، ما قلل من قدرتها على دعم البوليساريو ماليًا ودبلوماسيًا. بالمقابل تنامي التعاون المغربي مع القوى الغربية (الولايات المتحدة، فرنسا، إسبانيا) في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة، مما أكسبه مكانة إستراتيجية مهمة في شمال إفريقيا. بالإضافة إلى تغير المواقف الأوروبية، حيث أعلنت إسبانيا في مارس 2022 دعمها العلني لمقترح الحكم الذاتي المغربي، ولحقتها ألمانيا وهولندا وبلجيكا وعدة دول أوروبية، ما شكل تحولا جذريا في مواقف القوى التقليدية التي كانت تتبنى الحياد.
طرحت المملكة المغربية سنة 2007 مبادرة الحكم الذاتي كحلّ سياسي نهائي تحت سيادتها، تمنح من خلالها الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في تدبير شؤونها المحلية، مع بقاء السيادة الخارجية (الدفاع، العملة، الخارجية) بيد الدولة المركزية. وقد حظيت هذه المبادرة بدعم متزايد من المجتمع الدولي، إذ وصفتها الأمم المتحدة بأنها “جدية وذات مصداقية”. وفي المقابل، لم تقدم البوليساريو بديلا واقعيا سوى الاستفتاء، الذي أثبتت التجارب استحالته من الناحية التقنية والسياسية. وبذلك أصبح المقترح المغربي هو الإطار الواقعي الوحيد للنقاش داخل أروقة الأمم المتحدة.
كما استثمر المغرب في الشرعية التاريخية والبيعة الشرعية التي تربط القبائل الصحراوية بالعرش العلوي منذ قرون، وأثبتت وجود روابط ولاء سياسية ودينية بين الصحراء والسلطة المركزية المغربية. كما سعى إلى ترسيخ الهوية الوطنية المشتركة عبر المؤسسات الدستورية (مجلس الجهات الصحراوية، الكفاءات المحلية، البرلمان)، مما جعل كثيرا من الصحراويين يشاركون في الحياة السياسية المغربية بفاعلية.
وفي سياق التطور الدولي المتزايد لصالح مغربية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي ، سيشهد ملف الصحراء المغربية خلال الأيام المقبلة تطورًا نوعيًا وحاسما، مع استعداد مجلس الأمن الدولي للتصويت آخر شهر أكتوبر الجاري على مشروع القرار الجديد حول قضية الصحراء المغربية. حيث أحيط مجلس الأمن علما، في هذا السياق، بالدعم الذي عبرت عنه الدول الأعضاء لمقترح المغرب الجاد وذي المصداقية والواقعي للحكم الذاتي، وأيضا بتأكيده عبر اعتباره الأساس الأكثر مصداقية لحل عادل ودائم.
كما جاء في فقره من فقرات المشروع ما يلي: “يحثّ (أي مجلس الأمن) الأطراف على الشروع في هذه المفاوضات دون تأخير أو شروط مسبقة، على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، بغية التوصل قبل انتهاء ولاية المينورسو إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الطرفين، يضمن حكماً ذاتياً حقيقياً في إطار الدولة المغربية، وهو ما أكده مجلس الأمن ليلة الجمعة 31 أكتوبر2025 حيث صوتت غالبية أعضائه لصالج المقترح المغربي المتمثل في الحكم الذاتي الذي يعد الحل الأمثل والقابل للتطبيق.
خاتمة
إن ميل ميزان القوة في قضية الصحراء المغربية لصالح المغرب كان نتيجة عدة عوامل وجهد متواصل منذ سنوات، بل ثمرة استراتيجية شمولية جمعت بين التفوق الميداني، والنجاح الدبلوماسي، والتنمية الاقتصادية، والتحولات الإقليمية، والمشروعية التاريخية. فقد تمكن المغرب من الانتقال من مرحلة “النزاع المجمد” إلى مرحلة “السيادة الواقعية المدعومة دوليا”، بينما تراجعت جبهة البوليساريو إلى وضع رمزي يعتمد على الدعم الجزائري المحدود.
ورغم استمرار الخلاف داخل الأمم المتحدة بشأن الحل النهائي، فإن المشهد العام يميل بوضوح لصالح المغرب، الذي فرض نفسه كفاعل إقليمي مستقر وموثوق، يجمع بين الواقعية السياسية والتقدم الاقتصادي، وهو ما جعله الطرف الأكثر تأثيرا في مسار التسوية المستقبلية للنزاع حول الصحراء المغربية.
المراجع المعتمدة:
حسن عبد الخالق، البوليساريو لعبة تحت المجهر، مطبعة إليت، الرباط، 1992.
بوليساريو من حركة تحرير، إلى تنظيم إرهابي، منشورات النهار المغربية، دار أبي رقراق للنشر والطباعة، 2006.
محمد الغروس، نزاع الصحراء قضايا مواقف، المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة،2011.
طاهر سعود، نزاع الصحراء الغربية بين المغرب والبوليساريو، دار الثقافة الغربية، 1998
عمرون محمد، تطور نزاع الصحراء الغربية من الانسحاب الإسباني إلى مخطط بيكر الثاني، 1975 ،2005.
اترك تعليقاً