موقف الحركة السلفية المغربية من التصوف

يعتبر التصوف في المغرب من الناحية التاريخية جزء لا يتجزأ من حياة المغاربة، حيث شمل لديهم مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل شمل حتى الجانب الثقافي والروحي.
وللتصوف جذور تاريخية قديمة في المغرب، غير أنه لم ينتشر ويشمل تأثيره جميع أطراف المغرب إلا في عهد السعديين، حيث ظهرت الزاوية الناصرية في درعة والزاوية الدرقاوية في الشمال، بالإضافة إلى الزاوية التجانية، والزواية الكتانية، وغيرها من الزاويا التي لعبت أدوارا مهمة، أسهمت في بناء الهوية الحضارية المغربية.
وقد بقيت الزوايا والطرق الصوفية تؤدي هذه الأدوار، إلى أن برزت الحركة السلفية الوطنية في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهي فترة متزامنة مع توغل المحتل الأجنبي في المغرب.
أسهمت هذه الحركة في مقاومة المستعمر الفرنسي، ظهر ذلك جليا مع الزعيم والعالم علال الفاسي، الذي كان لحركته تأثيرا في الوقوف ضد الاستعمار ومقاومته.
إن ما يميز هذه الحركة أنها حركة تجديدية، تنطلق من أصول الشريعة الإسلامية أي: الكتاب والسنة، لتنقية المفاهيم ومحاربة البدع والخرافات، الأمر الذي سينعكس سلبا على التصوف والصوفية.
وهذه بعض الأقوال تبين موقف أعلام الحركة السلفية المغربية من التصوف والصوفية:
1- أبو شعيب الدكّاليّ (1356 هـ)
قال محمد السائح عن الشيخ أبي شعيب: “فقام بنشر مبادئ الإصلاح؛ غير هياب ولا وجل، واتصل بالسلطان، وبرز للنضال، وثبت في الميدان، حتى استقرت مبادئه واستحكمت أركانها، وضعضع أرباب الزوايا، بل هدها فاستنارت بهديه العقول، وسار في ضوء معارفه عدد غير قليل من الشباب “.
2 – محمد بن العربي العلوي (1384 هـ)
قال عنه تلميذه عبد السلام عبد القادر بن سودة: ” كانت جل دروسه حاملة سيف الانتصار ضد أهل الطرق الموجودة بالمغرب وأهل الزوايا والمشعوذين الملبسين الحق بالباطل، وحمل ضد زيارة القبور، والتملق إليها، وطلب النفع منها، والالتجاء إليها، كل هذا كان لا يخلو من نقد وشتم ولعن من أصحاب الطرق، فكم نصبوا له من أفخاخ، وكم بارزوه بمكايد حتى إن بعض العلماء أفتوا بكفره وخروجه من ربقة الإسلام، كل هذا لم يؤثر في عزمه؛ لأنه يعرف نفسه أنه على الحق”.
3 – عبد الله كنون (1409 هـ).
قال رحمه الله: “فأما الطرقي فلا كلام لنا عليه، ومهما بلغ ما بلغ من العلم والفقه ودراسة الحديث، لا يمكن أن يعد من أتباع السنة أو الداعين إليها إلا إذا قلبت الحقائق وغيرت المفاهيم خصوصا إذا كان غاليا في الطرقية كما هو شأن الكثير ممن أدركناهم وعرفنا أحوالهم”.
4 – محمد المكي الناصري (1414 هـ)
قال في بيان بعض بدع الصوفية: “ومنهم جماعات اتخذوا دين الله لهوا ولعبا، فجعلوا منه القيام والرقص حالة الذكر الجهري، ظانين أن ما يفعلونه من الرقص حالة الذكر عبادة، مع أن من ظن ذلك تجب عليه التوبة؛ فإن ناظر على ذلك وقال إنه عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى يخالف الإجماع؛ فيكون عاصيا آثما”.
خلاصة القول يظهر من هذه الأقوال، أن أعلام الحركة السلفية في المغرب يرفضون التصوف، نظرا لما يوجد فيه من انحرافات عقدية وشرعية، مثل تقديس الأولياء والبناء على القبور …
إن علماء الحركة السلفية حاربوا هذه الأفكار المنحرفة بأفواههم وأقلامهم، مما ترتب عنه هذا الموقف الرافض للتصوف، والواقع أن هؤلاء لا يرفضون التصوف جملة وتفصيلا، وإنما يرفضون الأفكار التي أحدثها بعض الجهلة عليه، فهذا الإمام الحجوي – وهو أحد أعلام الحركة السلفية – وضع في كتابه الفكر السامي مبحثين حول التصوف، وبعض تراجم الصوفية، يقول رحمه الله في تعريف التصوف: “التصوف: هو العلم بتجريد القلب لله وخلوه مما سواه بمعنى تصفية النفس من رعوناتها، والقيام بالورع في الدين، وترك ما يريب إلى ما لا يريب، مع الإكثار من العبادات والذكر، وعدم الغفلة عن الله، وصون الوقت أن يذهب إلا فيما يفيد، ومحاسبة النفس على الأنفاس، ومدار المقصود منه التخلق بأخلاق الأنبياء عليهم السلام”.
ويقول أيضا: “فهو زبدة العمل بالشريعة إذا خلا عن حظوظ النفس، وهذا قديم في الإسلام وهو طريق النبي – صلى الله عليه وسلم، والعلية من أصحابه خصوصا من اشتهر منهم بالزهد كسلمان الفارسي وأبي ذر، وأبي الدرداء، وأصحاب الصفة وأمثالهم بل والخلفاء كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وبعدهم التابعون كأويس القرني سيدهم المتوفى في صفين مع علي”.
إن الحجوي لا يرفض التصوف والطرق الصوفية من حيث المبدأ، بل يعتبره هو زبدة العمل بالشريعة إذا تجرد عن حظوظ النفس الأمارة بالسوء، وإنما يرفض ما علق به من الأمور المخالفة للشريعة الإسلامية، وهو ما أكده الحجوي بقوله: “إن الطرق الصوفية تجانية أوغيرها، إنما حدثت في الإسلام لجمع قلوب المسلمين على إقامة الشريعة الغراء إقامة كاملة كافلة تطهير النفوس من الأخلاق الذميمة، وتحليتها بحلية مكارم الأخلاق ضمن دائرة العمل بالكتاب والسنة والمحافظة على أنفاس العمر ألا تضيع في سفساف الأعمال، مع التراحم والتواد بين عموم المسلمين… فكل طريقة وجدناها تخدم الاسلام بإخلاص سائرة على هذا المبدأ سيرا مستقيما فأنعم بها وأكرم، وكل طريقة حادت عن هذا المبدأ نبذناها نبذ المستقدرات وتبرأنا من عملها تبرؤ إبراهيم من أبيه. إن سيدي الوالد المقدس كان من أتباع الشيخ التجاني – رحم الله الجميع – وكان يؤكد لي أن الشيخ كان يقول لأصحابه: زنوا كلامي بميزان الكتاب والسنة، فما وافقهما فخذوه، وما خالف فانبذوه، فنحن نعمل بوصية الشيخ ونزن ما ينسبه إليه بعض الجهلة من أصحابه الذين لا يفرقون بين النبي والولي ولا بين الخالق والمخلوق بميزان الشريعة، ثم نفعل ما أمرنا به قدس الله روحه”.
إذا فالمعيار المتبع في قبول الطرق الصوفية هو وزنها بميزان الشرع، فكل طريقة قدمت خدمات للإسلام والمسلمين، وليس فيها ما يناقض الكتاب والسنة، وهدي السلف فهي محمودة، وكل طريقة جانبت هدي السلف فهي طريقة مذمومة ينبغي البراءة منها.
وهو المنهج الذي سار عليه علال الفاسي في كتابه “التصوف الإسلامي في المغرب” “حيث دحض مزاعم بعض الباحثين المسلمين وبعض المستشرقين الذين يُرجعون التصوف إلى أصول دخيلة وغير إسلامية – حسب زعمهم-، مؤكدا أن التصوف الإسلامي بالمغرب كان دائما سنيا ومُستمَدّاً من المصادر الإسلامية، كما أكد أن التصوف يمثل ذلك التوق الهائل للاتصال بالملإ الأعلى، وأنه منهجٌ من مناهج الإسلام وسُلّمٌ للنجاة معروفٌ ومسلوكٌ من النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه”.
وفي معرض الحديث عن بعض البدع التي أُلصقت بالتصوف، قال: “وإذا كانت ثمة منكرات أُدخلت على القوم، أو بدع تسربت إليهم، في حين أنها لا تتفق مع ما أرادوه لأنفسهم وللناس، فأي جماعة لم يندس فيها المبتدعون، أم أي عقيدة لم تلتصق بها طفيليات تحاول امتصاصها والقضاء عليها”.
يؤكد علال الفاسي على أن أصل التصوف كان صافيا من كل الانحرافات والبدع، التي علقت به، نتيجة عدم الاهتداء بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية، حيث قال: “خير أمتي ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم”.
خلاصة القول أن علماء الحركة السلفية المغربية لا يرفضون التصوف من حيث الجملة، وإنما يرفضون البدع والخرافات الدخيلة عليه، لأن عندهم أصل ينطلقون منه، وهو وزن الأمور بميزان الشرع، فما وافق الشريعة الإسلامية يؤخذ به، وما خالفها يترك ويطرح، بل يحذر منه.
اترك تعليقاً