منتدى العمق

آسفي تغرق… وصرخة امرأة تكشف عن ازدواجية “السرعتين” في التنمية.

​إن الصورة المؤلمة لامرأة ترتدي حجابًا باللون الأزرق الفيروزي، محاصرة بين صخور متداعية ومياه فيضان عارمة تجتاحها، ليست مجرد لقطة مأساوية عابرة من أحداث فيضانات آسفي الأخيرة؛ بل هي صرخة مدوية تكشف عن واقع مرير، وعنوان مكثف لفشل متراكم في التعامل مع هشاشة البنيات التحتية وتهميش فئات واسعة من سكان هذه المدينة الساحلية العريقة. هذه المرأة، التي كادت أن تبتلعها السيول لولا تدخل أيادي المتضامنين وفق ما أظهرته مقاطع الفيديو المنتشرة، أصبحت رمزًا لأهالي آسفي الذين يعيشون على حافة الخطر كلما اشتدت قطرات المطر.

​الفيضانات التي تضرب آسفي بشكل شبه سنوي ليست قدرًا محتومًا، بل هي نتاج معادلة قاسية قوامها: تغير مناخي يفاقم من قوة الكوارث، يُضاف إليه تقصير مزمن وواضح في الصيانة والتخطيط الحضري. هذه المعادلة تفضي بالضرورة إلى استهداف الأحياء الشعبية والمناطق الهامشية التي لا تتوفر فيها شبكات صرف صحي فعالة ولا تُعطى الأولوية في مشاريع التهيئة. إن التهميش لا يقتصر على نوعية السكن، بل يمتد ليصبح تفاضلاً صارخًا في قيمة حياة المواطن، حيث يُترَك المهمشون يواجهون الطبيعة بـ”بنية تحتية” لا تتجاوز التمني والدعاء.

​هنا، يتجلى بوضوح النقاش القوي حول ما جاء في خطابات جلالة الملك عن “السرعتين” في التنمية. كيف يمكن لبلد أن يتقدم ويحقق قفزات نوعية في بعض مدنه ومناطقه الحضرية الكبرى (السرعة الأولى)، بينما تظل مدن ومناطق أخرى، كأجزاء واسعة من آسفي الفقيرة، تتقهقر وتُترك لمواجهة مصيرها بأقل الموارد والاهتمام (السرعة الثانية)؟ هذا التباين هو تجسيد للمحسوبية التنموية التي ترفضها كل الرؤى الملكية السامية، والتي تدعو إلى عدالة مجالية حقيقية. إن إنقاذ المرأة من الغرق لم يكن نتيجة عمل مؤسساتي استباقي، بل كان دليلاً على أن التفاوت في التنمية يخلق تفاوتًا في الأمان، ويُعرّض حياة شريحة واسعة من المغاربة لخطر الهلاك.

​يجب أن تتحول صورة هذه المرأة من مجرد خبر عابر إلى نقطة انطلاق لمساءلة جادة ومباشرة لـمسؤولي تدبير الشأن العام على المستويات المحلية والجهوية والمركزية. المطالبة هنا ليست مجرد بالإصلاح، بل بإنهاء التمييز المجالي والتوزيع غير العادل للموارد والاهتمام. على المتعهدين بالإدارة أن يدركوا أن الكرامة الوطنية تبدأ من ضمان سلامة المواطن في أفقر أحيائه. آسفي والمناطق المهمشة الأخرى تحتاج إلى ما هو أعمق من لجان مؤقتة؛ تحتاج إلى خطة استعجالية حقيقية تنبذ منطق “السرعتين” وتضع حياة المواطن المهمش في مقدمة الأولويات، وتضمن أن الكوارث الطبيعية لا تتحول إلى كوارث بشرية بسبب التقصير والإهمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *