مفهوم الأمة.. بين حضور الشعوب وغياب السياسات

رغم التحولات الجيوسياسية العميقة التي عرفها العالم الإسلامي، ما زال مفهوم “الأمة” حيًّا في وجدان الشعوب، يتردد في خطب العلماء، ويتفاعل معه كثير من المفكرين والفاعلين المدنيين. غير أن هذا المفهوم، حين يُعرض على موائد السياسة والحكم، يبدو غريبًا أو مُغيبًا عمدًا، وكأنه ليس جزءًا من المشروع السياسي الرسمي. هذا التباين في الحضور والتمثّل يطرح تساؤلًا جادًا: هل الأمة واقع حيّ أم مجرد حلم شعبي لا يجد طريقه إلى السياسات العامة؟
أولًا: الأمة في خطاب الشعوب والدعاة
في العالم العربي والإسلامي، حين تقع فاجعة في غزة، أو أزمة في السودان، أو كارثة في ليبيا، يهب الناس بالدعاء، ويعلو صوت التضامن، وتُستعاد مفردات “الأمة”، و”الأخوة”، و”الجسد الواحد”. هذا الحضور اللافت لمفهوم الأمة في الشعور الجمعي يعكس تماهيًا وجدانيًا رغم الحدود والجوازات والسياسات المختلفة.
كذلك، في خطب كثير من العلماء والدعاة، لا تزال “الأمة الإسلامية” جزءًا من الوعي الديني والرسالي، حيث تُستحضر ككيان مسؤول ومتضامن. لكن هذا الحضور لا ينعكس بالضرورة في دوائر القرار.
ثانيًا: غياب الأمة عن عقل الدولة
حين ننظر إلى الخطاب الرسمي للدول، نلحظ غيابًا شبه تام لمفهوم “الأمة”. لا في المناهج التعليمية، ولا في الخطاب السياسي، ولا في السياسات الخارجية إلا نادرًا. معظم الدول العربية تتعامل مع الأزمات الإقليمية بمنطق السيادة والحدود، لا بمنطق الأمة.
تُقدَّم الأولويات الوطنية، وتُحاكم القضايا الكبرى وفق حسابات النفوذ والمصالح والاصطفافات، وليس من زاوية الرؤية الجامعة التي ترى في معاناة بلد شقيق قضية مصيرية للأمة كلها.
ثالثًا: النتيجة.. تناقض في الرؤية وبُعد في السياسات
هذا الانفصام بين ما تعيشه الشعوب وما تقرره الحكومات، أفرز رؤى متضاربة: فبينما تندفع الشعوب بروح الأمة نحو الغضب أو التضامن، تمضي الحكومات في سياسات تراعي “الاعتدال” أو “الواقعية” كما تسميها، حتى لو بدا ذلك انفصالًا عن وجدان الناس.
هذا التعارض لا يخلق فقط شرخًا بين الحاكم والمحكوم، بل يُضعف أيضًا قدرة الأمة على الفعل الجماعي، ويجعلها لقمة سائغة في مشاريع التفتيت أو التدخل الأجنبي.
رابعًا: هل الأمة مجرد خطاب عاطفي؟
يتساءل البعض إن كانت الأمة مجرد شعار عاطفي يَسهل التلاعب به. والحقيقة أن الأمة ليست نقيض الدولة، بل يمكن أن تكون إطارًا جامعًا يعزز من قوة الدول إذا بُنيت السياسات على تكامل المصالح وتشارك الهمّ.
في الاتحاد الأوروبي، ورغم اختلاف الثقافات واللغات، تم بناء مشروع مشترك فيه قدر من “الانتماء” تتقاطع فيه السياسات والاقتصاد. فكيف بأمة تشترك في اللغة والدين والتاريخ؟
خامسًا: من يحيي الأمة من جديد؟
إحياء مفهوم الأمة لا يبدأ فقط من أعلى الهرم السياسي، بل يحتاج إلى مشروع ثقافي وتربوي وإعلامي متكامل يعيد لهذا المفهوم قيمته، ويُربّي عليه الأجيال.
لكن لا بد من الاعتراف أن غياب الإرادة السياسية، والانشغال بصراعات داخلية أو ولاءات خارجية، يعيق هذا المسار.
الخاتمة:
ليس من العدل أن تبقى “الأمة” حبيسة مشاعر الشعوب وخطب العلماء، فيما تُداس في السياسات، وتُحاصر في الواقع. الأمة ليست حنينًا إلى الماضي، بل أفقًا استراتيجيًا يُمكن أن يعيد التوازن لعالم يطحن المستضعفين، ويستثمر في انقسامهم.
ما لم تُستعد الكلمة إلى مقعدها في عقل الدولة، سنظل نرددها بكاءً، لا بناءً.
اترك تعليقاً