منتدى العمق

المغرب في مرآة الفوارق: لماذا يسير الوطن بخطى مزدوجة؟

المغرب في مرآة الفوارق: لماذا يسير الوطن بخطى مزدوجة؟

يبدو المشهد المغربي اليوم أشبه بلوحة واسعة متناقضة الألوان، تجمع بين دينامية المدن الكبرى وإيقاعها السريع في التحديث، وبين بطء القرى والمناطق الهامشية التي ما تزال عالقة في دوامة الانتظار. هذا التفاوت في الإيقاع هو ما جعل العديد من المحللين يتحدثون عن “مغرب يسير بسرعتين”، حيث تتعايش داخل الدولة الواحدة تجربتان متناقضتان: مغرب التقدم والانفتاح والفرص، ومغرب المعاناة والهشاشة واللامساواة.

منذ مطلع الألفية الثالثة، خطا المغرب خطوات جريئة نحو التحديث الاقتصادي والاجتماعي، عبر إطلاق مشاريع كبرى في البنيات التحتية والصناعة والسياحة والطاقات المتجددة، حتى صار يُنظر إليه في إفريقيا كنموذج للاستقرار والإصلاح المتدرج. غير أن هذه الدينامية لم تُترجم بعد إلى عدالة مجالية واجتماعية تضمن توازن الاستفادة بين كل الجهات والفئات. فبينما تشهد مدن الساحل الأطلسي، من طنجة إلى أكادير، نمواً مضطرداً في الاستثمار والشغل والخدمات، لا تزال مناطق الأطلس المتوسط والريف والجنوب الشرقي تعاني من ضعف التجهيزات، وانحسار الفرص، وهشاشة الخدمات العمومية الأساسية.

هذا التباين لا يقتصر على المجال الجغرافي فحسب، بل يمتد إلى البنية الاقتصادية والاجتماعية. فهناك قطاع عصري متطور يرتبط بالاستثمارات الأجنبية والشركات متعددة الجنسيات والاقتصاد الرقمي، يقابله قطاع تقليدي يعيش على الفلاحة البسيطة والحرف اليدوية والتجارة الصغيرة. وبين القطاعين هوة واسعة في الدخل والإنتاجية والولوج إلى التمويل. ويعكس هذا الواقع المفارقة بين “اقتصاد يندمج في العولمة” و”اقتصاد يعيش على الهامش”، في بلد يسعى لتحقيق التنمية الشاملة لكنه يصطدم بواقع مزدوج البنية.

إن القول بأن المغرب يسير بسرعتين ليس تعبيراً إنشائياً، بل هو توصيف دقيق لنتائج تراكمات تاريخية. فمنذ الاستقلال، ظلت التنمية متركزة في ما يُعرف بـ”المغرب النافع” أي المناطق الساحلية والزراعية الخصبة، بينما حُرمت المناطق الجبلية والداخلية من الاستثمار الكافي في التعليم والبنية التحتية والصحة. ومع مرور الزمن، تحولت هذه الفوارق إلى فجوة حقيقية في الوعي والثقافة والفرص، حتى صار الطفل المولود في الرباط أو الدار البيضاء يملك حظوظاً مضاعفة في التعليم والشغل والحياة الكريمة مقارنة بطفل في خنيفرة أو زاكورة أو تاونات.

المدرسة المغربية نفسها تعكس هذا السير المتفاوت في السرعة. فبينما تتطور مؤسسات التعليم الخصوصي والمدارس الأجنبية في المدن الكبرى، تظل المدرسة العمومية في القرى والأحياء الهامشية تعاني من ضعف التجهيزات، وقلة الأطر، ورداءة الظروف التعليمية. هذا الخلل لا يُنتج فقط تفاوتاً في المعارف، بل يعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي جيلاً بعد جيل، ليصبح التعليم، الذي يفترض أن يكون أداة للتحرر، وسيلة لتثبيت الفوارق.

وفي المجال الصحي، تتجلى الصورة نفسها. فالمستشفيات الجامعية الحديثة والمصحات الخاصة المجهزة تتركز في محور المدن الكبرى، بينما يعيش سكان المناطق البعيدة معاناة يومية في الولوج إلى العلاج، بسبب نقص الأطر الطبية وغياب التجهيزات الأساسية وبعد المسافات. وحتى برامج الدعم الاجتماعي، رغم أهميتها، غالباً ما تُنفذ بطريقة تفتقر إلى الاستمرارية والنجاعة، فتتحول إلى حلول ظرفية لا تعالج جذور الاختلال.

ورغم كل هذه التحديات، لا يمكن إنكار الجهود الجبارة التي تبذلها الدولة منذ بداية الألفية لإعادة التوازن. فإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005 كان خطوة محورية لمحاربة الفقر والإقصاء، كما أن الجهوية المتقدمة التي نص عليها دستور 2011 شكلت محاولة لتوزيع السلطة والموارد بشكل أكثر إنصافاً. أما النموذج التنموي الجديد الذي تم اعتماده سنة 2021، فيمثل رؤية شمولية جديدة تهدف إلى إعادة بناء التعاقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع على أساس العدالة والكرامة والفرص المتكافئة.

لكن المعضلة تكمن في بطء التنفيذ وضعف التنسيق المؤسساتي. فالكثير من المشاريع تبقى رهينة المساطر الإدارية والبيروقراطية، وتضيع بين المركز والجهة والجماعة، مما يُفرغها من فعاليتها. كما أن ضعف الحكامة والرقابة يؤدي أحياناً إلى سوء توزيع الموارد أو تبديدها، فتتراكم المشاريع غير المكتملة والمناطق التي لم تستفد رغم الوعود.

الواقع أن المغرب لا يمكن أن يتقدم بخطى متوازنة إلا إذا تم الاعتراف بأن التنمية ليست مجرد أرقام في الميزانية أو مؤشرات اقتصادية، بل هي في جوهرها قضية إنصاف اجتماعي وعدالة مجالية. فالتنمية الحقيقية هي تلك التي تصل إلى القرى والمناطق البعيدة كما تصل إلى المدن، وهي التي تمنح الفرصة للمواطن العادي في التعليم والعمل والعيش الكريم دون الحاجة إلى الهجرة الداخلية نحو الحواضر.

توحيد سرعة المغرب يتطلب رؤية جديدة تجعل من العدالة المجالية مبدأً موجهاً لكل السياسات العمومية، وتربط بين المشاريع الكبرى ومشاريع القرب. كما يتطلب إصلاحاً جذرياً في التعليم باعتباره مفتاح التنمية المستدامة، إلى جانب تفعيل حقيقي للجهوية يضمن للجهات استقلالية مالية وإدارية كفيلة بتسريع وتيرة التنمية المحلية. ولا يمكن لهذا المسار أن ينجح دون إشراك المواطن في القرار المحلي ومحاسبة المسؤولين على نتائج أعمالهم لا على نواياهم.

إن المغرب الذي يسير اليوم بسرعتين لا يعيش مفارقة قدرية، بل لحظة اختبار تاريخي: إما أن يتحول هذا التعدد في الإيقاع إلى مصدر توازن وتكامل، أو أن يكرس انقساماً خفياً قد يهدد نسيجه الاجتماعي على المدى الطويل. المستقبل المغربي لن يُقاس بعدد الطرق السريعة أو الأبراج العالية، بل بقدرة كل مواطن في أقصى قرية على أن يشعر أنه جزء من هذا الوطن، وأن تقدمه ليس مجرد رقم في التقارير، بل حقيقة ملموسة في حياته اليومية.

إن الرهان اليوم هو أن يتحول المغرب من بلد بسرعتين إلى بلد بسرعة واحدة، تسير فيها كل الجهات بخطى متقاربة نحو التنمية الشاملة. فالمستقبل لا ينتظر المتباطئين، والتنمية لا تتحقق بالوعود بل بالإرادة والعدل والمحاسبة. وما بين المغرب الذي يركض في مقدمة الركب والمغرب الذي يتعثر في الخلف، تكمن مسؤولية الدولة والمجتمع معاً في بناء وطن يسير بخطى واحدة نحو الكرامة والازدهار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • Mمحمohamed ggg
    منذ 11 شهر

    تحليل جيد