منتدى العمق

رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الأولى)

“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.

الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.

 

الفصل الأول:

بين النعش والباب الخلفي..

لم يكن الصباح مختلفاً، لكن ظلّ الجبل كان أثقل من عادته، كأن الليل علِق بطرفه ولم يشأ أن ينزاح. ذلك الجبل الذي تعوّد أهل القرية أن يزِنوا به يومهم، فإذا خفّ ظلّه قالوا: “سيكون نهارًا رقيقًا”، وإذا طال قالوا: “لا تخرجوا بعيدًا، فالريح تختبئ في ثناياه”. في ذلك اليوم، بدا ظلّه ممتدًا على السطوح الطينية، يزحف على جدران البيوت المنخفضة، ويتسلّق سواتر الحقول ككائن صبور يختبر صبر الناس قبله.

كان الغبار يتعلّق بأهذاب العشب القصير، ويصعد من حوافر البغل كدعاءٍ خفيف، فيما الجدول الصغير يقفز على الحصى ويتهجّى أسماء الأشجار. ذلك الجدول كان رفيق طفولة أمناي، يحفظ له أصواته، يعرف كيف ينكسر صوته حين يركض بمحاذاته، وكيف يعلو حين يرمي فيه الحصى ويقيس دوائر الماء المتسعة.

في ذلك اليوم، خرج أمناي ذو السبع سنوات قبل أبيه بنصف ساعة، خفيفاً كعصفور، يحمل سلةً من القصب ويطارد بقية النعاس بأغنيةٍ لا يتذكّرها إذا سُئل عنها. كانت قدماه حافيتين داخل حذاءين واسعين ورثهما عن ابن الجيران، يرفع كعبه كلما دخلت حبة تراب إلى جوف الحذاء ثم يعود إلى الركض بكل حماسة. الهواء بارد، لكنه ليس بارداً بما يكفي ليُطفئ الحماسة التي يوقِدها مطلع الربيع في صدور الصغار؛ برودة تشبه يد أم وضعتها لتوِّها في ماء الغسيل ثم مرّرتها على خدّ صغيرها لتوقظه بحنانٍ خشن.

في البيت، كانت حادة، أمه، تراقبه من الفتحة الضيقة للباب الخشبي الذي لا يُغلق تمامًا، تضع طرف وشاحها بين أسنانها مترددة بين أن تناديه ليعود قليلاً إلى حضنها وبين أن تتركه يذهب ليصنع مع اليوم حكاية جديدة. خلفها كان باسو يطوي حصيره ويشدّ زنار سرواله الصوفي، يتظاهر باللامبالاة كي لا يزرع في قلب الطفل خوفًا مبكرًا من الحقول.

كانت القرية تستيقظ ببطء، أبواب الطين تتثاءب، ورائحة الشاي تُغري الدجاج بالاقتراب من دكة البيت. من بيتٍ إلى آخر، تخرج سلال الخبز، وتشمخ أبخرة الحساء الصباحي، وتمتد أصوات النساء وهنّ ينادين أبناءهن بأسماء تتكرّر على مدار اليوم كالأذكار. في الساحة الصغيرة، كان عسو، عمّ أمناي العسكري، يقف مستندًا إلى جدار، يرتّب طرف بزّته البالية، يراقب السماء كمن يقيس اتجاه الريح قبل أن يقرر إن كان اليوم يصلح لأي نوع من المغامرات. إلى جواره مينة، زوجته، ترتّب خصلات شعرها وتعلق على كتفها قفطانًا بسيطًا، وفي عينيها لمعة تخصّ كل طفل تراه يركض في ذلك الصباح؛ فكل واحد منهم يذكّرها بولد لم يولد بعد.

قال له أبوه مساءً: “لا تتوغّل في الحقل البعيد، فالزعتر هناك يصطاد الأقدام، ومعه ما لا يُرى.” كان ذلك الحديث جزءًا من طقسٍ مسائيّ، حين يجلس باسو قرب ابنه عند النار الضعيفة، يروي له عن الطرق الآمنة في الحقول، وأماكن العيون، وأسماء الحشرات، ووجه الأفاعي التي لا ينبغي الاقتراب منها.

هزّ الطفل رأسه موافقا، لكنه في الصباح نسي الوصايا كلها، إلا واحدة: أن يعود قبل أن ترتفع الشمس إلى منتصف الجبل. وهذه وحدها كانت كافية لتبرير كل التفافات الطريق. ففي ذهنه الصغير، المهم هو الوقت، أمّا المسافة فمجرد لعبةٍ بين رجليه والأرض. كان يقيس شجاعته بعدد الأعشاب التي يدوسها، وبعدد الأحجار التي يتخطاها قفزًا، لا بعدد المرات التي يتذكّر فيها تحذيرات الكبار.

لم يرها أول الأمر. كان يمدّ يده بين أعواد الشعير، يتحسّس السنابل الناعمة كما لو يربت على ظهر جرو، ثم يزحف قليلاً خلف صخرةٍ مسوّدة بالشمس، وهناك، في ظلٍّ أقرب إلى الخديعة، كان الخطّ الموشّى بالحراشف، ملتفّاً على نفسه كحرفٍ لا ينتهي. كانت حركة الأفعى بطيئة، تشبه خيطًا من الليل ظلّ ملتصقًا بجلد الأرض بعد أن رحل الفجر. لونها يميل إلى تراب جافّ، وفي ظهرها نقاط باهتة تدلّ من يعرف على الخطر، لكنها لعين طفل لم يكتمل وعيه لم تكن سوى رسوماً غريبة جذّابة على جلدٍ لامع.

توقّفت الأغنية في حلقه، لا خوفاً، بل توقيراً لذلك اللمعان الذي يشبه البرق حين ينام. عيناه واسعتان، تلتقطان من الضوء ما يكفي لكتابة لحظة لا يعرف أن يسميها. شعر لثانيةٍ أن العالم كله توقف كي ينظر معه إلى هذه الكتلة المنسابة من الحياة المخبّأة في السم.

قال لنفسه: “أعود. الآن.” لكنه لم يعد، إذ سبقه جسده خطوةً واحدة فقط، وكانت تلك الخطوة كافية لأن يلتقي الجلد بالظلال. لم يفهم في أي لحظة قرّرت الأفعى أن تلدغه؛ لم يسمع فحيحًا، لم ير انقضاضًا، كل ما شعر به هو شيء حاد، قصير، مثل انكسار شوكة في اللحم.

لم تكن اللدغة طويلة. ومضت مثل وخزة إبرة في إصبعٍ متسلّخٍ من العمل. غير أنّ النار التي تبعتها نمَت بسرعة عجيبة، صعدت إلى الساق ثم علقت عند الركبة، وإذا بالهواء يصبح أثقل مما ينبغي، والسماء أقرب مما يسمح به الطيران. أحس بالأرض تميد قليلاً تحت قدميه، كأنها حقل آخر لا يعرفه.

جلس الطفل، ولم يفكّر بالصراخ. ربما لأنه تعلّم أن الصراخ يوقظ ما ينبغي أن ينام، وربما لأن الألم كان مشغولاً بنفسه إلى حدّ أنه لم يترك للكلمات موضعاً. أخذ يتحسس موضع اللدغة بيده الصغيرة، رأى نقطة حمراء تنتفخ حولها البشرة بسرعة، أحسّ بحرارة تتصاعد من الداخل، كأن حطبًا اشتعل فجأة في عروقه. حاول أن يقنع نفسه بأنها مجرد لسعة شوك، أو عضة حشرةٍ كبيرة، لكن ثقل ساقه كان يفضح الكذبة قبل أن تكتمل.

في تلك الأثناء، كان باسو يتهيأ للخروج من البيت. ربط حبل البغل حول سارية الخشبة أمام الباب، ثم التفت نحو الطريق وهو يتوقع رؤية ظهر أمناي الصغير بين السنابل. لمحه في البداية ظلًا غامضًا على مسافة، ثم لاح له الفراغ. مسح بعينيه الحقل القريب، لم يجد الحركة التي اعتادها من ابنه كل صباح. في داخله، تحرك قلقٌ خفيّ، قلق الآباء الذين يعرفون أن لحظة واحدة تكفي لتغيير مصير بيت كامل.

حين وصل الأب إلى الحقل، كان البغل يعرف طريقه من دون مناداة. كانت خطوات البغل أكثر ترددًا هذه المرة، وكأن الحيوان التقط من الأرض رائحةً لا تعجبه. رأى من بعيد شيئاً منزلقاً على ظلّ الصخرة، جسدًا صغيرًا يميل قليلاً كما لو غلبه النعاس في غير وقته. كسر المسافة ركضاً، ولمّا اقترب، لم ير الأفعى، بل رأى قدماً صغيرة تنتفخ عند الرسغ، كأنها تذكّر العالم بحجمها الحقيقي.

نادى: “أمناي!” ولم يكن النداء سؤالاً ولا تقريراً، بل اسماً أُعيد إلى طغيانه الأول؛ الاسم حين ينطق في لحظة خوف لا يكون إلا صرخةَ استغاثةٍ بكل ما في الكون. رفع الطفل بين ذراعيه، تحسّس وجهه، شمّ عرقه، فتلمّس في رائحته بقايا ليلٍ لم يكتمل نوماً، وبقايا لعبٍ مقطوعٍ قبل أن ينتهي.

لم يكن في الحقل أحد ليسأل، ولا في الهواء شاهد يروي ما حدث بتفصيل، لم يكن سوى أثر زحرفةٍ خفيفة على التراب قرب الصخرة، وعشب مائل في اتجاه واحد؛ دلائل صغيرة على مرور شيءٍ لا يُرى عادة في وضح النهار.

ضرب باسو الأرض بكعبه مرة، كأنه يلومها لأنها لم تبتلع الأفعى قبل أن تمتد إلى ابنه، ثم حمل أمناي كما تحمل الأمهات أطفالهن المرضى، لا كما يحمل الرجال أحمالهم. أدار رأسه نحو القرية، رأى ظل الجبل وقد زحف أكثر على البيوت، سمع من بعيد صوت حادة تنادي اسمه لتسأله عن تأخر أمناي. زادت خطواته سرعة، صار الركض ضرورة لا خيارًا.

الطريق إلى المستوصف لم يكن بعيداً، لكنه لم يكن قصيراً أيضاً. بين المنحنى والمنحدر، تتغيّر الأرض تحت القدمين، وتصير الحجارة أخف أو أثقل بقدر ما يشتدّ نبض الرجل الذي يحمل العالم. كان العرق يتصبب من جبين باسو، يختلط بأنفاسه المقطوعة، وكل خطوة يخطوها تحمل بين طيّاتها صلاة غير مكتوبة.

كان الناس يلتفتون، يفسحون الطريق، يرمون كلماتٍ من نوع “اللهمّ لطفك” و”رحمتك يا ربّ”، وهي كلمات لا تُبطئ ولا تُسرّع، لكنها تجعل الدقائق أقلّ قسوةً وهي تسير. بعض النساء وضعن أيديهن على صدورهن حين رأين انتفاخ ساق أمناي، وبعض الرجال هزّوا رؤوسهم بأسى، كأن اللدغة أصابت القرية كلها.

في الخلف، كانت حادة تركض حافية تقريبًا، لم تهتم أن تسحب ثوبها عن التراب، ولا أن تضع خمارًا على شعرها كما تستوجب أعراف القرية؛ كانت أمًا لا شيئًا آخر. إلى جانبها كانت مينة تلهث، ترفع طرف ثوبها بيد وتمسك بذراع حادة باليد الأخرى حتى لا تسقط. عسو سبقهم بخطوات واسعة، صوته يرتفع في الطريق يأمر هذا أن يفسح المجال، وذاك أن يفتح الباب الحديدي للمستوصف قبل أن يصلوا.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *