وجهة نظر

اللامركزية المتقدمة والحكم الذاتي الداخلي.. رؤية مغربية موحدة لبناء دولة متقدمة

اللامركزية المتقدمة والحكم الذاتي الداخلي.. رؤية مغربية موحدة لبناء دولة متقدمة

أكد الدستور المغربي الصادر لعام 2011 أن التنظيم الترابي للمملكة يقوم على اللامركزية والجهوية المتقدمة، وهو خيار استراتيجي يعكس إصرار المغرب على بناء دولة ديمقراطية حديثة، يسودها الحق والقانون والحكامة الجيدة، في ظل القيادة المتبصرة والحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.

ويأتي مضمون الفصل الأول من الدستور على أن ” المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة على ترابها، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبمقومات هويتها الموحدة التي تنصهر فيها المكونات العربية والإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية. وعملها على صيانة ثقافاتها المتنوعة تحت رايتها وقيادتها الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس هدفها السلم والسلام لشعبها والعمل على وحدته والتزامه على العمل في بناء اتحاد مغاربي كخيار استراتيجي وتعميق أواصر الانتماء العربي الإسلامي والافريقي وتوطيد أواصر وشائج الاخوة والتضامن مع شعوب العالم الشقيق ومد اليد للتعاون المشترك بغية تحقيق التنمية الشاملة وتقوية التعاون المشترك.

وإذا نظرنا الى الجهوية المتقدمة ومشروع الحكم الذاتي الذي اقترحه الجانب المغربي لأبناء إقليم الصحراء المغربية فإننا قد نجدهما يشتركان في الهدف نفسه، وهو تفويض السلطة من المركز إلى الجهات من أجل تمكينها من إدارة شؤونها المحلية، لكن مع الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها.

حيث ترتكز الجهوية المتقدمة التي أقرها الدستور المغربي عام 2011م على أربعة مبادئ أساسية وهي:

• اللامركزية: نقل بعض الصلاحيات من الحكومة المركزية إلى الجهات.
• التنمية المحلية: إشراك الجهات في وضع وتنفيذ برامج التنمية.
• المشاركة: تعزيز دور المواطنين في تدبير شؤونهم من خلال المجالس المنتخبة.
• التضامن: تحقيق التوازن بين مختلف الجهات عبر التعاون والدعم المتبادل.

وكما يعلم الكل أن التنظيم الإداري بالمغرب يتكون من12 جهة، في كل واحدة منها واليًا يمثل السلطة المركزية، ورئيس مجلس جهوي منتخب يتولى تنفيذ البرامج التنموية. كما أن لكل جهة اختصاص ذاتي ومشترك ومنقول، وموارد مالية خاصة، بما يضمن استقلاليتها في التسيير اليومي لسكانها.

لهذا يمكننا اعتبار مقترح الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية المغربية هو مقترح واقعي وعملي سبق للمملكة المغربية وأن جسدته فعليا وعمليا على أرض الواقع من خلال فكرة اللامركزية المتقدمة التي قررها الدستور المغربي لعام2011م. اللهم بعض الاختلافات الشكلية فقط.

حيث أن المغرب وبرغبة والتزام منه بالعمل على إيجاد حل سياسي نهائي بكل عزم وإخلاص للنزاع المصطنع بوحدته الترابية وعزمه بتكفله بكافة أبنائه الصحراويين سواء المتواجدين في الداخل أو في الخارج بعيدا عن أي تمييز أو اقصاء، قدم وبشكل رسمي نص مشروع مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية مرفوق برسالة رسمية بعد توجهات جلالة الملك سبط النبي محمد ﷺ بتاريخ الأربعاء 11 ابريل 2007م للأمين العام للأمم المتحدة، “حفاظا على أبنائه الصحراويين وامتثالا وقدوة بجده النبي ﷺ، أما الأرض ومغربية الصحراء فلا نقاش وغبار عليها”. يقترح من خلالها وحسب الفقرة الخامسة ” تولي سكان الصحراء وبشكل ديمقراطي، تدبير شؤونهم بأنفسهم من خلال هيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية تتمتع باختصاصات حصرية” مع احتفاظ الدولة المغربية حسب الفقرة السادسة ” باختصاصاتها في ميادين السيادة، لاسيما الدفاع والعلاقات الخارجية والامن الوطني والاختصاصات الدستورية والدينية لجلالة الملك أمير المؤمنين” هذا الاقتراح أو المشروع المغربي الذي أصبح واقع وخيارا استراتيجيا هاما لا رجعة فيه يستمد شرعيته وضوابطه من معايير ومقترحات معمول بها أصلا داخل الأمم المتحدة ومن الاحكام الدستورية المعمول بها في الدول القريبة من المغرب جغرافيا وثقافيا. حيث يخول حسب الفقرة 12 من نص المبادرة أبناء المغرب سكان الأقاليم الصحراوية صلاحيات واسعة لإدارة شؤونهم المحلية في مجالات كالتعليم، والصحة، والنقل، والتنمية الاقتصادية والبنيات التحتية، والثقافة، والشرطة المحلية ومحاكم الجهة، مع منحهم موارد ومخصصات مالية سواء من عائدات وممتلكات الجهة أو الجهات المغربية الأخرى، لأنه مغرب موحد هدفه التنمية الشاملة والوحدة المغربية حسب اليوم التاريخي وعيد الوحدة الذي اطلقه جلالته الكريم يوم 31 أكتوبر من كل عام ، مع إمكانية إقامة علاقات ثقافية واقتصادية دولية في إطار السيادة المغربية، دون أي تمثيل دبلوماسي مستقل. مع احتفاظ الدولة وحسب الفقرة 14 من النص على صلاحياتها الحصرية في مقومات السيادة والمقومات المرتبطة بالاختصاصات الدستورية والدينية لصاحب الجلالة نصره الله بصفته أمير المؤمنين والضامن لحرية ممارسة الشعائر الدينية والحريات الفردية والجماعية لكل المغاربة، وكذلك مجالات السياسة الخارجية، والدفاع، والأمن الوطني، والوحدة الترابية والنظام القضائي والدستوري.

كما ينص المقترح من خلال الفقرة 19 على إنشاء مجلس إقليمي مصغر منتخب من طرف مختلف القبائل الصحراوية وكذا من أعضاء منتخبين بالاقتراع العام المباشر من طرف سكان الجهة يمارس سلطته التشريعية و التنفيذية ، إضافة إلى محكمة عليا إقليمية تشتغل ضمن احترام الدستور المغربي. ويضمن المشروع مشاركة المواطنين في الحياة السياسية، مع الحفاظ على الهوية الثقافية واللغوية للأقاليم. والتشديد على أن وحدة المملكة المغربية وثوابتها غير قابلة للتجزئة، وأن أي نظام للحكم الذاتي أو الجهوية لا يمكن أن يخرج عن السيادة الوطنية وشعارها الخالد: “الله، الوطن، الملك”.

حقيقة يجب ذكرها أن الجهوية المتقدمة والحكم الذاتي الداخلي الذي أقره المغرب على أقاليمه الصحراوية يمثلان ركيزتين أساسيتين متساوتان لهما نفس الهدف في المشروع المغربي لبناء دولة قوية ومتوازنة موحدة، تُعطي لكل جهة حقها في التنمية والتدبير، دون المساس بوحدة الوطن وثوابته. وهو نموذج فريد يجمع بين الحداثة السياسية والوفاء، ويؤكد الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله في ترسيخ دولة المؤسسات والعدالة والتنمية الشاملة. كما أنهما وجهين لمشروع وطني متكامل يهدف إلى تحقيق التنمية، وترسيخ الديمقراطية، وتعزيز الوحدة الوطنية. وهما نموذج مغربي يترجمان رؤية جلالته في بناء مغرب متماسك، متضامن، وديمقراطي، يسوده الأمن والاستقرار، وتُصان فيه السيادة الوطنية على كامل التراب المغربي.

لذلك فإن المرحلة والأشهر القادمة تتطلب منا نحن كل المغاربة واخواننا في الصحراء تجاوز المصالح الفردية الضيقة، والعمل بروح الجماعة والمواطنة الفعالة فالحكم الذاتي ليس غنيمة توزع، بل هو مشروع وطني جماعي يتطلب تعاون جميع المكونات سواء منها الدولة، والمجتمع المدني، والشباب، والقبائل، والنخب الفكرية والاقتصادية، ومد اليد والمصالحة الصادقة كما عهدناها في هيئة المصالحة التي أقرها جلالته منذ اعتلاء العرش المجيد، مع التركيز على وحدة المملكة المغربية وموروتها الثقافي والاسري والديني شعاره الله الوطن الملك، وذلك من خلال الخروج بنصوص وقرارات موحدة هدفها المساهمة في تنميته اقتصادية وتنموية مستدامة لا تعطيلها وبناء مغرب موحد . من خلال نشر الوعي الثقافي وخلق شعور بالمسئولية الجماعية اتجاه مستقبل المنطقة والابتعاد عن التجاوزات والمصالح الفردية الضيقة وبناء الثقة وحب الوطن الصادق لأنه لن يكتمل أي نجاح ووحدة وطنية إلا بترسيخ حب الوطن في قلوب الكل، حتى الصحراويين العائدين من تندوف. عبر سياسات إدماج موفقة، وإشراك فعلي في القرار المحلي، وإبراز ثمار التنمية المحلية على أرض الواقع. فحين يشعر المواطن الصحراوي أنه جزء فاعل ومؤثر في بناء وطنه، حتما سوف تزول كل الولاءات الوهمية الخداعة، ويصبح الدفاع عن الوحدة الترابية المغربية قناعة نابعة من الداخل لا مفروضة من الخارج.

وأخيرا لما لا النظر وشكل جدي على تغليب اللامركزية الإدارية المتقدمة التي أقرها دستور2011م دون الدخول بحيثيات البرلمان والحكومة المصغرة التي يقرها الحكم الذاتي، بحيث تنقل بعض السلطات والمهام من الإدارة المركزية إلى الهيئات أو المؤسسات المحلية بشكل فعلي مع المحاسبة، مع تمكينها من اتخاذ قراراتها بشكل مستقل ضمن نطاق مسؤولياتها. الهدف منها تقريب السلطة وتنمية المنطقة والمواطن وتحسين جودة الخدمات العمومية للجهة حتى يتم تلافي الثغرات والمصالح الضيقة للأفراد والمجموعات، مما يمكن أن يخلق عراقيل، حقيقة المغرب وكل فرد منه في غنى عنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *