منتدى العمق

إسرائيل الكبرى.. شر قد اقترب

ما يحدث الآن من بلطجية الاحتلال الإسرائيلي في غزة ولبنان وسوريا رغم توقيع اتفاق إطلاق النار وتسليم الأسرى الأحياء وتقريبا كل الجثث، لا يمكن فصله عن مشاريع إسرائيل وأحلامها التوسعية في المنطقة. 

قبل أشهر قليلة تفاخر نتانياهو بتعلقه برؤية إسرائيل الكبرى وهو يشير إلى خريطة تضم أجزاء من البلدان العربية ذات الثقل في المنطقة، مصر والسعودية على وجه التحديد. ما أتى به، جاء فقط ليذكرنا بما يؤمنون به في كتبهم المقدسة، قبل تأسيس دولة الأبارتايد العنصرية على أنقاض جثث أصحاب الأرض أبا عن جد، وتؤكد لنا أنهم لا يعبثون ومستمرون في نهجهم وأنهم لن ينصتوا لأحد سوى لأساطيرهم وما تمليه عليهم ساديتهم المريضة. لا يهمهم من الإنسانية وأخلاقها إلا ما يخدم مصالحهم ومن لم يعجبه الأمر فل يشرب مياه البحر الأحمر ويتبعها بمحيطات الأرض كلها ومن ثمة بالمياه الجوفية.

بيد أن المثير للدهشة في الحكاية برمتها، هو استمرار حكامنا وكبار مسؤولينا في اجترار شعارات إنشائية منافية للمنطق كأنهم لا يعلمون أن تكرار التجربة يؤدي حتما إلى النتائج نفسها، تلك حقيقة علمية يتجاهلونها أو يقاومون الاعتراف بها. ينددون ويتغنون بأن ما سمعوه لا يغدو كونه أوهاما تلمودية وأحلاما توسعية، لو كان التاريخ يُكتب بالأماني ما ضاعت فلسطين والكثير من الأراضي العربية! لعل غشاوة أصابت بصائرهم وجعلتهم لا يدركون ما يعيشون فيه من وَهم، حتى أنهم تغافلوا عن حقيقة هؤلاء التلمودين كما يزعمون، وتناسوا بأنهم لا يتركون شيئا للصدفة، يخططون لكل صغيرة وكبيرة، يعدون العدة والعتاد ثم ينتظرون ساعة الصفر فينفذون ولكل مرحلة ساعة صفرها. 

إسرائيل الكبرى ليست وهما بل عقيدة أسست عليها دولتهم وهكذا رُسمت في علَمهم وحفرت في عقول أطفالهم وتوارثوها جيلا عن جيل حتى باتت قاب قوسين أو أدني من أن تصبح حقيقة رغم أنوف الرافضين. لذلك تجدهم يعملون وفق سياسة القضم المستمر للأراضي ونظرية تراكم المكاسب الصغرى المؤدي إلى نتائج كبرى. ليست هناك حكومة معتدلة وأخرى متطرفة، كلهم يؤمنون بالأفكار ذاتها ويعملون لتحقيق الأهداف نفسها. قد تختلف الوسائل، تارة عبر اتفاقية ديبلوماسية خادعة، وكانت كامب ديفيد إحداها وأسلو من أكبر مصائدها ومصائبها، وطورا بالألة العسكرية الموغلة في الوحشية والإجرام. اتفاقيات الهدنة في غزة عينة مؤلمة من هذا المسار الملتوي، توقف مرحلي لامتصاص الضغط الدولي وتمطيط الأزمة الداخلية ثم استئناف القتل والتدمير بتغطية ودعم من الحاضن الرسمي، الولايات المتحدة الأمريكية، ولعل قرار مجلس الأمن الأخير القاضي بإنشاء قوة دولية للسيطرة على غزة وقيام بما لم يستطع الاحتلال تحقيقه لنزع سلاح المقاومة لا يخرج عن القاعدة. 

إسرائيل الكبرى كانت إلى وقت قريب تقال باستحياء وبلغة يحلو للبعض أن يصفها بالدبلوماسية لكن وَقعها الآن باث أعمق وطعمها أمر من الحنظلة وجرحها أكثر ألما. غزة ما تزال تحت حرب الإبادة وإن تغير شكلها، ولا من يحرك ساكنا لوقفها. في لبنان، الكل مستباح، الطيران الإسرائيلي يقصف متى شاء وكيفما شاء وما شاء، يقتل من يشاء ويمن الحياة على من يشاء، والحكومة تتبنى وصفة إسرائيلية في لبوس أمريكي لنزع سلاح من سولت له نفسه يوما الوقوف ببسالة أمام غطرسة الصهاينة ولجم جبروتهم، وحال لسانهم يقول: سلمونا رقابكم للذبح وبعدها توسلوا من المجتمع الدولي انقاذكم من غدرنا!

في سوريا، كل يوم تقتطع إسرائيل أجزاءًا من الأراضي ولم تكتفي بما سلبت قبلا، بل باتت تؤلب فئات من الشعب ضد حكومتهم وفق مخطط مدروس يهدف إلى تفكيك ما تبقى والسيطرة عليه شبرا شبرا. في مصر، وهي أكبر دولة يمكن إدراجها في محور الاعتدال حسب تنقيط الاحتلال وداعيميه، لم تعد تملك من المهابة سوى اسمها بعدما فرطت في أورق كانت إلى الأمس القريب بيدها وعنوان قيمتها وهيبتها؛ محور رفح قدمته لقمة صائغة لعدوها ضدا على اتفاقية لم يحترمها الاحتلال يوما، غزة وهي أهم جبهة دفاع متقدمة وورقة استراتيجية وجيوسياسية غاية في الأهمية لأمنها ووجودها تخلت عنها دون مقابل من أجل سلام مذل ويا ليته سيستمر! عندما تقرع طبول الحرب تفر حمائم السلام وتتحاور البنادق. في الأردن، لا يختلف الوضع كثيرا، ربما أكثر سوءا، فقريبا قد نسمع في الإعلام بغور إسرائيل بدلا من غور الأردن. حينها فقط سيدرك هؤلاء أن إسرائيل الكبرى ليست أوهاما تلمودية ولا تصريحات استفزازية ولا حتى هروبا للأمام كما يعتقدون. من يدري لعلهم يخترعون قولا ليس كالقول، فهم بارعون!

يحق لنا في مثل هكذا وضع، أمام عدو متعجرف، لا يتوانى في إهانة كل رموز الأمة ومقدساتها، قولا وفعلا، أن نتساءل هل اقتربت ساعة الصفر من دول الاعتدال العربية؟ يبدو أن الواقعية التي تبنوها لعقود ودافعوا عنها بشراسة لم تكن من الحكمة في شيء كما توهموا بل فخا محكما، إن لم يسارعوا للفكاك منه، قد يشتد حول رقابهم ويقتلهم ثم يأتي على الآخرين الصامتين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *