سياسة

نور الدين: غياب ملف الصحراء عن G20 ليس انتصارا والمعركة الحاسمة في 3 جبهات

أثار خلو البيان الختامي لقمة مجموعة العشرين، التي انعقدت مؤخرا في جنوب إفريقيا، من أي إشارة إلى قضية الصحراء المغربية، نقاشا واسعا في الأوساط السياسية والدبلوماسية، حيث تباينت القراءات حول دلالات هذا المعطى، لا سيما أن القمة أقيمت على أرض دولة تتخذ مواقف معروفة تجاه هذا النزاع.

ففي الوقت الذي عدّ فيه هذا الغياب مؤشرا إيجابيا وتراجعا للطرح الانفصالي، يرى مراقبون ضرورة وضع الحدث في سياقه التاريخي والجيوسياسي، بالنظر إلى الطبيعة الاقتصادية الصرفة للمجموعة والملفات التي دأبت على معالجتها، بعيدا عن النزاعات الإقليمية.

وفي خضم هذه التفاعلات، يعود إلى الواجهة النقاش حول الأولويات الاستراتيجية للدبلوماسية المغربية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها هذا الملف. وتبرز في هذا السياق رؤى تحليلية تدعو إلى استثمار الزخم الدولي الحالي والمكاسب الميدانية المحققة، من أجل إعادة توجيه البوصلة نحو معارك قانونية ودبلوماسية أكثر حسماً داخل أروقة الأمم المتحدة والهياكل القارية، بدلا من الاكتفاء بانتصارات ظرفية، وذلك بهدف الطي النهائي لهذا النزاع وتجاوز حالة الجمود الحالية.

وفي هذا السياق، أكد الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الإفريقية، أحمد نور الدين، أن عدم إدراج قضية الصحراء المغربية في البيان الختامي لقمة مجموعة العشرين لا يمكن اعتباره تراجعا للطرح الانفصالي أو انتصارا دبلوماسيا، معللا ذلك بكون الملف لم يكن يوما مطروحا على أجندة هذه القمة منذ نشأتها في واشنطن عام 2008، أي منذ حوالي 18 عاما، لكون المجموعة تركز بالأساس على القضايا الجيوسياسية ذات البعد الاقتصادي العالمي، مشددا على ضرورة عدم الانسياق وراء ما وصفها بـ “الانتصارات الكلامية”، لأن المعركة الحقيقية لحسم النزاع تتطلب التركيز على جبهات أخرى أكثر حيوية وتأثيرا.

وأوضح نور الدين، في تصريح لجريدة “العمق”، أن الدبلوماسية المغربية مطالبة اليوم، بتوجيه مدافعها الثقيلة نحو ثلاث معارك أساسية وحاسمة، أولاها تتعلق بكيفية تدبير المفاوضات بشكل استراتيجي، محذرا من تكرار أخطاء الماضي، وتحديدا ما حدث عام 2007 حين تم تقديم كل الأوراق دفعة واحدة قبل بدء التفاوض، مشيرا إلى أن التفاوض هو عملية أخذ وعطاء، ولا يجب تقديم السقف الأعلى للتنازلات في البداية، خاصة وأن الظرفية الحالية تختلف جذريا عما كانت عليه قبل قرابة عقدين.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن السياق الدولي الحالي يضع المغرب في موقع قوة، بفضل اعترافات الدول العظمى مثل الولايات المتحدة وفرنسا -التي تملك حق النقض- بمغربية الصحراء، إضافة إلى التحول في الموقف الإسباني والأوروبي وافتتاح القنصليات في الأقاليم الجنوبية، وهو ما يفرض على المفاوض المغربي أن لا يعتبر مقترح الحكم الذاتي لسنة 2007 هو المرجع، وألا يكتفي بإدخال تعديلات عليه بل يجب أن يسحب المشروع برمته لأنه الجبهة والجزائر رفضاه ولأن المعطيات الدولية تغيرت والجبهة الانفصالية تفككت،

لذلك، يضيف المصدر ذاته، يجب أن لا يتجاوز المقترح الجديد للحكم الذاتي صلاحيات الجهوية لا أقل ولا اكثر، وليس أمام اعداء المغرب من خيار غير القبول او الاصطدام بالحائط. أما المغرب فهو في وضع مريح يمكنه من البقاء على الوضع الحالي نصف قرن آخر . معتبرا أن أي حديث عن العودة إلى مقترح 2007 او صلاحيات واسعة للحكم الذاتي سيكون خطأ استراتيجيا قاتلا، لا يقل عن خطأ التنازل عن الصحراء الشرقية للجزائر في اتفاقية ترسيم الحدود سنة 1972.

وشدد الخبير في الشؤون الإفريقية على ضرورة أن يكون الفريق المفاوض ذا ثقل سياسي ونفس نضالي، وليس مجرد تقنيين أو موظفين سامين، لضمان إدارة الملف بالحنكة اللازمة، منتقدا في الوقت ذاته الاحتفاء بعدم ذكر النزاع في قمة العشرين، ومعتبرا ذلك هروبا من مواجهة المعارك الأساسية، وأبرزها المعركة الثانية المتمثلة في استصدار قرار من اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة لطي الملف نهائيا، لكون وجود الأقاليم الجنوبية ضمن أجندة تصفية الاستعمار منذ 1963، يتناقض مع التوجه الحالي لمجلس الأمن والاعترافات الدولية بالسيادة المغربية، خاصة وأن المقصود بتصفية الاستعمار هو الاستعمار الاسباني وقد تمت تصفيته فعليا.

وأبرز المصدر ذاته أن المعركة الثالثة والحاسمة تتمثل في طرد الكيان الوهمي من الاتحاد الإفريقي، واصفا هذا الإجراء بـ “قطع رأس الأفعى”، حيث لفت إلى أن استمرار عضوية “البوليساريو” في المنظمة القارية يرهن المؤسسة الإفريقية ويتسبب في إحراجات ومشالكل دبلوماسية متكررة خلال القمم المشتركة مع الشركاء الدوليين، مثل الاتحاد الأوروبي أو اليابان (تيكاد)، مستحضرا ما حدث في قمم سابقة بتونس ويوكوهاما، ومشيرا إلى أن تقليص تمثيلية المغرب في بعض المحافل كما نرى اليوم في قمة الاتحادين الأوروبي والإفريقي احتجاجا على حضور زعيم الانفصاليين ليس حلا جذريا، بل الحل يكمن في إنهاء وجود هذا الكيان داخل البيت الإفريقي لتفادي تكرار هذه المهازل كل سنتين.

وختم أحمد نور الدين تصريحه بالتأكيد على أن الخيارات أمام الجزائر وصنيعتها باتت منعدمة، وليس أمامهما سوى الاستسلام والقبول بما يطرحه المغرب، داعيا الدبلوماسية المغربية إلى استغلال الظرفية الدولية وعزلة النظام الجزائري لفرض شروط تضمن السيادة الوطنية، وعدم الاكتفاء بمعارك هامشية، بل التركيز على استصدار القرارات التي تنهي النزاع من جذوره سواء في نيويورك عبر اللجنة الرابعة أو في أديس أبابا عبر تطهير الاتحاد الإفريقي من الكيان الوهمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *