مراكز التوطين والتضامن الضريبي

توصلت مؤخراً عددٌ من مراكز التوطين، خاصة بجهتي الرباط والدار البيضاء، برسائل إخبارية موجهة إليها من طرف قباض الضرائب التابعين للمديريات الجهوية للضرائب، تخبرهم فيها بأنهم متضامنون مع عدد من الشركات التي تعذر استخلاص الديون الضريبية في مواجهتها، وذلك استناداً إلى المادة 93 من مدونة تحصيل الديون العمومية، والتي تنص على أن تحصيل الديون بمقتضى الجداول الضريبية يمكن أن يتم في مواجهة الأشخاص الذين جعل المدينون موطنهم الجبائي لديهم بموافقتهم.
هذه الرسائل الإخبارية التي أصبحت تتقاطر على مراكز التوطين، أضحت هي الحديث اليومي لمسيري هذه المراكز، والذين تكتلوا على شكل جمعيتين مهنيتين إحداهما في طريق الإنشاء، وعلى شكل ائتلاف وطني مهني للدفاع عن مصالحهم.
ومن بين الانتقادات التي يوجهها المسؤولون عن مراكز التوطين للتوجه الحالي للإدارة الجبائية، هو عدم احترام قباض الضرائب للشكليات والآجال الواردة بمدونة تحصيل الديون العمومية، حيث يتفقون على أن إرسال الرسائل الإخبارية هو إجراء لا علاقة له بالإجراءات المنصوص عليها في المدونة، وهي الإجراءات التي جاءت على سبيل الحصر، وتتمثل في الإنذار الذي يتعين أن يسبقه الإشعار بدون صائر، ثم الحجز والبيع بالمزاد العلني. وبالتالي، فحسب مراكز التوطين، فليس من بينها الرسائل الإخبارية. وهنا يتمسكون بمقتضيات المادة 29 التي تنص على أن إجراءات التحصيل تباشر في مواجهة المدينين المتضامنين حسب نفس الشروط المتعلقة بالمدينين الأصليين.
والملاحظ أن هذا الانتقاد له ما يؤسسه، ذلك أنه إذا كان الدين واحداً بالنسبة للمتضامنين، فإن ذلك لا يعني وحدة التبليغ، فالتبليغ الجماعي غير منصوص عليه، والمقصود من التبليغ هو جعل المدين في حالة مطل إزاء الدين. وطالما أن قباض إدارة الضرائب لم يوجهوا الإشعارات والإنذارات لمراكز التوطين بصفتهم متضامنين، فإن انعدام التبليغ لا يجعلهم في حالة مطل. وينضاف إلى ما ذكر أن إجراءات التحصيل هي من النظام العام، ولا تسوغ مخالفتها من طرف الإدارة الجبائية.
هذا الموقف المعبر عنه من طرف مراكز التوطين له ما يؤيده؛ فالمحاكم الإدارية تتشدد بخصوص إجراءات التبليغ طالما أنها تمس بالمراكز المالية للمدينين. وللإشارة، فإن محكمة النقض قد سبق لها أن تبنت هذا الاتجاه، حيث جاء في قرار لها عدد 1139 الصادر بتاريخ 15 نونبر 2012 في الملف عدد 2012/1/4/796 بأن “إجراء التحصيل أو التبليغ يجب أن يتم بالنسبة لكل مدين على حدة، وبأنه لا يمكن اعتبار تبليغ أحد المدينين المتضامنين قاطعاً للتقادم تجاه الآخرين”.
وإضافة إلى ما ذكر، تعيب مراكز التوطين على الرسائل الإخبارية بأنها حررت بصيغة إنشائية مبهمة ومجملة، ولا تتضمن أية معلومات لا بخصوص الدين الضريبي ولا بخصوص إجراءات التحصيل، وهي غير مرفقة بأية جداول أو سندات قابلة للتحصيل. وتتمسك المراكز المذكورة بكونها لا علم لها لا بالضرائب ولا بإجراءات التحصيل المتبعة، ذلك أنها، باستثناء مدة سريان العقود التي تكون لها الصفة في التوصل عن المقاولات الموطنة بمقتضى بند في العقد أو وكالة خاصة، فهي لا صفة لها في التوصل بعد توقف العقد، وإلا أثيرت مسؤوليتها القانونية. فالمادة 219 من المدونة العامة للضرائب عددت الأشخاص الذين لهم صفة التوصل عن الأشخاص المعنوية، ومنها الشركات، على سبيل الحصر، وهم الشركاء الرئيسيون والمسيرون والأجراء والمستخدمون، وليس من بينهم شركات التوطين.
ومن بين ما تثيره مراكز التوطين أيضاً كانتقاد لتوجه إدارة الضرائب وقباضها في إعمال التضامن في مواجهتهم، هو إعمالها للتفسير الواسع للنص. ذلك أنه حسب مراكز التوطين، فإن أي نص يمس بحريات الأشخاص أو مراكزهم المالية، فالفقه والقضاء اجتمعا على إعمال التفسير الضيق بخصوصه حفاظاً على الحقوق والحريات. وأنه بالرجوع إلى مقتضيات المادة 93 من مدونة تحصيل الديون العمومية، فإنها نصت على التضامن بخصوص “الأشخاص الذين جعل المدينون موطنهم الجبائي لديهم بموافقتهم”. وحسب مراكز التوطين فإن الشركات والمقاولات الموطنة لم تكن لها صفة المدين وقت توطينها، والمقصود من النص حسب التفسير الضيق هو أن توطين أية شركة مدينة مع شرط الموافقة يجعل من الموطن لديها متضامنة معها، خاصة وأنه في اللغة الضريبية لا يكتسب شخص صفة المدين إلا من تاريخ استحقاق الدين. وحسب المراكز المذكورة، فإن النص اشترط صفة المديونية وشرط الموافقة، وبالتالي كنتيجة فشرط صفة المدين متخلف، وشرط الموافقة على توطينه مع العلم بمديونيته متخلف. وتقدم مراكز التوطين لدعم هذه القراءة صورة أخرى، والتي مفادها أن الأشخاص الذين يكرون محلاتهم كمقرات لمهنيين أو شركات أو مقاولات هم كذلك يجعلون الموطن الجبائي لها لديهم، وإذا صح التفسير الواسع الذي تعتمده الإدارة الجبائية، فيتعين كذلك جعلهم متضامنين معهم بخصوص ضرائبهم، وهو حسب تقديرهم أمر يمس باستقرار الأوضاع وبالنظام العام.
يضيف مسيرو مراكز التوطين أن هذه القراءة السطحية للنص هي قراءة لا تواكب العصر، وتعاكس سير الدولة نحو تجويد مناخ الأعمال وتحرير السوق وتشجيع الاستثمار والنهوض بالمقاولات الصغرى والمتوسطة.
كما تناشد مراكز الأعمال القائمين على التشريع بإخراج قانون مستقل ينظم التوطين بالشكل المطلوب مع إشراك المهنيين عند صياغته. وحسب ذكرهم، فإن القانون الحالي المدمج كبنود ضمن مدونة التجارة هو بعيد كل البعد من أن يحيط بالأوضاع القانونية التي يفرزها عقد التوطين، ويضع على عاتق شركات التوطين التزامات مرهقة ودون جدوى تذكر.
اترك تعليقاً