أزمة زيت الزيتون المغربي ببلجيكا تفتح النقاش حول جودة المنتوج وثقة المستهلك
أثار تداول أخبار عن سحب شحنة من زيت الزيتون المغربي من الأسواق البلجيكية موجة واسعة من الجدل، أعادت إلى الواجهة التساؤلات المطروحة حول جودة المنتوج الوطني ونظام المراقبة الداخلية، كما كشفت في الوقت نفسه عن تسابق عدد من الفنانين والسياسيين وبعض المحسوبين عن الجسم الصحفي، للدفاع عن شركة “واد سوس”، في حملة تضامن أثارت بدورها تساؤلات حول خلفياتها وأبعادها.
فبعد ساعات من تداول الخبر، امتلأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بتدوينات ومنشورات عدد من الوجوه الفنية، خاصة أولئك الذين سبق لهم أن شاركوا في أعمال درامية وسينمائية كانت الشركة المذكورة من بين داعميها، حيث سارعوا إلى تمجيد منتوج “واد سوس” واتهام من أثار القضية بمحاولة “تشويه صورة المغرب بالخارج”.
وبدا لافتا أن مضمون تلك المنشورات كان متشابها إلى حد كبير، وأن الرسائل جميعها تسير في اتجاه واحد، هو الدفاع عن العلامة التجارية للشركة، دون الاستناد إلى معطيات تقنية أو علمية أو حتى وثائق رسمية.
واللافت أيضا، هو دخول منتخبين محليين وفاعلين سياسيين و”صحفيين”، على الخط، إذ عبر عدد منهم عن تضامنهم مع الشركة، واعتبروا ما جرى “استهدافا لمقاولة وطنية ناجحة”، دون تقديم أدلة تنفي ما ورد في البلاغ البلجيكي، مكتفين بنشر بلاغ توضيحي صادر عن الشركة المعنية، مصحوبا بخطاب إنشائي يحتمي بالوطنية ويتجنب الإجابة عن السؤال الجوهري المطروح: هل تم فعلا سحب شحنة من الزيت المغربي من السوق البلجيكية بسبب وجود نسب من المبيدات تفوق المسموح به؟
في المقابل، أصدرت شركة معامل الزيوت “واد سوس بلحسن” بلاغا نفت فيه ما تم تداوله، وأكدت أن جميع منتجاتها مطابقة لمعايير الجودة والسلامة، موضحة أن الواقعة تعود لسنة 2024 ولا علاقة لها بمنتجاتها، غير أن البلاغ، في نظر العديد من المتابعين، لم يغلق النقاش تماما، بالنظر إلى غياب ما يؤكد رسميا أن الشحنة المقصودة لا تخص فعلا الشركة.
وحسب المعطيات المنشورة في الموقع الإلكتروني للوكالة الفدرالية البلجيكية لسلامة السلسلة الغذائية، فإن الشحنة التي أُعيدت سنة 2024، كانت تحتوي على مستويات مرتفعة من مبيد “كلوربيريفوس”، وطلب من المستهلكين إرجاعها بسبب غياب رقم دفعة واضح يتيح تحديد مصدرها، وهو ما يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول صرامة المراقبة الداخلية، سواء في مرحلة الإنتاج أو التصدير.
الحملة التضامنية التي أطلقتها وجود فنية وسياسية، و “إعلامية” ، خاصة في أكادير، يرجح أن تأتي بنتائج عكسية، وقد تعمق شكوك جزء كبير من الرأي العام بدل أن تبددها، كما يمكن أن تعطي الانطباع بأن هناك سعيا لتلميع الصورة أكثر من توضيح الحقيقة.
فالتغني بجودة الزيت والحديث عن الغيرة الوطنية لا يمكن أن يكون بديلا عن التحقيق ولا مبررا لتبرئة أي جهة دون الرجوع إلى نتائج التحاليل المخبرية وتقارير الهيئات الرقابية المختصة.
القضية، في جوهرها، ليست فقط عن شحنة زيت أعيدت من بلجيكا، بل عن صورة المغرب كبلد مصدر لمنتجات فلاحية يفترض أن تكون خاضعة لأعلى معايير المراقبة الصحية، فعندما تصبح بيانات النفي وتدوينات المؤثرين والفنانين أدوات الدفاع الأساسية، فإن ذلك يؤكد إشكالا أعمق يتعلق بالثقة في المنظومة الرقابية والتواصلية على حد سواء.
اترك تعليقاً