منتدى العمق

الدفع بعدم الدستورية: ملاحظة في ضوء مشروع القانون التنظيمي رقم 35.24

يُثار النقاش مجددًا إزاء مشروع القانون التنظيمي المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، وذلك عقب الشروع في مسطرته التشريعية للمرة الثالثة.

ويُعدّ هذا التطور مناسبةً لإعادة النظر في صياغة المشروع وضبط أحكامه بما يضمن النفاذ الفعلي إلى العدالة الدستورية.

لقد أبرزت التجارب المقارنة أنّ فعالية نظام الدفع بعدم الدستورية تتوقف على مدى بساطة إجراءاته وشموليته في تمكين المتقاضين من إثارة الدفوع المرتبطة بالحقوق والحريات دون تعقيدات شكلية تُفرغه من محتواه.

ومن هذا المنطلق، فإن اشتراط المشروع توقيع المذكرة الكتابية من طرف محامٍ مقبول للترافع أمام محكمة النقض يُثير جملةً من التحفظات، بالنظر إلى ما قد يترتب عنه من تضييقٍ على ممارسة الحق.

ذلك، أن اشتراط المحامي المقبول أمام محكمة النقض لا يجد سنده في الأساس الدستوري للدفع بعدم الدستورية، كما لا يتماشى مع فلسفة المشرّع الدستوري الرامية إلى توسيع نطاق الحماية القضائية للحقوق والحريات.

فالأصل أن يظل الدفع مفتوحًا أمام جميع الأطراف وفق ضوابط شكلية معقولة، دون أن يُقيَّد بشرطٍ قد يمسّ جوهر الحق في الولوج إلى القضاء، كما أن القياس على شروط الطعن أمام محكمة النقض لا ينسجم مع طبيعة الدفع بعدم الدستورية، الذي يُمارَس في إطار دعوى اصلية قائمة وليس في نطاق الطعون، ومن ثمّ فإن إخضاعه لنفس الشروط الإجرائية يُعدّ تقييدًا غير مبرر، يفرغ الآلية من مضمونها الحقوقي ويُضعف أثرها في تكريس مبدأ سمو الدستور.

ومن ثمّ، فإن إعادة النظر في هذا الشرط أضحت ضرورةً لضمان فاعلية القانون التنظيمي وتطبيقه السليم، بما يحقق الانسجام مع مبادئ العدالة الدستورية والحق في المحاكمة المنصفة.

ويمكن تحقيق التوازن المنشود من خلال الإبقاء على إمكانية الاستعانة بمحام مقبول للترافع أمام محكمة النقض في المنازعات والطعون المعروضة عليها، مع إلغائها خلال مرحلتي الابتدائية والاستئناف، بما يضمن ضبطا مسطريا يتماهى ويتوافق مع القوانين والأنظمة الجارية.

ناهيك عن أن إثارة الدفع لا بد أن تتيح للطرف المعني الخيار بين توقيعه شخصيا على مذكرة الدفع أو رفعها من لدن محام، انسجاما مع ما قضت به المحكمة الدستورية في منطوقها خلال مناسبات عدة، حيث اعتبرت مخالفا للدستور كل مقتضى يُلزم الأطراف وجوبا بتنصيب محام كشـــرط قبول، حتى لا يقيد حق بأقل القيــــود، مع الإبقاء على إمكانية الوجوبية في الحالة التي تفرضها الدعوى الأصلية.

وما دام المشروع قد بوشر في مناقشته أمام اللجنة البرلمانية المعنية، فإن فرصة تدارك هذه الملاحظات وتجويد النص بما يرسخ البعد الحقوقي للدفع بعدم الدستورية ويُحقق فاعليته العملية، ما زالت قائمة، فالتقيد المفرط بالإجراءات لا ينبغي أن يُقدَّم على جوهر الحق، ما دامت الغاية من الدفع هي تطهير النظام القانوني من النصوص المشوبة بعدم الدستورية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *