بيناھو يهاجم ولد الرشيد: استبعاد واد نون من الحكم الذاتي تطاول خطير على اختصاصات الدولة والملك
اعتبر الدكتور بوجمعة بيناهو، الخبير في العلوم السياسية والمهتم بقضايا الصحراء، أن التصريح الذي أدلى به حمدي ولد الرشيد، رئيس جهة العيون الساقية الحمراء، بخصوص إخراج منطقة واد نون من حسابات الحكم الذاتي، هو تصريح “خطير وغير مسؤول”.
وتساءل بيناهو في حديث خص به جريدة “العمق”، عما إذا كان هذا الموقف يعبر عن وجهة نظر الدولة، موضحا أن الجهة الوحيدة المخولة بالإجابة عن هذا السؤال هي الشخص الذي أدلى بالتصريح. وأشار إلى أن هذا الكلام يأتي في لحظة فارقة، مباشرة بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي وصف مقترح الحكم الذاتي بالخيار الواقعي، وبعد الخطاب الملكي التاريخي الذي تلاه، والذي أقر يوم 31 أكتوبر عيدا للوحدة الوطنية، وهي مرحلة كانت تستدعي حسب المصدر ذاته، الانتشاء بهذا الانتصار وبناء مستقبل ينبني على الوحدة.
وأكد بيناهو أن التصريح غير موفق وجاء في لحظة حرجة، معتبرا أنه في حال كان هذا بالفعل موقف الدولة، فليس رئيس جهة العيون هو من يدلي به، خاصة وأن جلالة الملك قد بعث مبعوثين من القصر الملكي، وهم مستشاروه، لعقد لقاءات مع الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، حيث تشتغل الدولة في أعلى مستوياتها على تحيين المذكرة التفصيلية للحكم الذاتي، وبالتالي لا يمكن أن تكون المعطيات الدقيقة متوفرة لدى طرف معين.
وشدد المحلل السياسي على أن رئيس جهة العيون الساقية الحمراء قد تجاوز صلاحياته ومستواه كرئيس جهة، وكان عليه أن يحترم المؤسسة الملكية ومؤسسات الدولة الرسمية التي لها الصلاحية في إعطاء مثل هذه المواقف، لأن هذا التصريح، وفقا للمصدر، لا يزيد إلا تشتيتا وتجزئة. وانتقد بيناهو منطق التصريح الذي يصف جهة كلميم واد نون بأنها أرض مغربية، متسائلا عن توصيف باقي الأراضي الأخرى كجهتي العيون والداخلة، واصفا إياه بغير الموفق حتى في جانبه المتعلق بالأطراف الأخرى، حيث اعتبر حديثه عن عودة البوليساريو وأهليتهم تجاوزا لصلاحياته كرئيس جهة.
وأوضح المتحدث ذاته أن هذا التصريح يدخل في صلب النزاع، لأن المنطقة التي كان عليها الصراع تاريخيا تمتد من طاح إلى الكويرة، مؤكدا أن النخب الوحدوية والمغربية تعتبر هذا التقسيم استعماريا جاء في لحظات معينة. وأضاف أن خيار الحكم الذاتي هو خيار دولة ذات سيادة على كامل ترابها الوطني، ويمكن لجلالة الملك ومؤسسات الدولة إذا ارتأت ذلك أن تطبقه في جميع جهات المغرب كخيار فيدرالي.
وخلص بيناهو إلى أنه من الممكن أن يطرح المغرب خيار تطبيق الحكم الذاتي من جهة كلميم واد نون شمالا إلى جهة الداخلة وادي الذهب، لتكون جهة الصحراء الكبرى، وذلك بحكم وجود ارتباطات إثنية وهوياتية بين القبائل والمكونات التي تعيش في مختلف مناطق الصحراء، محذرا من أن الاقتصار على جهتي العيون والداخلة فقط سيطرح إشكالا لأنه يضرب هذا المشترك الهوياتي والإثني الذي يربط بين المكونات الحسانية والأمازيغية في المنطقة.
وكان سيدي حمدي ولد الرشيد، رئيس جهة العيون الساقية الحمراء، قد أكد على أن جهة كلميم واد نون لا تدخل ضمن النفوذ الترابي لمقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب كحل للنزاع المفتعل حول الصحراء، واصفا إياها بأنها أرض مغربية خارج المنطقة المتنازع عليها.
وأوضح ولد الرشيد، في معرض رده على سؤال خلال مقابلة صحفية، أن المنطقة التي يشملها المقترح محددة جغرافيا، وتبدأ من منطقة الطاح، وهي النقطة الحدودية التي توقفت عندها المسيرة الخضراء وكانت خاضعة للمستعمر الإسباني.
وأشار رئيس جهة العيون إلى أنه على الرغم من وجود روابط اجتماعية وثقافية وهوية مشتركة بين سكان جهة كلميم وباقي جهات الصحراء، إلا أن المنطقة تبقى خارج سياق المقترح من الناحية السياسية والقانونية. وتابع قائلا إن المصير الاجتماعي مشترك والنسيج المجتمعي واحد، ولا شيء يفصل بين مكونات المجتمع في هذه الجهات، وأن مصيرهم مرتبط ببعضهم البعض.
واستبعد ولد الرشيد إمكانية تعميم نموذج الحكم الذاتي على باقي جهات المملكة، مؤكدا أن المغرب قطع أشواطا كبيرة في تجربة الجهوية المتقدمة الرائدة، التي انطلقت كفكرة منذ عام 1997 في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وشهدت تطورا كبيرا منذ عام 2015. واعتبر أن مسار الجهوية المتقدمة هو مصير المملكة في التدبير الترابي.
تعليقات الزوار
حين يختلط الرأي بالمؤسسة وتغيب الحقيقة بين العاطفة والاصطفاف ، كثر الحديث في الأيام الأخيرة عن الحوار الذي جمع رئيس مجلس جهة العيون بأحد الصحافيين ، وعن جوابه المتعلق بجهة واد نون ، وأنها – في رأيه – لا يشملها الحكم الذاتي . فجاءت التعليقات مشتعلة، وانقسم الناس بين مؤيد ومهاجم ، ورفعت المشانق وكأن كلمة واحدة قادرة على تغيير خرائط الوطن أو نزع الشرعية عن جزء منه . و الحقيقة البسيطة ، التي قد تغيب وسط الضجيج ، هي أن الرجل عبر عن رأي شخصي لا أقل و لا أكثر . رأي لا يلزم الدولة ، ولا يغير واقعا ، ولا يملك قوة القرار . لأن القرارات الكبرى ، خصوصا تلك المرتبطة بالوحدة الترابية ، ليست بيد أفراد مهما علت مناصبهم، بل بيد الدولة بمؤسساتها ، ورؤيتها، واستراتيجيتها ، وخياراتها السيادية . ثم إن لا أحد يختلف لا في العيون ولا في الداخلة ولا في كلميم على أن واد نون جزء لا يتجزأ من الصحراء المغربية ، تاريخا و جغرافيا وهوية . هذا ثابت لا يتأثر بكلمة تقال في لحظة نقاش و لا برأي يطرح على هامش حوار إعلامي . إن ما نحتاجه اليوم ليس مزيدا من الصخب، بل قدرا أكبر من النضج . أن نتعلم أن الاختلاف في الرأي لا يعني العداء ، وأن النقد لا يعني الانتقام ، وأن الرأي الفردي لا يصنع السياسة العامة للدولة . فالمؤسسات وحدها ، برؤية ملكية و بتصور الدولة ، هي التي تحدد المسار و ترسم الحدود و تعلن السياسات لا هذا المسؤول ولا ذاك الصحافي . السياسة ليست انفعالا ، والوطن أكبر من أن نختزله في جملة . دعونا نرتقي بالحوار ، ونقبل أن البشر يخطئون ، ويتسرعون ، و يعبرون أحيانا بما لا ينسجم مع ما نريده نحن و هذا طبيعي . أما الدولة، فهي لا تنتظر رجلا في منصب أو مسؤولا في جهة ليخبرها ماذا تفعل .