وجهة نظر

واشنطن تعيد رسم حضورها في إفريقيا: أين يتقاطع تقرير البيت الأبيض الجديد مع موقع المغرب الاستراتيجي؟

واشنطن تعيد رسم حضورها في إفريقيا: أين يتقاطع تقرير البيت الأبيض الجديد مع موقع المغرب الاستراتيجي؟

أصدر البيت الأبيض في 4 نونبر 2025 تقريره الرسمي ضمن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية (NSS 2025)، محددًا ملامح السياسة الخارجية الأمريكية في العالم وفي إفريقيا في السنوات المقبلة. ويشير التقرير إلى تحول واضح في النهج الأمريكي، مؤكدًا أن “الولايات المتحدة ستنتقل من التركيز على نشر الأيديولوجيا الليبرالية إلى بناء شراكات اقتصادية وأمنية تقوم على الاستثمار والمصالح المتبادلة بدل المساعدات التقليدية.”

وفقًا للتقرير، ستتركز الجهود الأمريكية على “الحد من النزاعات داخل القارة، وتعزيز العلاقات التجارية ذات الطابع البراغماتي، واستثمار الطاقة والمعادن الحيوية التي أصبحت محور التنافس الدولي”. كما دعا التقرير إلى “إعادة صياغة برامج الدعم، مثل قانون النمو والفرص الإفريقية (AGOA)، بما يخدم التحول نحو نموذج اقتصادي يرتكز على التجارة والاستثمار”.

وفي هذا السياق، يبدو المغرب من أكثر الدول الإفريقية التي تتقاطع أولوياتها الاستراتيجية مع الرؤية الأمريكية الجديدة. فقد أشار التقرير إلى أن واشنطن “تسعى إلى إقامة شراكات مع الدول القادرة والموثوقة، الملتزمة بفتح أسواقها أمام السلع والخدمات الأمريكية”، وهو ما ينطبق على المغرب الذي رسخ حضوره القاري في مجالات الأمن والتنمية والبنية التحتية.

ويبرز هنا المشروع الأطلسي، الذي أطلقه المغرب مع عدة دول إفريقية ساحلية، والذي يسعى إلى خلق “ممر لوجستي وتنموي يربط دول غرب إفريقيا بالمحيط الأطلسي والأسواق العالمية”. ويؤكد التقرير أن المشاريع العابرة للقارة “تمثل فرصًا جذابة للاستثمار الأمريكي في مجالات الموانئ والطاقة والخدمات اللوجستية، بما يتوافق مع توجه واشنطن نحو شراكات قائمة على العائد المشترك بدل المساعدات”.

كما يشكل مشروع أنبوب الغاز نيجيريا – المغرب إحدى أهم الأوراق الاستراتيجية، حيث سيسهم في تحويل غرب إفريقيا إلى محور طاقي عالمي. ويشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة ستولي اهتمامًا كبيرًا بـ “الاستثمار في الغاز الطبيعي والغاز المسال والبنى التحتية المرتبطة بالطاقة النظيفة والآمنة”، وهو ما يجعل الأنبوب فرصة استثمارية كبيرة للشركات الأمريكية.

وفي مجال الأمن، ينبه التقرير إلى ضرورة أن “تظل الولايات المتحدة يقظة تجاه التهديدات الإرهابية في إفريقيا، دون الانخراط في وجود عسكري طويل الأمد”. وهنا يظهر المغرب كشريك موثوق، كونه يجمع بين الاستقرار السياسي وخبرة واسعة في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، مما يعزز التعاون الأمني والاستخباراتي مع واشنطن.

مع التحول نحو شراكات “قائمة على القدرة والموثوقية”، يؤكد التقرير أن الولايات المتحدة تبحث عن حلفاء قادرين على توفير بيئة مستقرة وآمنة للاستثمار، وهو ما يجعل المغرب من أبرز الحلفاء المؤهلين لتجسيد هذا التوجه. فهو دولة ذات مؤسسات قوية، وسياسات اقتصادية منفتحة، وشبكة علاقات إفريقية متينة، ومشاريع استراتيجية كبرى توفر للولايات المتحدة موطئ قدم آمنًا وفعّالًا داخل القارة.

وفي الختام، تشير استراتيجية الأمن القومي الأمريكية إلى أن “إعادة صياغة العلاقة مع إفريقيا تفتح آفاقًا جديدة للشراكات الاقتصادية والأمنية، وتعزز الاستثمار في الطاقة والموارد الطبيعية”. وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن للمغرب أن يصبح منصة استراتيجية رئيسية للولايات المتحدة في غرب إفريقيا والفضاء الأطلسي، معزّزًا شراكته التاريخية مع واشنطن على أسس اقتصادية وأمنية مستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *