منتدى العمق

لماذا لا يتوفر المغرب على رأي عام؟؟؟

من خلال سعينا المتواصل لفرض خطاب علمي رصين ، على حساب خطاب شعبوي ظرفي ومتهافت ، قررنا سلك منهجية نسعى من خلالها إلى طرح مواضيع ذات بعد أكاديمي ، حيث يسود النفس العلمي ، بدل الخطاب التداولي الوهمي.

ويبقى المراد والغاية ، إزالة التشويش عن بعض المفاهيم التي تعاني من الشطط في استعمالها ، ليس بشهية الميتافزقية ولاجاذبية التجرد ، ولكن من أجل الانتصار للخطاب العلمي بغية تفكيك الواقع ، بدل الهرولة نحوى الاثارة المجانية … فأنصار الفكر سيجدون ضالتهم معنا ، ام من يبحث عن النشاز نقول له مكانك ليس بيننا فالجفاف عندنا أحسن من محصول كاسد .

فالكل يلاحظ كيف يتم اغتيال المفاهيم والاعتداء عليها بصفة دائمة ، من طرف السياسيين ورجال الإعلام والنخب ، دون وضع المفاهيم في سياقها الفكري ، لأن الفكر صامد والسياسة عاهرة لا اخلاق لها ، إن ضعف الخطاب السياسي ومحدوديته تكرس الهوة بين ماهو سياسي وماهو فكري ، أي بين ماهو ظرفي وماهو استراتيجي .

وفي هذا الإطار اخترنا مكاشفة أحد المفاهيم ، الذي يتم تداوله في الخطاب العربي والمغربي على وجه الخصوص ، من خلال إدخاله لحلبة الفكر حتى يفصح عن حقيقته بدل الضجيج الذي خلقه للمتتبع الحصيف ، وبين اللخبطة التي أصاب بها المتتبع العادي الذي يتبضع من الخطاب المتداول …

إن مفهوم ” الرأي العام ” له ارتباط عضوي بالشعبوية ، فكلما ارتفع منسوب الشعبوية ، تقزم مفعول ” الرأي العام ” ، حيث يعد الرأي العام مكون من مكونات الديموقراطية الحقيقية ، رغم أن مسار الديموقراطية مسار لولبي ليس قارا سواء عموديا أو أفقيا، حيث لايستقيم الحديث عن وجود ” رأي عام ” في ظل غياب الديموقراطية ، فالملاحظ أن هناك تلازم بين ” الرأي العام ” والديموقراطية ، حيث يشكل ” الرأي العام ” مؤسسة وسلطة مستقلة ، بشرط تواجد مناخ يسهل تفريخها من وجود تعليم بجودة عالية ، ووجود اقتصاد قوي وتنافسي ، هذا مايجعلنا نؤكد عن عدم تواجد ” رأي عام ” في المغرب وباقي الدول العربية ، بل يمكننا الحديث عن وجود ردود فعل شعبوية سواء من العامة أو النخبة ، فحتى نحسم الأمر فلايمكننا الحديث عن ” الرأي العام ” في غياب الديموقراطية ، وفي غياب تعليم في مستوى عال ، واقتصاد تنافسي ، ففي غياب الرأي العام تتبع العالم كيف تهاوت ماسمي ” الثورات العربية ” بطريقة سريعة ، لأنها ردود أفعال فقط ، تباين مفعولها من دولة لأخرى ، في حين تتوفر دول الغرب عن رأي عام قوي ومؤثر في القرارات الهامة للدول ، حيث يعتبر السلطة الأولى المحددة للاختيارات الكبرى للدول ، فالمغرب والدول العربية يتوفرون على ردود أفعال شعبوية وليس على رأي عام تتداخل فيه النخبة والعامة .

فالثابت أن مفهوم ” الرأي العام ” يختلف من حضارة لأخرى، كما أن وزنه القيمي يختلف من مجتمع لأخر ، حسب توظيفه وأهدافه، فالمفهوم إذن وسيط بين طرف وأخر ، فاللجوء إلى تسميته ضرورة علمية ، أما ممارسته كحقيقة ماثلة فالامر يحتاج الى ماتم الإشارة إليه . فبحثنا منزه عن النوايا التي قد تعيدنا لمربع الظرفية والاسفاف ، إن كل ماسبق يدفعنا لمقارعة المفهوم وزادنا في ذلك العديد من المراجع لوضعه على اليابسة واستقرارها، بدل تركه يتلاطم بين أمواج البحار .

ان سيادة الخطاب الشعبوي ، يجعل مفهوم ” الرأي العام ” موجه من طرف لأخر خال من الحمولة العلمية ، وبالتالي فإن كل الخطاب العربي المعاصر ، هو خطاب شعبوي ، وتلك أبرز معضلات العقل العربي في نكسته التاريخية ، كما تصدى لذلك مفكرنا محمد عابد الجابري في مشروعه الباذخ ، فالذي يمكن استنتاجه أنه لاحجة لرمي بعضنا البعض بتهمة الشعبوية ، طلما وجدت ضالتها في عقلنا المعطل الذي دفع استقالته.

لنذهب إلى نافذة أخرى في مكاشفتنا هاته ، حيث تعتبر الشعبوية عند عموم المفكرين ، كايديولجية أو نوع من الخطاب السياسي ، الذي يستخدم الديماغوجية ودغدغة عواطف الجماهير الغير المثقفة ، بالحجاج الجماهيري لتحييد القوى العكسية ، حيث يعتمد المسؤولين على الشعبوية لاحتواء الناس والجماهير ، لما ينفذونه أو يعلنونه من سياسات ، للحفاظ على نسبة جماهيرية معينة تعطيهم مصداقية وشرعية ، وعكس الشعبوية هو تقديم المعلومات والأرقام والبيانات بمخاطبة عقل الناخب لاعواطفه ، إن الراي العام إفراز طبيعي للنظام السياسي الديموقراطي نفسه ، حيث انه مرتبط بحالة الشد والجذب بين وجهي الديموقراطية :

– الوجه البراغماتي : الذي تمثله المؤسسات الديموقراطية ، من أحزاب وانتخابات وجماعات ضغط ، التي يتم صنع القرار فيها ، من خلال توافقات وتفاعلات أعداد كبيرة من الفاعلين السياسيين
– الوجه المثالي : التي تمثل فيه الديموقراطية طريقا لحياة أفضل ، من خلال تحقيق إدارة الشعب لأموره ، وتنفيذ إرادته في تحديد مستقبله.

إن طغيان الخطاب العاطفي الظرفي الذي تتغذى منه الشعبوية ، من مشاعر الغضب والخوف عند عامة الناس . يجعل من تكوين ” رأي عام ” مسألة بعيدة المنال ، فضلا على أن ” الرأي العام ” لاينتعش في وضع اقتصادي غير سليم …

إن الشعبوية في المحصلة هي أذان الضجيج وحرب الكلام ، واستعمال الألغام استعمالا مفرطا . حيث انتقلنا من تسلط العدميين إلى الرجعيين الجدد إلى التيئسيين وأخيرا إلى الشعبوية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *