رواية.. “ضائع في كفن الحياة” (الحلقة الـ29)
“ضائع في كفن الحياة” رواية تستلهم واقعًا مغربيًّا قاسيًا عبر سيرة أمناي، الطفل القروي الذي أُعلن موته خطأ بعد لدغة أفعى في مستوصف عمومي، بينما يُهرَّب من الباب الخلفي كبضاعة بشرية تتقاذفها أيادي نافذين وسماسرة.
الرواية، المنشورة حلقات على صفحات “العمق”، لا تكتفي بسرد مأساة فردية، بل تفضح هشاشة منظومة حماية الطفولة حين تختزل الأجساد في أوراق والأرواح في ملفات، وتغوص بإيقاع بطيء وعميق في الندوب النفسية التي يخلّفها الإهمال، وفي أسئلة العدالة والمغفرة، وهي ترافق البطل إلى لحظة اختياره لمصيره. هذه الحلقات ليست فقط لتتبّع قصة مثيرة، بل لدعوة القارئ إلى التفكير في أطفالٍ كُثر قد يكونون اليوم “ضائعين في أكفان الحياة” في هوامش هذا البلد.
ليالي المزرعة كانت أطول من أن تُقاس بعدد الساعات. في غرفة الكلب الضيقة، كان الزمن يُقاس بأشياء أخرى: عدد مرات نباح الحيوان قربه، عدد قطرات الماء التي يلتقطها من قاع الكأس، عدد المرات التي يستيقظ فيها من كابوس وهو يلهث ويبحث في العتمة عن جدارٍ يعرفه فلا يجده.
النهار يبدأ برعشة البرد قبل الضوء. الإسمنت تحت جسده يحتفظ ببرودة الليل كأنّه حجر نهرٍ لم تجفّ عنه المياه. حين يفتح عينيه، لا يجد سوى جدار خشن، وبقعة رطبة في زاوية الغرفة، ونافذة صغيرة عالية لا تمنح من الشمس إلا شريطًا يمرّ سريعًا ثم يختفي. ملابسه الرقيقة لا تقيه شيئًا؛ يضمّ ركبتيه إلى صدره، ينفخ في كفّيه، يسمع أسنانه تصطكّ أحيانًا من غير أن يقدر على إيقافها. الجوع يقرص بطنه، والعطش يحفر حلقه، والبرد يدمر ما تبقّى من مقاومة في جسدٍ صغير أنهكته الرحلات قبل السجون.
الحاج لم يأتِ إليه كثيرًا بنفسه. كان يرسل الحارس أحيانًا بكسرة خبزٍ يابسة، بقارورة ماء نصفها شحيح. في الأيام السيئة، لا يأتي أحد. يتعلّم يونس في تلك الساعات أن ينتظر فلا يأتي أحد، أن ينادي في داخله فلا يجيبه صوت. كان يسمع في الخارج ضحكات متقطعة للعمال، صرير العربة حين تنقل أكياس العلف، خبط الأبواب المعدنية، فيدرك أن العالم مستمرّ في عمله، بينما هو مجمّد في زوايةٍ رطبة، كأن الزمن تعمّد أن يتركه خارج جدوله.
الكوابيس لم تكن تأتيه فقط حين ينام، بل كانت تزوره في اليقظة أيضًا؛ صور متداخلة لا يتمكن من فرزها. في الليل، حين يغفو من شدّة الإعياء، يرى نفسه مرة أخرى في حقل الشعير، يركض حافيًا، يسمع صوت حادة تناديه من بعيد، يلتفت، فيجد بدلها زينب واقفة عند باب عمارة، وبجانبها محمد يحمل طفلةً صغيرة. يركض نحوهما، لكنّ رجليه ثقيلتان، كأن سلاسل خفية تمسك بعظمه. كلّما اقترب، يتحوّل الطريق إلى ممرّ المستوصف، سمّ الأفعى يعود ليحرق ساقه، يسمع الطبيب يقول: “القلب توقّف”، ثم يرى نفسه في النعش الفارغ، يسمع صرخات النساء، يفتح الغطاء فلا يجد أحدًا فوقه، فقط سماء رمادية تشبه سقف غرفة الكلب.
في كابوس آخر، يرى المطار: زينب تدفع عربة، بجانبها محمد، وبالعربة مقعدان فقط. يركض خلفهما وهو يصرخ: “أنا هنا!”، لكن صوته لا يخرج. يصل إلى الزجاج، يطرق بيديه الصغيرتين، يرى الطائرة تقلع، جناحها يمرّ من أمام عينيه كظلٍّ ضخم، يسمع داخله خفقة عنيفة، يستيقظ وهو يلهث، يده على صدره، يتلمّس دقّات قلبه، كأنه يتأكد أنه لم يتوقف فعلاً كما قالوا يومًا في المستوصف.
في اليقظة، كانت أشباح الليل تترك أثرها؛ يهتزّ أحيانًا من لمسةٍ خفيفة للحارس وهو يفتح الباب، يظنّ أنه سيسحب الآن إلى جهةٍ أخرى، كما سحبوه من قبل. يتلفّت كثيرًا إن سمع اسمًا يشبه اسمه، وإن كان لا أحد يناديه هنا أصلًا. النوم صار مجزّأً، متقطعًا، يقطعه خوفٌ فجائيّ لا يعرف مصدره، كما يحدث كثيرًا للأطفال الذين عاشوا صدمات وحرمانًا ممتدًا.
الجوع علّمه أن يوفّر حتى في الأحلام؛ لم يعد يحلم بالطعام الفاخر، بل بكسرة خبزٍ طرية، بحساءٍ ساخن، بكأس ماءٍ بارد. يستيقظ ولسانه يابس، يحاول أن يلمَّ ما بقي من ريقٍ في فمه، يعصره كمن يعصر آخر قطرة حياة، ثم يبتلع بصعوبة. في بعض الأيام، تضطره قسوة العطش إلى أن يقترب من وعاء الكلب حين يتركه الحارس قريبًا من الباب؛ ينظر إلى سطح الماء المتّسخ، يتردّد بين كرامةٍ تعلّمها وخوفٍ من موتٍ بطيء، ثم يشرب. في لحظة الشرب، لا يرى نفسه إنسانًا ولا حيوانًا، يرى فقط جوفًا مشتعلًا يبحث عن قطرة تطفئه.
البرد في الليل لا يأتي من الهواء فقط؛ يأتي من الوحدة أيضًا. لا جسد آخر قربه يدفئ الفراغ، لا صوتٌ يردّ على همسه، لا ضوءٌ صغير في آخر الممرّ يوحي أن هناك من يسهر في غرفةٍ مجاورة. كل شيء مطفأ، إلا نباح الكلب حين تقترب حيوانات من السور، وصوت أوراق الزيتون حين يحرّكها الهواء. في هذه العتمة، يبدأ عقله في اختراع أصواتٍ أخرى: يتهيأ له أن يسمع وقع خطوات حادة قرب الباب، همسة زينب وهي تقول له “نم يا يونس”، ضحكة يوسف، أو حتى صراخ رضا وهو يناديه من بعيد. يقترب من الباب، يلصق أذنه بالحديد البارد، يسمع لا شيء، يعود، يقتنع أن ما سمعه كان بقايا حنين
.
مراتٍ قليلة، كان الحارس يطيل فتح الباب قليلاً، يمرّر له النظرة نفسها التي تحمل شيئًا من الشفقة وكثيرًا من العجز. مرة قال له بصوتٍ خافت لا يسمعه أحد:
ـ اصبر يا ولدي… الأيام تدور.
لم يفهم يونس كيف يمكن للأيام أن “تدور” وهو حبيس جدران أربعة، لكنّه تمسّك بالجملة كمن يتمسّك بحجرٍ صغير في سيلٍ جارف.
في جسده، بدأت علامات الحرمان تظهر جلية: وجهه صار أكثر نحولاً، عظام كتفيه تبرز تحت القميص، حركاته أبطأ، تركيزه أضعف. أحيانًا، يجلس ناظرًا إلى نقطةٍ في الحائط لساعات، يغيب في شرودٍ لا يرى فيه شيئًا. تلك الحالة من الانطفاء الداخلي شائعة عند الأطفال الذين يُتركون في الإهمال والعزلة لفتراتٍ طويلة؛ حيث يمتزج الحزن بالإرهاق فيطفئان الرغبة في التفاعل مع العالم.
ورغم كل هذا القسوة، كان هناك خيطٌ رفيع لا ينقطع تمامًا: خيط الدعاء. لم يتعلّم يونس الفقه ولا الكلام الطويل، لكنّه تعلّم، من جدته البعيدة ومن زينب، أن يقول جملةً واحدة حين تضيق الدنيا: “يا رب، لا تتركني وحدي.” كان يكررها أحيانًا بلا وعي، يهمس بها في ظلام الغرفة، لا ينتظر جوابًا صوتيًّا، يكفيه أن يشعر أن الكلمة خرجت من صدره إلى مكانٍ ما، إلى سقفٍ أعلى من سقف بيت الكلب.
في إحدى الليالي، بعد سلسلةٍ من الكوابيس، رفع رأسه بصعوبة، أسند ظهره إلى الحائط، نظر إلى البقعة الصغيرة من السماء التي يراها عبر النافذة الضيقة، وقال بصوتٍ مبحوح:
ـ إن كان لي في هذه الدنيا مكان… فدلّهم عليّ. وإن لم يكن… فارحمني.
لم يكن يدري أن في مكانٍ آخر، تحت نفس السماء، هناك من بدأ يسمع خيطًا من الحكاية: هاتفٌ في فرنسا رنّ، جارةٌ في المغرب تكلّمت، رجلٌ في مدينةٍ أخرى ارتبك حين سُئل، وضميرُ أكثر من شخصٍ بدأ يستيقظ من سباته البارد.
يتبع…
اترك تعليقاً