ثبات السردية يهزم اللعبة الانفصالية

مند ما يزيد عن خمسين سنة تقريبا ومسألة الوحدة الترابية للمغرب تشكل لدى الوعي الجمعي للمغاربة الشغل الشاغل وأم القضايا الوطنية. وكان للمسيرة الخضراء سنة 1975 الأثر الشعبي البليغ للإرتباط الوجداني الكلي بهذه القضية. لكن مند ذلك التاريخ دخلت قضية الوحدة الترابية للمغرب في جنوب البلاد منعطفات تقاذفتـها أمواج سياقات تاريخية متعددة وخطيرة جعلتها تبرح مكانها لتُستعمل من طرف خصوم المغرب كورقة سياسية ضاغطة في معظم الرهانات التنموية. واستعصى على عدد لا يستهان به من الدول لاسيما دول أمريكا اللاتينية معرفة حقيقة أقدم القضايا السياسية الدولية، مما جعل عددا منها يتبنى جهلا السردية ذات النفس الثوري الشيوعي التي كان يروج لها الانفصاليون مند السبعينات من القرن الماضي.
لقد عايش العالم سرديات متعددة لهذه القضية وللسياقات السياسية التي كانت تحكمها ليس فقط من جانب الانفصاليين وإنما أيضا من جانب الحكومات التي تعاقبت على تسيير الشأن السياسي للمغرب. وتلا كل هذا الأمر ضبابية في القرارات الأممية، أو انحيازها ضد السيادة المغربية على أراضيه الجنوبية في الصحراء، أو على الأقل لعدم جديتها، مما أثر بشكل كبير في المواقف الدولية بين قبول ورفض هذه السردية وفقا لما تمليه البرغماتية السياسة الدولية والرهانات المتعددة للتدافع الجيوسياسي في منطقة شمال إفريقيا ذات الأهمية الاقتصادية القصوى.
في شتنبر1991، وبعد التوصل إلى وقف إطلاق النار من طرف الامم المتحدة، انتقل الصراع السياسي بين المغرب وخصوم وحدته الترابية إلى معركة الدبلوماسية والسرديات وكانت صراحة من أشرس المعارك على الإطلاق، ليس فقط بسبب طولها، وإنما أيضا بسبب المسارات المتعددة والخطيرة التي كانت تهدد المغرب في وحدته، استقراره وأمنه. هذه السرديات كانت تحركها عند المغرب رؤية موحدة لمعظم الفاعلين السياسيين ما برّر تفاعله مع محيطه الجيوسياسي بقوة وثبات، لاسيما في علاقته مع اسبانيا القوة الاستعمارية التي كانت تحتل الجنوب المغربي والمدعومة من طرف الاتحاد الأوروبي، وكذا الدينامية الوطنية للأحزاب السياسية التي أسست قناعاتها الوطنية وأطرت قواعدها الشعبية مند السبعينات من القرن الماضي على أولوية “أم القضايا” ونجحت في ذلك. في حين كانت السردية الانفصالية تُؤَسس من خلال رؤى متعددة وعقيمة، قد تبدو لمن يجهل خلفياتها أنها منسجمة، لكنها في الحقيقة فسيفسائية ليس فقط لعدم واقعيتها، وإنما أيضا لخضوعها للبراغماتية السياسية للشركاء في السردية، وهذا أمر نعتقد أنه أساسي في معرفة طبيعة الصراع كما سنرى فيما سيأتي من تحليل لهذه الرؤى:
الرؤية الانفصالية:
بداية كانت الرؤية الأولى عند الجزائر منطوية على الأثر النفسي العميق الذي خلفته هزيمة حرب الرمال سنة 1963 في نفوس جنرالات الجزائر مما أنتج فيها فوبيا المغرب والرفض المطلق والتصدي لكل ما هو مغربي، بل الأكثر من هذا ما يرتبط بالرؤية الثانية أن الجزائر انخرطت في تبني السردية السوداء للإنفصاليين من جهة وأسست لنفسها سردية خاصة متناغمة مع الخط السياسي للنظام العسكري الحاكم، لأجل التضييق وعزل المغرب وبالتالي مزيد من التصدع الدبلوماسي بين البلدين الشقيقين، وبلوغ قطع العلاقات الدبلوماسية في مرحلة متقدمة لاسيما في غشت 2021. أما الرؤية الثالثة وتتجلى في انخراط الجزائر أيضا في رفع شعار تصفية بقايا الاستعمار بالقارة السمراء من خلال مساندة الدول “المستعمَرة” وتبني ملفاتها والدفاع عنها لدى المنتظم الدولي، وبهكذا أسلوب أعطت الجزائر لنفسها الحق في التدخل في الشؤون الداخلية للمغرب. أما الرؤية المرتبطة بالانفصاليين فكانت مترددة بين توجهين مختلفين داخل الجبهة: التوجه الأول كان التلويح الدائم بالعمل العسكري لإنهاء الصراع، أما التوجه الثاني فكان دبلوماسيا يميل نحو تبني حل تقرير المصير وبناء دولة منفصلة جنوب المغرب.
والحقيقة تُقال، فبالرغم مما يبدو لأول وهلة من وحدة الرؤية أو على الأقل بعض التكامل في الرؤية الجزائرية والانفصالية، إلا أن ما يكمن داخل كل منهما يدعو إلى كثير من الحيطة في الحكم على الأشياء. فالجزائر التي تشتغل سياسيا بمنطق الغنيمة كما عبر عن ذلك عالم الاجتماع الألماني “ماكس فيبر” والمتحمسة دوما إلى تبني ملف الانفصاليين في دبلوماسيتها، لم تجرؤ يوما على التصريح بطموحها الكبير في بلوغ مياه المحيط الأطلسي وتحقيق حلمها الجيوسياسي كقوة إقليمية والتحكم في منطقة شمال افريقيا والساحل الإفريقي على حساب المغرب، ولم تجرؤ يوما على الحديث عن مستقبل علاقتها بدولة مفترضة في منطقة الصحراء وظيفتها الأساسية أن تكون حصان طروادة لتحقيق الحلم الجزائري.
أما لدى الانفصاليين فنستنتج أيضا أن الرؤية لم تكن لتتضح أبدا أمام الاختلافات البائنة بين القيادات السياسية والعسكرية من جهة وبين ما تفرضه القوى الخارجية المنتفعة من هذا الصراع من رؤى خاصة ومختلفة متعددة ومتنوعة من جهة ثانية. فعندما تم فرض وقف إطلاق النار سنة 1991 تم في الآن نفسه وأد الخيار العسكري والوحيد الذي كان بيد قيادات الجبهة ومن يدعمها، ما جعل شتات أمرها أكيدا. فمن خلال هذه الرؤى المنشطرة نعلم أنه لا شيء كان يربط هذه القوى المتعددة بالأرض أقصد الصحراء إلا ما تستدعيه الانتهازية والمصالح السياسية التي اجتمعت عليها كل الأطراف.
الوضع المغربي
سبق وذكرنا على أن المغرب لزم حدود سرديته على الدوام واستقر بمواقفه مند البداية وهو التأكيد على الوحدة الترابية للمملكة واستعداده فتح قنوات الحوار الصريح مع الدول المعنية مباشرة بمسألة الصحراء لا سيما اسبانيا والجزائر. وقد كانت المبادرة التي أطلقها الملك الراحل الحسن الثاني في عدد من المناسبات واختزلها في قوله “إن الوطن غفور رحيم”، كافية لتعميق تباين الرؤى ليس فقط داخل الإنفصاليين وإنما أيضا حتى داخل النظام العسكري بالجزائر مما فرق بعضا من انسجام الرؤى فأحدث داخلها انشقاقات انتهت بإلتحاق عدد كبير من القادة المؤسسين للجبهة إلى الوطن الأم، وانفرط بشكل متكرر عقد السردية الإنفصالية التي استمر دعمها المطلق من قبل الجزائر، عبر سياسة الضرب تحت الحزام التي مارستها إسبانيا من حين لآخر ضد المغرب في ملفات شائكة كملف الصيد البحري والشراكة الأوروبية وملف الهجرة وغيرها.
لكن حينما وقع التحول الاستراتيجي لمسألة الصحراء من مخطط التسوية إلى مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية مع اعتباره مرجعا لدى المنتظم الدولي لفتح مفاوضات مباشرة وإنهاء هذا الملف، وهو ما كان منتظرا بحكم الزخم السياسي والدبلوماسي الكبير المتراكم مند 2007 إلى يومنا هذا، ونظرا أيضا لتوقف المفاوضات بين المغرب والانفصاليين مند 2019، فتأكدت الرؤية لدى المغاربة وتكشف للعالم حقيقة الملف ومعها جاء الاعتراف الأمريكي الصادم، وتغير موقف اسبانيا وألمانيا في 2021 وتغير موقف فرنسا في 2025، وشكل هذا الامر انهيار السردية الانفصالية بشكل كامل.
لقد كان اندحار السردية الانفصالية بمثابة إيذان بانتقال الملف إلى سياق جديد أفرز تغييرا كبيرا لقواعد العمل السياسي بالكامل. وهذا ما عبر عنه وزير الخارجية المغربي “بالعمل الجبار مند 26 سنة… كان الاشتغال مع الدول ذات الأهمية في الموضوع اسبانيا ألمانيا وفرنسا لأن لها معرفة بأساسيات الموضوع.. وقبيل ذلك بكثير كان الاشتغال بالعودة للاتحاد الإفريقي مع زيارات قوية لعدد من الدول الإفريقية التي كانت تعترف وتؤمن بسردية الانفصاليين، وتم بناء أجواء الثقة بينها والمغرب من خلال علاقات وشراكات اقتصادية معها مما سهل إيمانها بالسردية المغربية.” ولقد كان للزيارات التي قام بها العاهل المغربي لكل من الصين سنة 2015 ولروسيا سنة 2016، الأثر الواضح في تغير عقيدة الدبلوماسية المغربية la doctrina diplomática marroquí إلى دبلوماسية الفعل والنتيجة، الوضوح والطموح la transparencia y la ambición سواء مع اسبانيا التي تعترف اليوم أنها في أحسن حال في علاقاتها مع المغرب أو مع غيرها من دول العالم دون كثرة الخطابات والبيانات التي لا جدوى منها.
لقد كان للازمة “أن المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها” في خطابات العاهل المغربي ثبات للرؤية الواقعية للدبلوماسية المغربية، وإيمان كبير بأن الأمر لا يمكن أن يتم حله إلا من خلال الرؤية المنبثقة من السردية المغربية وهذا ما دفع العاهل المغربي إلى التصريح في عدد من خطاباته الموجهة مباشرة للمنتظم الدولي من أن “هناك عالما واقعيا، أن المغرب في صحرائه وهناك تنمية اقتصادية، وهناك عالم رجعي متوهم يجب إنهاء العمل معه”.
لا ريب في أن الموقف المغربي قد دعّم مرتكزه السردي على أساسين حاسمين أولهما: المقاربة الملكية التي تعتبر مسألة الصحراء هي العين الذي ينظر من خلالها المغرب في علاقاته مع العالم، وبالتالي لا مجال في أن يستمر تسليع هذا الملف في كل الرهانات السياسية والاقتصادية للمغرب، وكذا في مفاوضاته مع الاتحاد الأوروبي ودول العالم، وثانيهما: تلك الوصفة الدبلوماسية التي لعبت على عامل الزمن السياسي الاستراتيجي المبني على الإحاطة الكاملة بملف الصحراء من طرف المغرب مع الاستفادة من والتأني كي تنضج الأمور مع المصداقية في العمل، وهو ما جعل 11 دولة تصوت لصالح قرار مجلس الامن بدون صوت واحد للرفض.
اليوم وبعدما تغير السياق التاريخي الذي يحكم السرديات والسلوك السياسي، يبدو أنه من العقلانية السياسية أن نفهم بهدوء وروية كلام الملك الراحل الحسن الثاني عند جوابه عن سؤال حول السياسة فشبهها بـ”سياقة السيارة التي تستدعي الحيطة الدائمة في الطريق مع النظر من حين لأخر إلى الخلف في المرآة” حتى يكون هناك توازن في السياقة. لذلك نرى من المناسب إجراء نقد ذاتي عاجل لملف الصحراء الذي يشهد السياسيون على أن هذا الملف كان عادلا لكن اكتنفه كثير من الغموض في مراحل متعددة من تطوره، إما لأن محامي الملف لم يكن في مستوى هذا الملف بحكم تقاعسه عن القيام بما يتوجب، أو أننا كأصحاب حق لم نقدم كل الوثائق المؤكدة لحقنا، أو ربما أكثر من هذا أننا استهننا بالطرف الآخر ولم نكن نتصور حجم المؤامرة التي كانت تحاك ضد المغرب والتي انخرطت فيها كل القوى الإقليمية العربية وغيرها والتي كانت تدعو إلى اسقاط الأنظمة السياسية الرجعية ومن ضمنها الملكية في المغرب.
لقد كادت سفينة السياسة بالمغرب أن تجنح نحو الصخر في مرات عدة بسبب حجم العواصف والخطوب المزلزلة، كانت أسئلة كثيرة تتناسل في أذهان المغاربة عن فحوى تنحية الأحزاب عن متابعة هذا النوع من الملفات على غرار دول المعمور التي تفزع كل قواها السياسية بشكل متضامن لمواجهة كل ما من شأنه أن يهدد الوطن في وجوده، ووحدته وأمنه واستقراره. لقد شكل الخلاف السياسي بين الملك الراحل الحسن الثاني وعبد الرحيم بوعبيد حول نفس الملف انتهى باعتقال هذا الأخير. وفي نفس السياق كان المثقفون مغيبون بدورهم عن هذا الملف وبالتالي لم تستطع أي مقاربة أكاديمية أن تؤطر هذا الملف فكان الحديث الدائم، بل التساؤل المزعج للنخبة المثقفة عن حجم الفساد السياسي الذي كان وراء هذا الملف. طفى كذلك على السطح ذلك السؤال المحرج والذي ارتبط بالمؤسسة العسكرية التي لم تكن غائبة عن هذا الملف، بل هي من قادت مند منتصف السبعينات ليس فقط العمل العسكري المباشر، بل أيضا كانت مهامها تمتد إلى تأسيس البنية التحتية لإنشاء المدن وشق الطرق في الصحراء بعد انسحاب اسبانيا منها، لكن السؤال المحير هو ما الذي أقعدها عن المضي في الحسم العسكري النهائي في وقت كان بإمكانها فعل ذلك لحكم السياق التاريخي المناسب، واختصار أكثر من 50 سنة من الصراع الدبلوماسي في سنوات معدودة؟ ألم يكن هذا تبذيرا للزمن السياسي بالمغرب؟ هذه وغيرها من الأسئلة الحارقة والتي ستبقى عالقة لتتكشف رويدا في الأيام المقبلة.
خاتمـــــة
لعلنا اليوم في أمس الحاجة لمزيد من الشفافية والوضوح في مسألة الانخراط المجتمعي في القضايا الكبرى للبلاد. فمغرب الألفية الثالثة ليس تماما مغرب القرن الماضي لا على مستوى التحديات الحضارية الكبرى ولا على مستوى إكراهات البناء السياسي الديمقراطي أو الحقوقي. بكل صراحة خرجنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر كما قال الملك الراحل محمد الخامس بعد عودته من المنفى، وآن الأوان ليتسع صدرنا لنقد ذاتي عاجل نعيد فيه ترميم أفكارنا ونعيد فيه صياغتها وفقا للسياق التاريخي الجديد لا إقصاء فيه لأي مكون من المكونات الثقافية لهذا البلد. فلعل الطريق أصبح اليوم معبدا أمام المغرب مند أن تم وضع المشروع الخاص بمبادرة الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية سنة 2007، وقام بتغيير الدستور سنة 2011 وربما سيقوم بتعديل بعض فصوله في الأيام القليلة القادمة، كما قام في سنة 2015 بوضع ميثاق الجهوية الموسعة وسنة 2019 بإعداد النموذج التنموي بالأقاليم الجنوبية، والنموذج التنموي الوطني سنة 2021، وسنرى كيف ستكون الهندسة الانتخابية لوزارة الداخلية في مغرب 2026 وسنرى الفعل السياسي في أكبر ورش إداري غير مسبوق وتعديلات دستورية ومؤسساتية تاريخية غاية في الدقة على غرار البروسترايكا التي عاشها الاتحاد السوفياتي في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، مع متمنياتنا أن تكون نتائجها أفضل بكثير مما هي عليه روسيا حاليا.
اترك تعليقاً