وجهة نظر

بينهم وبين الأذى.. صمتنا! – لماذا نخذل الأطفال ذوي الإعاقة؟

لا تكاد تمر فترة حتى تطرق أسماعنا أخبار مروعة عن اعتداءات جنسية تتعرض لها فئات مجتمعية هشة، لكن الأخطر هو ذلك الصمت شبه المطبق الذي يلف استهداف فئة محددة بوجه خاص: الأطفال ذوو الإعاقة، وخاصة الفتيات والنساء منهم. إنها ظاهرة تنمو في الخفاء، تتغذى على ثقافة الصمت والوصم الاجتماعي، وتتفاقم بسبب إعاقات تجعل من الضحايا أهدافاً سهلة لمن يفترض فيهم أن يكونوا مصدر أمان.

إن المتتبع لما تنشره وسائل الإعلام يلحظ تنامياً مقلقاً لهذه الظاهرة، ما يفرض علينا جميعاً – كمجتمع مدني، وإعلام، وحكومة. – دق ناقوس الخطر بشدة، والمطالبة باتخاذ إجراءات رادعة وفورية.

الواقع المرير: أرقام صادمة وهشاشة مضاعفة

لا مكان للاجتهاد هنا، فالأرقام الدولية تتحدث بوضوح. تشير تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن الأطفال ذوي الإعاقة يتعرضون للاعتداء الجنسي بمعدل يزيد ثلاث إلى أربع مرات عن أقرانهم غير المعاقين. وتزيد هذه النسبة بشكل مخيف لدى الفتيات ذوات الإعاقة الذهنية. في ألمانيا، كشفت دراسة أن النساء والفتيات ذوات الإعاقة عرضة للعنف الجنسي بضعفين إلى ثلاثة أضعاف غيرهن.

وفي المغرب، ورغم ندرة البيانات المصنفة حسب الإعاقة، فإن الإحصاءات العامة تنبئ بحجم الكارثة. فبين 2007 و2012، سجلت مصالح الأمن الوطني 11,599 حالة عنف جنسي ضد القاصرين، معظمهم من الفتيات. هذه الأرقام ليست سوى قمة جبل الجليد، فكثير من الحالات، وخاصة تلك التي تخص أطفالاً ذوي إعاقة، لا تبلغ أبداً بسبب الخوف من الفضيحة، أو عدم قدرة الطفل على التعبير، أو عدم مصداقيته في نظر المحيطين.

لماذا هم أهداف سهلة؟ تشريح الاستغلال. لأنهم لا يتكلمون.. نعتقد أنهم لا يتألمون

تتقاطع مجموعة من العوامل لتجعل من الطفل ذي الإعاقة فريسة سهلة.

  1. ضعف التواصل:الأطفال ذوو الإعاقات الذهنية أو صعوبات النطق يعجزون عن وصف ما حدث لهم أو تمييز السلوك الضار من الطبيعي.
  2. الاعتماد الكلي:حاجتهم للمساعدة في الرعاية الذاتية الحميمة تخلق مواقف يستغلها المعتدي، الذي غالباً ما يكون من دائرة الثقة (أحد الأقارب، مقدم الرعاية، معلم).
  3. الشعور العاطفي:شوقهم للحنان والاحتضان يجعلهم يقبلون أي شكل من أشكال الاقتراب، دون تمييز بين البراءة والانتهاك.
  4. التربية الجنسية المعدومة:كثير من هؤلاء الأطفال لا يتلقون أي توعية بخصوص حدود أجسادهم وحقوقهم، مما يحول دون قدرتهم على رفض السلوك غير المقبول.
  5. ثقافة التكذيب:ينطلق المعتدون من افتراض أن المجتمع لن يصدق رواية طفل ذي إعاقة، مما يمنحهم شعوراً بالحصانة.

الإطار القانوني: بين الالتزام الدولي والتقصير الوطني

المغرب ليس بمنأى عن مسؤوليته. فهو طرف في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تلزمه صراحة بموجب المادة 16 بـ “اتخاذ جميع التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتعليمية” لحمايتهم من كل أشكال الاستغلال والعنف. كما أن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل تفرضان عليه حماية خاصة للفتيات

غير أن هذه الالتزامات تبقى حبراً على ورق إذا لم تترجم إلى فعل ملموس على الأرض. فالقوانين المغربية الحالية، رغم وجودها، تفتقر إلى الحزم الكافي والآليات الواضحة التي تراعي خصوصية هذه الفئة.

إننا نطالب بـ

  • تشديد العقوبات على جرائم الاعتداء الجنسي على الأشخاص ذوي الإعاقة، باعتبارها ظرفاً مشدداً.
  • ضمان إجراءات قضائية تراعي الإعاقة، من خلال توفير الترجمة بلغة الإشارة، واختصاصيين في التواصل، وبيئات مستقلة وآمنة لأخذ شهادة الضحية.
  • حظر صريح للتعقيم القسري والعلاج الإلزامي الذي قد يتعرضون له.

من أجل منظومة حماية شاملة: مسار لا بد منه

الحد من هذه الظاهرة الآخذة في التمدد يتطلب رؤية استباقية وشاملة، تقوم على عدة ركائز

  1. الوقاية أولاً:من خلال إدماج التربية الجنسية الوقائية في برامج تأهيل وتعليم الأطفال ذوي الإعاقة، بما يتناسب مع قدراتهم. وتوعية الأسر ومقدمي الرعاية بعلامات الاعتداء وكيفية التعامل معها.
  2. كسر حاجز الصمت:حملات التوعية المجتمعية يجب أن تركز على تغيير النظرة الدونية الأشخاص ذوي الإعاقة، وتشجيع الإبلاغ عبر توفير قنوات سرية وآمنة.
  3. تمكين الضحايا:بتوفير دعم نفسي واجتماعي متخصص للناجين، وضمان وصولهم إلى الخدمات القانونية والصحية دون عوائق.
  4. الرقابة والمحاسبة:تعزيز الرقابة على المؤسسات الإيوائية والتأهيلية، وتدريب جميع العاملين فيها على آليات الكشف عن حالات الاعتداء والإبلاغ عنها.
  5. إنتاج البيانات:العمل على جمع بيانات وإحصاءات دقيقة ومصنفة عن العنف ضد الأشخاص ذوي الإعاقة، لفهم حجم المشكلة وتقييم التدخلات.

الأطفال ذوو الإعاقة هم كنز إنساني يجب أن نحميه، وليس رقماً في إحصاءات العنف. إن استمرار تعرضهم للاعتداءات الجنسية هو وصمة عار في جبين مجتمعنا. لقد حان الوقت لتحويل الصمت إلى صرخة، والغضب إلى فعل. حان الوقت لأن تتحول الالتزامات الدولية التي وقع عليها المغرب إلى قوانين رادعة وبرامج حماية فعلية. فلنعمل معاً من أجل بناء سور منيع من الحماية يضمن لهؤلاء الأطفال طفولة آمنة وكريمة، لأن حمايتهم ليست ترفاً، بل واجب إنساني وقانوني وأخلاقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *